(نترات من تلك الصور تأتى على غفلة مني، لا أريد أن أشهدها ثانية؛ لكني عرفت أني إذا لم أسجلها سوف تبقى راسبة وتظل صدمتها قوية، لٲن الطبيب النفسي حذرني من أنني سوف افقد قدرتي على التعاطف مع الأشياء ويموت فيّ روح الاتصال الشعوري بالآخرين إذا استمررت في التعالي والعقلانية ورغم الحوار الخانق الذي دار بيننا، بسبب إصراره ذاك، ومبرراتي له أنني خارجة من صدمة، وأنني لم أكن في نزهة وأن انتظار العقاب للجريمة التي ارتكبتها ليس من السهولة بمكان؛ فالسجن المؤبد أو الإعدام، ومن ثمة يجب أن أتعامل مع الأشياء بمنطق النسيان التام، فكأنني لست التي حدثت لها كل هذه الحوادث، فٲنا غير قادرة على الغفران، لكنني قادرة على أن أصبح صخرة صلدة، ونتيجة نقاشنا الحامي الوطيس، اتفقنا أن اكتب كل ما حدث لي أو بعضه على الأقل، لأن الطبيب رأى في رفضي ذلك نوعا من الخشونة على النفس التي سوف اندم عليها، فأقررت أني ورثت هذا من أبي وكل عائلتنا تملك هذا القدر من القسوة على النفس وهي التي جعلتني أكون صلبة مع كل الأحداث…)
تركت فراغا ابيض، ولم تكمل الجملة ونقطت باقي الصفحة بفواصل فانتقلت الى الصفحة الموالية (… سَلكَتُ طريقا قصيرا بين الجامعة والملعب الجواري لألتقي بذلك الشاب، كنت ارغب أن أكون بقربه وان لم أبادله أي كلمة، سوى ابتسامة. تختفي عند باب الفيلا، لا ادخل بسرعة كما تعودت، رغم أن الحارس يسرع فاتحا لي الباب، بل أظل واقفة وكأني انتظر من يفتح لي الباب للمرة الثانية، عرف إنها حيلة لتوديعي، تعجب من صمتي، لكنه اطمئن أني لم اطرده بشتيمة رغم إلحاحه المندفع، لم أكن اعلم انه يجمع معلوماته من بعض جاراتي اللواتي يدرسن معي في الجامعة، قال لي ذلك بعد أيام من تعارفنا.
كانت كل الطالبات يطلبن ودي ورغم ذلك اشعر بشبه حصار يجعلنني غير طليقة في معاملاتي، بالمقابل لا أريد أن أكون لئيمة فانا ارغب دائما بمساعدة زميلاتي ولا أرد طلباتهم بالتوسط مع الإدارة… أما الفتيان من الطلبة فلم يجرٲ احد منهم على مخاطبتي في أمر خارج الدراسة، كنت كالأميرة بعيدة المنال، أرى ذلك في عيون الذين يقتربون مني. ومَن من الطلبة لم يطلب مني الراحة كي يبحث في مكاني والعودة ببحث زاخر ودسم بالمراجع؟ ووصل الأمر إلى حد أني أريد أحيانا أن ادخل إلى الجامعة وقد عاكسني احدهم أو أثار حفيظتي، لا اعرف إن كان شعوري بالملل وراء ذلك؟ أصبحت ارفض خدمات السائق في أن يوصلني إلى الجامعة أو للتسوق، وكم هو محبب أن اخرج من حي الكويت، إلى أمواج المشاة في الشوارع الرئيسية، إذ اشعر بحريتي حتى أن طلاقة وجهي أو تكشيرته تصبح عَفَوِيّة عند كل شعور ينتابني، لأني دائما ما أحاسب نفسي عند كل خلجة أو حركة تبدر مني، فقد علمتني أمي منذ سنوات طفولتي ترويض مشاعري إلى درجة أني أصبحت أتحكم في تقاسيم وجهي أثناء كل انفعال، فكل شيء بات تعبيرا رسميا،عرفت الآن أن ذلك يعود إلى وضع عائلتي:
- لا تعتقدي أن ذلك على حساب مشاعرك، بل العكس تماما هو خدمة للجميع.
أوصتني أمي بذلك، ولكن هل كان هذا الترويض مانعا، فقد وجدت نفسي في هذا السن اهرب إلى أزقة وحوانيت تبيع بسيط الٲلبسة، في معارض خاصة بأسعار شبه رخيصة إلى درجة أن صديقتي عايدة لامتني على ذلك:
- لا اهتم بما يقول الناس.
كنت اراقب نفسي عند شرب أي شيء، أما الآن فانا اشفط العصير دون أن أعير أحدا من الجالسين في الكافتريا انتباها،لٲن ذلك يسعدني ويجعلني أكثر تذوقا للعصير؛ ثم أن شفتاي الصغيرتان تضطراني إلى ذلك،عكس ما لو كنت في المنزل، لان ذلك يحدث مشكلة. كانت أمتع لحظاتي عندما أتدفق مع السيل الهادر للناس في الأسواق، وتصبح عيناي مرآة كبيرة التقط بها كل ما هو أمامي، من حوارات بين الباعة والزبائن، أو مشاهد الفتيات المخطوبات مع أمهاتهم لشراء أقمشة الزفاف، أو الأزواج مع زوجاتهم الذين جاؤوا لإثارة شهواتهم عند شراء الألبسة الداخلية، فالمح ذلك في نظراتهم المتغامزة أثناء تقليب السلع.
لا اعرف ان كان بحثي عن البساطة يجعلني لا اهتم كثيرا بأبناء طبقتي فبنات أعمامي يعتبرن هذا المكان حقيرا، فهم كثيرا ما يدعونني إلى الذهاب إلى العاصمة للتسوق في سوبر ماركت،ورغم الراحة التي اشعر بها أثناء صحبتهن إلا أنني أجد نفسي مضطرة للانزواء بعالمي النفسي، ومشاركتي الحماسية تقل بمرور الوقت، وأصبحت تائهة عن حديثهن النسوي، زيجات ناجحة، شراء الذهب وكل الحاجات من أوربا، شهر العسل في تركيا،….. لما لم أكن هكذا من قبل – في مراهقتي- و كٲني أصبت باكتئاب؟ فهل يعود هذا إلى أصل عائلتي الأول، لكنني انفي ذلك لان بنات أعمامي لم يمللن من حياتهن، مثلما حدث لي، كان تجنب تلك اللقاءات، الزميلات الودودات وبنات أعمامي يجعلنني أنعتق من إسار الالتزامات البرتوكولية التي تعودت عليها ولا فكاك منها أثناء تواجدهن، تبهجني نظرات الشباب في الأحياء الهامشية، لأني اشعر أن فيها جرأة، حتى أني لا أقوم بردود فعل، رغم ما استشعره من تحرش من احد الشباب أثناء مروري من ممرات السوق الضيقة.
دائما ما اجلس وحدي في غرفتي مع الشين ستيروا، أبدل الأغاني، و أراجع دروسي، كنت أطير محلقة، مع أغاني راغب علامة، وهاني شاكر وسميرة سعيد… كانت المدينة امامي،أو على جنبي، ينفخ الريح صدري، يداي تتموج راقصة بمرح في شرفة الفيلا الوسيعة، رؤؤس الأشجار تنجد الطرقات بشراشف خضراء، يغدو الأفق من أمامي،أعبر طرق وهمية حاصدة الهواء برشاقة متناهية، وتلك كانت هي متعتي التي عشقتها منذ أن تعرفت على ترج لله، فهو لم يترك لي مجالا للتفكير، اندفعت برغبة كبيرة في معرفته، لم اشعر أمامه أول مرة بأي فارق رغم تواضع مظهره،القميص الكاكي والسروال الرمادي من نوع كلاسيك، كان وجهه مشحونا بهدوء نادر رغم سمت الحزن الذي يطبع كامل ملامحه، وتزين عينيه نظرة تأملية أصبحت كالوسامة التي اعشقها، مما يشعرني انه يجعلني ندا له، ولم يعير انتباهه أني من طبقة أخرى، مما جعلني ابحث عن سبب ذلك حتى سقطت في حبه.
- راكي طحت فيه………..
قالت عايدة.
- أليس لك عقل حتى تقارني نفسك بهذا الزوفري؟
-………………………………………………….
فقد فاجأني ذات مرة بقدومه مع أبي، ومن ذلك اليوم عرفت انه الخطيب المعاون له في الحزب، اندهشت من رقته في التعامل مع صرامة أبي التي دائما أعصابه متوترة بسبب مشاكل في محافظة الحزب والصراع بين الأجنحة التي كانت خلفيته الحقيقية كما حدثني ترج الله مبنية على عناصر من العروش المتطاحنة في تمثيل نفسها داخل الحزب. كان الصالون يشهد سجالات ساخنة، يغلب عليها صوت أبي، لكن ما لفت نظري أن أبي يجلس مع بعض الشباب من غير طبقته؛ فقد كان مظهرهم يدل على مدى تواضعهم الاجتماعي، وهو الذي عودني على وصف الآخرين بأنهم من الغوغاء…
أصبحت حين عودتي من الجامعة ارمي حقيبة يدي وأرجح رجلي كطفلة على السرير، رأت أمي ذلك السلوك، فعرفت أن ثمة خَطْبًا ما؟ في البداية أخفيت عنها مشاعري فاعتقدت أن ذلك له علاقة بالدراسة فانا مجتهدة، لكن علامات أخرى كشفتني؛ التيهان، فقدان الشهية، التأمل الدائم من النافذة، كانت تعرف خطر ذلك، ولكن تعرف كذلك عنادي عندما أريد شيئا. في البداية لم اعترف لها باسمه وطمأنتها أني لن أغامر بأي علاقة معه وانه فقط يغازلني في الجامعة، حذرتني أن أبي لا يقبل أيا كان، ولابد أن احسن الاختيار حفاظا على مستقبلي وسمعة عائلتي، لم تكتشف شيئا لشهور في أن الذي يقيم علاقة معي هو من رواد الصالون وهو ذلك الشاب الخدوم، الخطاط والخطيب المفوه، ومن أبناء الأحياء القصديرية، كل ذلك اكتشفته بعد فوات الأوان، ولم تدر ما العمل؟ صمتت، لأنها امرأة مسالمة وان كانت من عائلة تنفر من أبناء الدهماء
فصل من ” رواية عاصفة الجن ” منشورات دار الهدى – الجزائر – 2012
——————————————————————————————————-
* خليل حشلاف ( قاص وروائي من الجزائر)





