
يقف القاص عبد القادر ضيف الله في قصصه على موضوعة وجودية تصل ما هو قائم بما يجري وراء ستار الكينونة، حيث تختلف مسارات الوجودية القائمة بذاتها وتنبثق من اختلافاتها هوامش الذّات المتشظّية في فراغ وجودي لا يحسم انتصار الأنا في العالم، أو بمفهوم هايدغر للدّازاين الوجود في العالم، وقد تتركز هذه القصدية المحتملة في عنوان المجموعة، “أضواء على جسر العبث”، حيث الجمع بين الجسر والعبث يحيل على الدّلالة المبئّرة في عبثية الوجود والأيلولة الى الموت العبثي أو الإنتحار، تحوّل وظيفية الجسر عبر وسيط العبث من دلالة العبور إلى دلالة الإنهاء أو اللاعبور، ترسمه السّردية ببلاغة عميقة عندما تضع الشّخصية الرّئيسة في نص “أضواء على جسر العبث” على حافّة العدم: “رمّم وجهه بالتفاتة أخيرة لذاك الطريق الملتوي على خصر المدينة، الذي طالما عمّق من تيه تلك الأقدام المتسابقة للعدم، وجهته الجسر المعلق الذي لا يتوانى في توقيع النّهايات البائسة للأهالي..”
تمتزج عناوين المجموعة بنوع من الإلتصاق برونق البلاغة المُعيقة للسّهو عن موضوعة العبث الرّئيسة، أو بؤرة السّرد.
ينبثق معنى العبث في المجموعة من دلالة الغياب القسري الذي يتهدّد الإنسان، فعنواني “ساعة الرّحيل” “ليلة الدّفن”، يحيلان مباشرة على النّهاية، “الرّأس الطائر” يختزن دلالة التشظي، “الأمّ” تحيل على دلالة الإحتماء بعد الخوف من الضياع، “الحزام” دلالة الحماية من الضياع، وموضوعاتيا يحيل على الموت، “رجل في جلد أنثى” ضياع الهوية، “العجلة” يحيل موضوعاتيا على الموت.
يبدو أن قصص عبد القادر ضيف الله تنطلق من حيث أنّ الوظيفة الاجتماعية غلبت على مسار الكينونة، فأحالت هامش الحياة الواسع على ضيق، تناهى فيه الوجودي إلى حضور زمني مبرمج، ففي المجتمع الحديث، كما يرى ميلان كونديرا، “يجد الإنسان نفسه في إعصار تقليص حقيقي”، وهو ما ينتج ضيق الإنسان برِحابهِ، ويخلق في نفسه اليأس الذي يفضي إلى العبث.
“إلهي ها أنا أطير أيضا برأسي فقط”، تتجلى في هذه الوحدة السردية الواردة في نص “الرّأس الطّائر” دلالتي الحلم والتّيه، وهما العنصران اللّذان إذا اختلطا في مسار الذّات أدّيا إلى التشتّت، فالرّأس عندما يطير، يفقد جوهره لأنّه يرتّب مفهومه في ثباته إلى الجسد، وبالتالي إلى الواقع، وعندما يفارق الواقع فهو إمّا إلى حلم أو إلى تيه، وهو ما تفيده الجملة التالية في القصة، “كان القابض رأسا مفصولا”، فانفصال البنية يمزّق علاقاتها المنطقية، فتتحوّل إلى بنية مشوّهة قائمة بذاتها ومتناهية إلى الإنهيار، وهو ما ترتّبه البنية النصية من خلال متوالياتها السّردية المتعلقة بالرّأس، “وكان كل النّاس عبارة عن رؤوس طائرة فقط”، إثبات طائرية الرّؤوس، يكشف عن عبث وجوديتها، وهو ما تتهرّب منه السّردية لإعادة اللحمة المنطقية إلى نسيج الحكاية، حيث تنتهي القصّة إلى محاولة إثبات الرّغبة في العودة إلى منطقية مسار الذّات:
“دخلت غرفتي، رأيت جسدي ممدّدا في الرّكن كما تركته، قفزت ملتصقا مصرا على أسناني دافعا رأسي ليلتصق في مكانه..”.

يتجاور القص ويحاكي العالم في فورته وتوهانه، لا يتكلم الزّمن ولا ينصت إليه صوت الإنسان، فقط الأشياء ترغب في الهجرة صوب عالم الفوضى الجائلة في العقل والكيان كله.
أن تعيّن الذّات علامات حركتها فذاك معناه أنّها تشعر بوجوديتها، وهو ما يقحمنا فيه ويجرّنا إليه عبد القادر ضيف الله عبر قصص مجموعته.
“لا يستمد الفكر قيمته من تطابقه مع الحقيقة ولكن من اختلافه الجذري عنها”، كما يؤكد جان بودريار، وحسب هذا الإتّجاه فإن عبثية الحياة تخفي وراءها توق أبدي للإنسجام مع معطيات التّفكير في دائرة الإختلاف، وهو ما لا يتطابق مع الحالة الإستعمارية التي تريد أن تدمج الهويات وتمحق الإختلاف، ونص “ليلة الدّفن”، يمثل نص الشك والفجيعة، والعلاقة التي لا تكتمل. حرائق التّواصل حينما يهدّد الرّاهن فواصل الهويّة بقطائع التاريخ، الزّمن يلتحم فيه الماقبل ـ الإستعماري ـ بالمابعد ـ التحرّري ـ، لترتيب عناصر وجدانية/شخصانية تغيب فيغيب معها الهيكل الوجودي والحركة الفاعلة المنتجة.
تنضح في نصوص المجموعة اللغة مستبقية خيطا دقيقا من نزق المغامرة، تستبين شقوق الحدث لتنتج فيه شرخ المعنى المفضي إلى التّرميم، ترميم أشياء العالم والذّات والواقع، وبذلك يبقى النص مفتوحا على أفق اللاإكتمال والوقاية من جرح الوثوقية.
في نص “الحزام” توظيف نظيف لعنصر من عناصر ‘الواقع’ الذي يستعيده النص من حدود اللغة التي تسمّي في خوف وشك. راح النص يعيد القيم إلى تراتبيتها المنطقية والأليفة، فـ “الحزام” الرّاهن يحيل على مرجعيات هامشية ذات معنى سلبي، كما “الجبل” الراهن، المفارق للجبل التاريخي، إلا أن النص ينتقي “الحزام” كأطروحة ثقافية تتم كافة انسلاخاتها العلائقية بالراهن لترتجع إلى مراشد الذاكرة وتستقر كوعي استرجاعي للقيم التي لطخها الرّاهن، والنص كوحدة ترتيبية تفنّد راهن القيمة السلبي “الحزام” في الوعي الوطني، لارتباطه بموضوعة الإرهاب، وتعمد إلى ترسيمه ضمن حالتي العمى والإبصار.

تخلد نصوص المجموعة إلى العبث حين تؤول الأشياء إلى أضدادها، الرّونق السّردي حين يحيل الاكتمالات إلى متتاليات ترتسم في عمق المعنى كإحداثيات صوتية تحيل على التفجّر داخل مسافات الحدث، “الجسر” يتحوّل في بداهة الحكي إلى منبر حيث الخطاب ينتشر من تفريعاته الدّلالية التبئيرية إلى أن يتحدّد كأداة للفجيعة، الإحالة السّردية تتمرجع وفق تحوّلات الذّات داخل حركية المرجع الأصل ـ “المجتمع” ـ في تنصّلاته الهويّاتية والتحاقاته المشوبة بالغواية والمسخ، كما في نص “رجل في جلد أنثى”.
———————————————————————
* عبد الحفيظ جلولي ( ناقد من الجزائر)



