
إنَّ ” قضاة الشرف “، رواية تعكس واقعا زائفا، وسلطة زائفة أيضا، ومغتصبة للحقوق، وما يميّز بنيتها السرديّة هو انكسار الخطّية السردية، وتعالق الأزمنة بين الاستباق والاسترجاع، وكذا التواتر في المعجم اللغوي، وما يحمله من دلالة ومن تراث.
وقد استطاع “عبد الوهاب بن منصور” أن يعتلي عرش الحضرة (الذات/ القارئة) ويقبض باللحظة المخلخلة لجسد الممكن، لتعيد تشكيله بنفس متوهّج إلى الفنيّة والتجديد الإبداعيّ، ويكون مالكا للحكمة ( تقنية الإبداع وجماليته ) .
———————————————————————–
الزمـان:
الزمان فضاء من فضاءات الحكي، إذ يحدّد الفترات المتعلقة بالمتن من حيث إنتاجه، والأحداث التي تدور حولها، وحركية الأشخاص “فهو حيز كلّ فعل، ومجال كلّ تغيّر وحركة، وهو بالنسبة للإبداع الأدبي عامة والقصصي خاصة، تحضير للجو النفسي والاجتماعي والتاريخي والايديولوجي” 1.
والزمان عنصر من العناصر المشكّلة للبنية السرديّة المتفاعل معها في تحديد ملامح الحكاية بكل أبعادها ودلالاتها، ” والرواية تتميّز شكلا أدبيا أساسا، بهذا العنصر الذي هو زمنيتها، فأهميّة هذا العنصر بالنسبة للرواية تتأتّى من كونه، يمثل روحها المتفتقة وقلبها النابض، فبدون عنصر الزمن تفقد الأحداث حركيتها”2.
ورواية “قضاة الشرف” يشكلّ فيها عنصر الزمن لعبة من ألاعيب السرد الذي اختارها الروائي تقنيّة خاصة لإنتاج المتن الروائي، وأتقن اللعبةجيدا من خلال ممارسته للعملية السرديّة، من تداخل في أحداثها وكسر الخط الزمني التتابعي الذي عرف في الرواية التقليدية.
فقد تغيّر توظيف الزمن في الخطاب الروائي والقصصي، بحيث أصبح انتهاك خطيته وتتابعه من خلال الاختزال والارتداد والتداخل في زمنية الأحداث لعبة استهوت بعض القصاصين، “ومع تجديد الرؤية وما قدمته نظريّة القراءة، والنقد الحديث من مفاتيح إجرائية تخص النص الأدبي، قد أصبحوا يحتالون تقنيا مع التعامل مع الزمن، فلا يعبّرون عنه بأدواته الصريحة”3.
وهذا ما يلاحظ عند “عبد الوهاب بن منصور”، فالزمن عنده لعبة لاتدرك، قفزة بين زمنيين (ماض وحاضر) يقبض أحدهما الآخر فيتوحّدا، وأنت تقرأ له لا تحس بتغيير زمنيّ لأنّ السرد قائم كأنّه عمودي، يشهد ما مضى على حاضر هو الواقع بعينه، وهو يخوض في الحاضر سرعان ما يستذكر، يأخذك إلى عالمه حتّى إذا ما استوطنت به وأدركت أسراره، يخرجك منه، ويدخلك إلى عالم آخر، فيمارس سلطته عليك بلا شعور منك، وبين هذين العالمين تكتمل اللعبة السردية الآسرة.ا
ن وأنت تقرأ لاتحس بغيّر زمني، لأنّ الزمن يظلّ مفتوحا متواصلا رغم المراحل المختلفة التي عبرتها الذات حاضر يولّد ألما أكبر، وصراعا نفسيا واجتماعيا، وعدم تحقيق الرغبة في امتلاك الحق، نظرا للقيود المكبّلة لهذا الذات وللأعراف الجائرة التي تخنقها، وتخنق أفراد المجتمع(أهل جبالة)
بأسره، وهو انعكاس لغيره من المجتمعات التي تظل تابعة لسلطة عليا تمارس جورها وقيدها على من هم تحت وصايتها، فلها الحق المطلق في الحياة، ولها ما ليس لغيرها.

“صرت أنتظرها كل صباح حين تخرج للعين الكبيرة، فتبتسم لي وتتابع سيرها، فأشعر بتلك السعادة التي تحعل قلبي يخفق حتّى أكاد أختنق… أبي تركني لوحدي أتلقّى التعازي…لولا أنّ أبي أخذ مني السبحة المكيّة وبصاق جدي، لكنت الآن أشرف على الحضرة ، وأنا الآمر والناهي في الزاوية…”4.
يتضح هنا التداخل الزمني، فالبطل/السارد يصوّر الأجواء السائدة أثناء وفاة الجد، ومبايعة والده تحت شجرة الخروب العظيمة، لاعتلاء “الطريقة” والإشراف على” الزاوية”، ليقفز على الزمن بمشاهد يسرد من خلالها تفاصيل أخرى ، حبّه لـ نوّارة وخروجها إلى العين الكبيرة، وانتظاره لها، ثّم يعود إلى لحظات تلقي التعازي بعد أن تركه والده لوحده مكلفا بهذا الأمر ، يعود من جديد إلى التذكير بأنّه صاحب الحضرة الحقيقي، والوريث الشرعي للسلطة.
الزمن السردي
الحاضر ——- الماضي—— الحاضر
” الحركتان الزمنيتان تتناوبان داخل الشخصية وخارجها بشكل مطرد، إذ ينسجم الزمن النفسي مع الزمن النحوي، فتسيطر الصيغ الماضية على زمن الارتداد والتذكر، والصيغ المضارعة على الزمن الآتي التأمّلي، التي تجعل زمن السرد حاضرا ومباشرا” 5.
يتابع الراوي سرده في تضمين مشهد في مشهد آخر واختزال المشهدين في حركة سردية تتبنّى وثيرة التسارع والتباطؤ والسكون، والتلاعب على القارئ بوضعه في حالة شاهدة على مرحلة معيّنة، ثمّ الارتداد به إلى حالة أخرى شاهدة على مرحلة مختلفة تماما للأولى، إلى الوصول به إلى حالة واحدة بدون أن يدرك هذا القارئ الزمن المتحوّل الذي تبناه السارد، ولهذا “يجب التمييز بين زمنيين في العمل الروائي” زمن السرد”، و”زمن القصة”6.
تمكّن عبد الوهاب بن منصور من خلال اختراق حركية الزمن أن يعبّر عن المراحل المتشابكة التي عبرتها الذات( البطل/ الراوي)، بين زمنيين تعالقا في وجع وصراع نفسي، هذه الذات التي زاوجت بين المقدّس والمدنّس ، وبقيّت منكسرة منهزمة، مسلوبة الحق في الوجود والحياة.
“تنوّع الزمن في هذه الرواية وتعدّد ليكشف عن التداخل في الأحداث والوقائع، وليبيّن قدرة هذا النص في استثمار التنوّع والتعدّد للوصول إلى قدرة على تطويع اللغة لتمدّ النص بالأبعاد الفنّية المرغوب فيها”7، ولتحقّق رؤى تجديديّة في التجربة الإبداعيّة الجزائريّة.
إحـــالات:
1* طالب أحمد.مفهوم الزمان ودلالته في الفلسفة والأدب-بين النظريّة والتطبيق-دار الغرب.2004.ص9
2* عباس ابراهيم. تقنيات البنية السردية في الرواية المغاربية.المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار.2002 ص98
3* بن سالم عبد القادر.مكونات السرد في النص القصصي الجزائري الجديد.منشورات اتحاد الكتاب العرب.دمشق.2001 ص77
4* بن منصور عبد الوهاب.قضاة الشرف.منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين.ط2001.1.ص22
5*طالب أحمد.مفهوم الزمان ودلالته في الفلسفة والأدب-بين النظريّة والتطبيق-دار الغرب.2004.ص73
6* عباس ابراهيم. تقنيات البنية السردية في الرواية المغاربية.المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار.2002.ص130
7* تحريش محمد. في الرواية والقصة والمسرح قراءة في المكوّنات الفنيّة والجماليّة.دار دحلب.2007.ص44



