الرواية المرآوية : الأشباح تروي سيرتها ، قراءة في رواية ( الحالم ) للروائي الجزائري ” سمير قاسيمي ” ../ بن علي لونيس *
بواسطة مسارب بتاريخ 31 ديسمبر, 2012 في 09:25 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3637.


استطاع الروائي الجزائري ( سمير قاسيمي ) وفي فترة زمانية وجيزة أن يصنع لاسمه مكانا في ريبرتوار الرواية الجزائرية المعاصرة، وهو من مواليد الجزائر العاصمة عام 1974، تحصّل على الليسانس في الحقوق، لكنه توجّه نحو الشأن الثقافي واشتغل في الكثير من الأقسام الثقافية في الصحافة الجزائرية. ومنذ روايته الأولى ” تصريح بضياع ” استطاع الروائي المحسوب على الجيل الجديد أن يلفت انتباه النقاد والصحافة الثقافية بأسلوبه الجديد في الكتابة، وتوالت الروايات بعد ذلك : ( يوم رائع للموت )، ( هلابيل ) ( في عشق امرأة عاقر )، ليؤكّد على تميّزه في روايته الجديدة ( الحالم ) 2012 م التي اعتبرها البعض رواية استثنائية، ومتميزة ببنائها السردي الفريد من نوعه، المتشابك والمركّب والمتاهي عند البعض الآخر.

 

———————————————————
الحديث عن الرواية الجديدة في الجزائر لا يخلو من إشارات إلى النقاش الذي دار حول شرعية هذه الكتابة الجديدة، في ظل سيادة الصوت الأبوي الممثّل في الكتاب المخضرمين الذين يمثلون حلقة الوصل بين بدايات الرواية الجزائرية الحديثة ومآلاتها الراهنة، إذ كثيرا ما اتسم هذا النقاش بتشنجات آخرها عدم إدراج رواية الحالم في قائمة الروايات المتنافسة على جائزة البوكر العربية لهذا العام، ودخول أسماء كبيرة على غرار ( الأعرج واسيني ) بروايته ( أصابع لوليتا ) و الروائي ( أمين الزاوي ) بروايته ( حادي التيوس أو فتنة النفوس لعذارى النصارى والمجوس )، الأمر الذي أثار زوبعة من ردود الأفعال عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
طبعا، لن نخوض في مثل هذا الموضوع، لأنّه يُجبرنا على الدخول في متاهة الحساسيات وأمراضها الدفينة، بل سنحاول الاقتراب من عوالم رواية ( الحالم )، وما يكتنفها من أسئلة وقضايا. وفي هذا السياق، فأغلب الذين كتبوا عن الرواية قد اتفقوا على صعوبة قراءتها في كليتها بالنظر إلى إغراقها في التفاصيل، فهي بهذا المعنى رواية التفاصيل الدقيقة، وسأحاول من خلال هذه القراءة – المقاربة التركيز على ظاهرة ملفتة في الرواية، أقصد بها الحضور الخاص ( للمرايا ) وما تحمله من رمزية تفتح مساربا لأسئلة فلسفية تخصّ الكينونة الإنسانية المفتوحة على ثنائيات متضادة: ( الحياة ، الموت )، ( الحضور، الغياب )، ( الحقيقة، الوهم )، ولهذا الحضور المُلفت للمرآة علاقة بأسئلة الجسد والكتابة الإبداعية أيضا.
تدور رواية ” الحالم ” حول شخصية روائي يُدعى ” ريماس إيمي ساك ” ألّف ما يربو عن ثلاثين رواية اشتهر بها في الجزائر وخارجها، ولاقت اقبالا جماهيريا، غير أنّ هذه الشهرة خلقت منه كائنا انطوائيا لا يكاد يبرح عالمه الذي نسجه بخيوط من الأسرار والألغاز الغامضة. تبدأ الرواية من لحظة سريالية غارقة في الغرائبية لمّا اكتشف الروائي أنّ الرواية التي أنهى من كتابتها ليست إلاّ ذلك المخطوط الذي أودعه عنده الطبيب رزوق، وكان صاحب المخطوط هو أحد مرضاه العقليين. من هنا، يجد القارئ نفسه أمام عالم قد تهاوت فيه الحدود بين الحقيقي والوهمي، وسقطت الحدود بين الروائي والسارد وشخصياته. كما يجد القارئ نفسه مع بداية الفصل الأوّل إلى أن ينهي من قراءة كل الرواية أمام سرد مركّب ومتداخل على شكل متاهة سردية ليس من السهل معرفة طريق البداية فيها من طريق النهاية.
قلق الجسد المُجزّأ :
تبدأ معاناة ( ريماس ) لحظة اكتشافه أنه لا يقدر على رؤية انعكاس جسده على المرآة، وفي نفس الوقت أحسّ بأنّ طاقة الكتابة والإبداع قد نضبت، وأراد أن يفهم العلاقة بين عجزه عن رؤية جسده المنعكس على المرآة بانقطاع إلهام الكتابة؟ (( ذلك أنّه بعد أيام من مراسيم دفن زوجته (…) أصيب بعمى نصفيّ غاية في الغرابة. كان كلما حاول أن يرى نفسه في المرآة، امتلأت عيناه بغشاوة تمنع الإبصار عنه، وبمجرد أن يزيحهما عن المرآة، حتى يعود النور إليهما من جديد. ومع بداية هذه الأعراض، توقف الإلهام عنه، حتى أصبح مقتنعا بأنّ إبصاره لنفسه وإلهامه متلازمان. )) ( الرواية: ص 38).
نفهم أنّ الجسد ليس فحسب أداة أساسية في الكتابة الروائية، بل الوعي به في كليته هو مصدر طاقة الإبداع، إذ لا يمكن أن نكتب إلاّ ما عاشه هذا الجسد من تجارب وما اكتسبه من خبرات، منه وبه يبدأ وعي الإنسان بذاته وبهويته وخصوصيته، والجسد هو أيضا الفضاء الحقيقي للكتابة، لأنه يعكس جدلية الخاص والعام، المباح والمسكوت عنه، المادة والروح، الفاني والباقي…إلخ. يعيش الإنسان بالجسد ومن خلال هذا الجسد يتفاعل مع التاريخ، ويتجادل مع الوجود…فإذا مُورس الحظر على الكتابة فإنّما الجسد سيكون مصدر هذا القلق الاجتماعي من جهة، وموضوع الحجز والاستبعاد الاجتماعي والقانوني والاخلاقي. إنّ تجربة ريماس هي تجربة انفصال الذات عن جسدها، و أدّى هذا طبعا إلى حالة من القلق العميق، قد بلغ درجة الإحساس بالانفصام، والابتعاد عن الحقيقة الاجتماعية لوجوده. الجسد غير المنعكس هو الجسد غير الموجود، المنفي، اللاحقيقي الذي يتحوّل إلى حالة من العدم والانتفاء.(( إنه عالم واقع خلف المرايا، يجعلك تتصور أنك غير حقيقي تماما، ولكنك حين تعود لتعيش الحياة التي قدرت لك، وتتمكن بفعل تلك الحياة أن تنعكس في مقل من تعيش معهم، يتملكك شعور آخر بأنك موجود فعلا. )) ( الرواية: ص 68 ). وعبر هذا المقطع السردي، سيتجلى العالم المرآوي عالما مفارقا للواقعي والحقيقي، عالما مثاليا وشبحيا. هذا يذكّرنا بالفلسفة الأفلاطونية التي ترى أنّ العالم الذي نحيا فيه ما هو إلا صورة منعكسة للعالم المثالي الموجود في مكان يوتوبي فوق إنساني، وسيكون الإبداع الفني والكتابي انعكاسا آخر لذلك العالم، وما أبدعه الفنانون ليس أكثر من محاكاة مشوّهة لذلك العالم المثالي. في رواية ” الحالم ” لا نعرف ما الذي يعكس الآخر؟ أين هو العالم الحقيقي و أين هو العالم المرآوي؟ طبعا نتساءل من جهة أخرى: من الذي يحكي الآخر؟ الكتابة ستجد نفسها هي الأخرى متورطة في لعبة انعكاس المرايا.
ما حدث لريماس هو أمر غريب، لكنه يعكس منظورا سيكولوجيا لبناء الشخصية من الداخل، سأعود إلى الفكرة التي طرحتها سابقا، أقصد علاقة الوعي بإدراك الجسد في كليته. الشلل الذي أصاب جسد ” ريماس ” كان مقترنا بانعكاس الجسد في المرآة، وحتى لا أبدو متناقضا مع ما قلته سابقا، فالأعضاء المصابة بالشلل أي التي فقدت الحياة هي التي تنعكس. نتأمّل جيدا أن صحة الجسد الواقعي ارتبطت باختفاء صورته المنعكسة في المرآة، ومن جهة أخرى إصابته بالشلل والعجز ارتبط بانعكاسه. تفضي العلاقة إلى السؤال التالي: هل الجسد هو الذي لا ينعكس أم أنّ وعي الذات هو العاجز عن رؤية صورة جسدها؟ لقد طرح “ريماس” على نفسه هذا السؤال الصادم: (( لمن هذا الجسد الذي يتشكّل على المرآة؟ ))( 119 )، إنه لا يكاد يتعرّف على جسده، أي على نفسه. وفوق ذلك لم يعد يرى انعكاس اسمه على أغلفة رواياته؟؟؟؟
يتضح أن أزمة ريماس هي مع ذاته، فهو يكاد يكون حبيس عالمه الخاص، ومن الصعب في حالة عجزه عن رؤية انعكاس جسده على المرآة أن يوصف بالشخصية النرجسية العاشقة لذاتها، فأسطورة نرسيس تأسست على انعكاس وجه هذا الفتى على ماء البحيرة ( البحيرة تؤدي وظيفة المرآة أيضا )، ولولا أنه رأى وجهه الجميل المنعكس لما هام في حب نفسه وغرق في أعماق البحيرة. ريماس هو الصورة المناقضة لنرسيس، لأنه على خلافه لم ير انعكاس وجهه وجسده على المرايا، وفضلا عن ذلك، فإنّ الجسد الذي انتصب أمامه في الجهة الأخرى من المرآة كان يثير في نفسه القرف والخوف ووصفه بالمسخ، بل كان يتساءل عن صاحب هذا الجسد. إذن نحن أمام شخصية غير نرجسية.
لقد تحدث المحلل النفساني الفرنسي ( جاك لاكان ) عن ” قلق الشخصية الفصامية ” لما تكون أمام المرآة؛ وقد وصف مرحلة المرآة بأنها جدل زمني يبنين تاريخ الفرد (( إنها دراما ترى صورة الجسد المستبقة باعتبارها كلية، تحلّ محلّ قلق الجسد المجزّأ )) ( انظر: جاك لاكان، اللغة، الخيالي والرمزي، منشورات الاختلاف، ص 42 ). فالطفل يمرّ بمرحلة تكون علاقته بجسده الخاص علاقة تجزيئية، فيراه مجرد أعضاء مشتتة، ولذا سيرتبط نمو الوعي لديه بتطور إدراكه لذلك الجسد ليس في جزئيته بل في كليته. انطلاقا من هذه الفكرة نجد أن شخصية ريماس تعاني من هوامات ” التفتيت العدواني للشخص ” حيث يظهر ـ كما يقول لاكان، في شكل أعضاء مفصولة، وهو تحديدا ما كان يراه ريماس على المرآة؛ فالأعضاء المصابة بالشلل كانت وحدها التي تنعكس عليها، (( على المرآة ارتسم جسد كامل من دون رأس. لم يعد الأمر يقبل أي تخمين )) (الرواية ص 115 ). وإن كان لاكان، يعتبر مرحلة المرآة هي المرحلة التي ينتهي فيها هذا التشتت المفزع. هل يعني أنّنا أمام شخصية روائية لم تجتز بعد الوعي الطفولي؟


لقد قسّم لاكان مرحلة المرآة إلى ثلاث محطات:
مرحلة يدرك الطفل جسده المنعكس باعتباره كائنا واقعيا، سيحاول أن يمسك به، ويتمّ التعرّف على هذه الصورة باعتبارها صورة شخص ( آخر ).
يدرك الطفل جسده المنعكس باعتباره صورة فقط، أي يصير واعيا بأنّ ذلك الجسد ليس إلاّ صورة طيفية ولاشيء يقف خلف المرآة.
في هذه المرحلة سيدرك الطفل أنّ ذلك الآخر ـ أي جسده المنعكس ـ هو صورته الخاصة، أي أنّ الآخر هو الذات.
نستخلص من كلّ هذا أنّ الصورة المنعكسة للجسد هي صورة الآخر الذي هو بُعد من أبعاد الذات. وفي التقاليد النفسانية فإنّ ( الآخر ) مُمَثَّلٌ باللاشعور الذي يخفي الصورة اللامرئية للذات، وهو ذلك العالم الخفي الذي يملك القدرة على توجيه الإنسان، بل وفي تشكيل هويته. من هو آخر ( ريماس إيمي ساك )؟ إنّه ذلك الجسد الذي يتجلى له في المرايا، ذلك المسخ الذي يثير في دواخله الخوف، ويعطيه إحساسا قويا بالكراهية والعدوانية. وقد نصاب بنوع من الدهشة حين نكتشف أنّ ( ريماس إيمي ساك ) ليس إلا اسم ( سمير قاسيمي) معكوسا على المرآة: (( ومن دون أن أتعمّد الأمر، أخذت انظر إليها من خلال مرايا خزانة النوم. وما كدتُ أفعل حتى خطر على ذهني أمر ما كنتُ لأفكّر فيه سابقا. حاولت التلهي بقراءة صفحة العنوان وعوالم المرايا التي تحدث عنها المجنون في كتابه تتملك تفكيري. تساءلت حينها ماذا لو كانت تلك العوالم حقيقية على خلاف ما نعتقد؟ ولم أكد أسألني ذلك حتى خطر لي أن أقرأ بداية الرواية من انعكاسها على المرآة. كم كانت مدهشة تلك اللحظة التي قرأتُ فيها اسم ” ريماس إيمي ساك ” على المرآة مقلوبا : ” سامير كاس ايمي “. كتبته مجددا باللغة الفرنسية. ” Raimas Imissak ” وقرأته بالمقلوب مرة أخرى: ” Samir Kassimi “. لن تعرفي أبدا كم كانت دهشة زوجتي حين أخبرتها بذلك. )) ( الرواية/ ص 125 ).
أعتقد أنّ الرواية لها وجهها الآخر، أي النص وهو معكوس على المرآة. سأعود إلى ما قلته سابقا: من الذي يعكس الآخر؟ هل نص ريماس يعكس نص سمير، أم العكس؟ من يكون سمير قاسيمي إذن من منطلق الرواية؟ إنه الآخر، إنه الشبح، إنه الشخصية اللاشعورية، في الوقت الذي اعتقدنا طويلا أنّ ما يُكتب هو تجلي لتلك الظلال في حين نجد أنّ الظلال هي التي تكتب الآن.
مفهوم الشبحية في الرواية:
هو من المفاهيم التي جعلها ( جاك دريدا ) مبحثا من مباحث النظرية التفكيكية، والشبحية ( specterologie ) من القضايا الغير مفكر فيها في الخطاب الفكري الغربي، يرتكز على مقولة ” الشبح ” أو ” الطيف ” وتجلياته في الخطابات. يحيل المفهوم من جهة أخرى إلى ( الأصل ) و ( الظل ) أو ( النسخة ) أو ( الصورة المنعكسة ) كما أنّه يندرج ضمن نسق المقاربات التي تحفر في الهوية و تمثّلاتها، خاصة في الخطاب الأدبي، إذ (( يتجلّى شبح الذات في خطابها وآثارها، يعود في تردّد صدى أصواتها وصورها وتصوراتها )). ( انظر: محمد بكاي، مقولة الشبحية عند جاك دريدا. ص 128 – 129 ).


في رواية ” الحالم ” يتحوّل ” الشبح ” إلى الأصل، أي إلى أصل الكتابة، فتنسحب الذات لتكون موضوعا لكتابة شبحها. هل هناك طريقة ما لقراءة نص الأشباح؟ النص في طبيعته مسكون بالأشباح؛ أشباح النصوص، وأشباح الماضي، تلك الأخيلة التي تتسرب متخفية من سراديب الذاكرة البعيدة التي لا تأتي إلاّ محملة بأسئلة كانت دفينة تحت ركام أحداث اليومي والعابر، يُرغمها النسيان أحيانا بأن تقبع في تلك البقعة التي تسمى اللامكان، إنها اللاشعور. ليست شخصية ايمي ساك إلاّ الصورة المحتملة للآخر المتحرر عن الذات، لتنقلب الأدوار، حيث في السرد الخيالي امكانية إبدال الأدوار ممكنة، فيتحول الكاتب إلى ذلك الصوت الخفي الذي يكتشف عنف اللاوعي، لا وعيه لحظة تحرّره ليكتب نصه وحكايته.
لا يمكن أن نفهم هذه الشبحية إلا من خلال علاقة العنف بين الذات وآخرها، فالعلاقة بينهما علاقة دموية، علاقة قاتل ومقتول، علاقة مفتوحة على فرضية الجريمة. ألم يكن ذلك الشاب الذي اختفى في ظروف غامضة هو سمير قاسيمي صاحب الأربع روايات؟ ريماس يحاول التخلص من سمير قاسيمي، لأنه يشكّل عنده تهديدا، إنّه ما يسميه دريدا بـ ( عنف التطابق ) الذي يُمارس كفعل إقصاء الآخر، ورفض التعدّد، وتوطيد أركان الأحادية والفردية والتفرّد، ونبذ التداول والتواصل. ريماس شخصية لا اجتماعية، تعيش مفصولة عن التاريخ، مفصولة عن ذاتها أي تاريخها الذاتي، لذا لم تعد ترى جسدها منعكسا على المرآة، أي بتعبير آخر تصرّ على نفي ذاتها بنفي آخرها…

 

 

 

 

——————————————————————————-

* بن علي لونيس  ..قاص وأستاذ جامعي (جامعة بجاية-  الجزائر)

اترك تعليقا