مديونية ثقافية …/ خيري منصـور*
بواسطة مسارب بتاريخ 12 يناير, 2013 في 04:22 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1683.

 

قد يبدو هذا العنوان فرعا مما يسمى الاقتصاد المعرفي في زمن لم تعد الثقافة فيه ميسرة للجميع، فالكتاب له ثمن وكذلك اللوحة وتذكرة المسرح وأدوات الرسم والنحت، مما أثار مخاوف كتاب قبل نصف قرن على ما يسمى تَسْليع الثقافة، اي تحويلها الى حزمة من السلع في السوق.
وحقيقة الأمر ان هناك كتابا قد لا يدركون بأن أجورهم محكومة بتجارة الورق ومافياته، وما تبقى من غابات بدءا من غابات الامازون الماطرة، لكن ما اعنيه بالمديونية الثقافية يذهب باتجاه آخر، هو ما فات على جيل معين معرفته من منجزات جيل سابق، وهذا المنجز لا يحصى بعدد الكتب او المجلات او دور النشر والندوات، لأنه مناخ عام مشبع بمزاج ثقافي محدد. وان كان لا بد من مثال عربي فهو عقد الستينات التجريبي، والثري في فعالياته، فقد كان عقدا فريدا بعدة مقاييس لأنه تزامن مع حراك كوني راعف، حين كانت الثورة بمعناها الشامل في ذروة العنفوان، وان كانت ابرز علاماتها ثورة مايو عام 1968 التي جسدت انقلابا رؤيويا تأجل عن موعده عشرين عاما، لأن بذور هذه الثورة بدأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية التي خلّفت وراءها ظلالا داكنة، واسئلة بريئة عن جدواها وما حل بالعالم بسببها سرعان ما تحولت الى مساءلات سياسية وثقافية واخلاقية، فجيل تلك الحرب، لم تعد قيمه وثقافته خارج مدار الشكوك من الذين ورثوا اوزار تلك الحرب، وان كانت الحرب العالمية الاولى قد أفرزت تيارات ثقافية مشوبة بقدر من العبث والعدمية، فإن الحرب الثانية أفرزت حراكا كونيا مضادا للكولونيالية على الأقل للفترة التي امتدت عقدين، ومن عاشوا عقدا كذلك العقد المترع بالشكوك والتجريب هم بخلاف من عاشوا عقودا عجافا وداجنة وكأن التاريخ في حركته وجدليته معا يخلق نوعا من تعاقب الموجات، بحيث تأتي بعد موجة عارمة ونزقة موجة هادئة وخجولة، وما صدر في الستينات من القرن الماضي من مجلات وكتب وبيانات أدبية لا يمكن تخطيه او القفز عنه برشاقة الى ما بعده، فثمة آلاف الكتب المؤلفة والمترجمة التي صدرت عبر مؤسسات او دور نشر شهيرة لم يعد طبعها، ولا أظن ان الوصول اليها سهل حتى عبر وسائل التواصل الحديثة، لهذا فهي بحد ذاتها مديونية ثقافية، وحين اراجع ولو بشكل أفقي مجلات صدرت وتوقفت عن الصدور قبل ثلاثة او اربعة عقود، اشعر على الفور بأن جيلي كان محظوظا بها، وغيابها عن ذاكرتنا المعرفية يشكل نقصا كبيرا في مخزوننا المعرفي.
* * * * * * *
ما من مثقف او قارىء عابر للعصور بجسده، لكن ثمة وسائل اخرى تحقق له ذلك بدءا من مراجعة ما أنجز قبل مولده، لهذا قد يكون ارسطو او ابن خلدون او ديكارت اكثر حياة وحركة من جيراننا الاحياء، ما دامت هناك معادلة خالدة تضع الموتى الاحياء مقابل الاحياء الموتى، ولو قرر باحث عربي الآن ان يستطلع آراء كتاب وشعراء من الاجيال الجديدة حول رواد رحلوا قبل نصف قرن، لربما فاجأته النتائج، تماما كما حدث للدكتور لويس عوض عندما قدم تجربة من هذا الطراز، بحيث تم الخلط على نحو كوميدي بين اسماء مثل كارثة ناجازاكي النووية واسم راقصة هو نجاح زكي !
ويبدو ان المديونيات لها سياق لا تتجزأ داخله، فمن يعيشون بلا استراتيجية كالمتسولين من وجبة الى وجبة وليس فقط من يوم ليوم تنعكس انماط تفكيرهم وممارساتهم على الثقافة ايضا، بحيث يصبح ما صدر قبل اربعين عاما وكأنه لم يصدر خصوصا عندما يكون الرحيل متزامنا وبشكل دراماتيكي بين اطراف الثالوث الثقافي وهو الكاتب والناقد والناشر. وحين نراجع بيانات نعي المجلات التي لعبت دورا معرفيا هائلا في ثلاثة عقود نجد ان القاسم المشترك لبيانات الوداع هو الخيبة، سواء كانت اقتصادية او ان المرسل اليه غارق في عطلة طويلة، اما البديل المعولم لتلك المجلات فهو ما نراه في مداخل المولات او على الأرصفة من عشرات المجلات الصّقيلة والباذخة في طباعتها لكنها شديدة الفقر في محتواها تماما كما هو حال انسان مصاب بالانيميا ووجهه الشاحب يفتضح سوء تغذيته لكنه يرتدي ثيابا طاووسية.
* * * * * * *
مديونية الثقافة يتراكم على تأجيل سدادها نوع آخر من الربا التاريخي، لأن المسافة بين العارف والجاهل مضاعفة، فهو من جهة لا يعرف ما كان عليه ان يعرفه، ومن الجهة الاخرى ثمة من يعرف، لهذا فاللحاق بالآخر الأعلم يتطلب جهدا مضاعفا نصفه لتسديد المديونية ونصفه الآخر للحاق، وقد يكون احد اهم اسباب الالتباس او سوء التفاهم بين ما يكتب، مستلهما ذاكرة معرفية لم تعرف الانقطاعات، ومن يتصور بأن الثقافة ولدت معه كتوأم لكونه آدم الخليقة والمعرفة هو هذه المديونية. فالمثقفون وليس اشباههم لديهم شيفرة تختصر الوقت والجهد، لأنهم كما وصفهم ت. س. اليوت شاهدوا الطائرة منذ لحظة الاقلاع فلم تغب عنهم عندما اصبحت على ارتفاع اربعين الف قدم.
وللثقافة ايضا اضافة الى مديونياتها في مجتمعات نيئة وتعيش ما قبل الدولة بمعناها المدني الدقيق محدثو نعمة ايضا بحيث يتصورون بفضل فائض الجهل انهم اول من كتب واول من غنى واول من روى، فيبدو الآخر الذي يدين بالفضل لسابقيه لا يكل من التعبير عن العرفان لهم كما لو انه يستعرض ثقافته، والحقيقة ان المثقف الأصيل المهجوس منذ بواكيره بالمعرفة يفهم ما يعنيه دانتوس الذي قال ‘سحقا لمن سبقوني فقد قالوا اقوالي كلها’، وهناك محاولة للشاعر جيته في احصاء عدد الثيمات او الموضوعات التي شغلت مبدعي العالم عبر العصور، وهي من حيث العدد قليلة، لكنها كما في موضوعتي الموت والحب تولد مرة اخرى مع كل مبدع جديد، فيكون الموت هو اول موت، مثلما يكون الحب هو الحب البكر.
* * * * * * *
حين سمى ماركيز مذكراته ‘عشت لأحكي’ لا بد ان خطر بباله عنوان مضاد هو أحكي لأعيش، فهناك بالفعل من يروون ليعيشوا، وهذا التراتب بين مفردتين ليس مجانيا او تلاعبا بالكلمات، انه اختصار للمسألة كلها، فمن عاش ليروي او يحكي كرس ايامه ولياليه لرصد هذا العالم فتحول الى متفرج حتى على نفسه، وهناك عبارة بالغة الكثافة في دراسة سارتر عن الشاعر بودلير يقول فيها : ان الانسان العادي ينظر الى شجرة او جبل كي يراهما، اما بودلير فقد حاول ان ينظر الى نفسه وهو ينظر، وما كانت حياته الا قصة هذا الفشل، لكن الفشل الذي يعنيه سارتر هو الحياتي اليومي، الذي كان ثمنا لنجاح وتفوق في مجال آخر هو الابداع، ومن لم يعرف في حياته سوى ساقية صغيرة بالقرب من قريته او غدير ماء تطفو على سطحه الطحالب يصعب عليه ان يتصور بأن هناك محيط ظلمات كالأطلسي، وهذا ما دفع المتنبي الى ان يحسد الجاهل على نعيمه بقدر ما يشفق على العارف في جحيمه.
أما اغرب ما في هذا النمط من المديونية فهو غياب الدائن، وبالتالي غياب المطالبة بالتسديد، ذلك لأن الدائن في حالة المثقف هو المدين نفسه، وحين يختلط عليه الأمر ويظن انه نجا بجلده ولم يعد مطالبا بالسّداد تكون لحظة انتحاره العقلي وهو آخر من يعلم !

2013-01-11

 

 

 

 

 

 

——————————————————————————————–

* خيري منصور (كاتب وشاعر فلسطيني )

اترك تعليقا