حوار مع الشاعر محمد الأمين سعيدي: ثنائية الرمل و الماء شيء يجري في عروقي . حاورته:عزيزة رحموني/صحفية من المغرب
بواسطة مسارب بتاريخ 21 يناير, 2012 في 03:21 مساء | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1532.

الشاعر محمد الأمين سعيدي

 

 
*أكرهُ أنْ أعتبِر نفسي عرَّافا شعريا.
*توجد في الجزائر قاماتٌ شعرية تتنفسُّ بصعوبة تحت جبال الإهمال والتقزيم الداخلي، وتحت ضعف الترويج عربيا لما يُكتَبُ جزائريا.
*أحاول أن أجعل من الممارسة الشعرية بحثا مستمرا عن احتمالات جديدة في القول.
*القصيدة باقية و شعلتها مستمرة في إضاءة ليل المتعبين.
*******
محمد الأمين سعيدي يناغي الحروف كمن يهمس للملائكة أو كمن يراود الأنهار بشعرية مرهفة. كتابته تسبيح و إبصار يتسكع في الواقع المعاش يزرع فيه شقاوة و سرورا و أحلاما ترنو إلى جنة التواصل الإنساني. في حروفه نيران ومواسم تلغي الصمت وتتحدى الفناء في فلسفة شاعرية. تقرؤه فتحس جراح الإنسان و تمزقه بين إرثه التاريخي و واقعه المعاش و أشباح تطلعاته إلى غد مبهم…محمد الأمين سعيدي فتح لنا نافذة على كوكبه و منحنا هذا الحوار:
محمد الأمين سعيدي هل يفتح لنا جنائن ذكرياته و يحدثنا عن بداياته

1/ديوانك:”أنا يا أنت”، هل كان مرآة لشظايا فكرك أو نهرا أبحرت فيه إلى دواخلك؟
لعلَّ في ذاك الديوان، وهو عملي الأول، ما ذكرته من الاثنين، وغيرهما مما لم تذكري. فالشعرُ كما تفضلتِ ليس فكرا وإنما هو شظايا فكر، ومعنى هذا أنَّ في الشعر تعبيرا عما يسلم من جفاف الفكر وصرامة النظرة العقلية، وهو أيضا إبحارٌ في اتجاهين متناقضين في الظاهر على الأقل: إبحار في دواخل الذات، أيْ بحثٌ في كينونة الإنسان ووجوده ورؤيته إلى العالم والموجودات. وإبحار في دواخل الآخرين من أجل معرفة حقيقة الإنسان. وهو في كل هذه الحالات بحثٌ عميق عن جواهرِ الوجود والموجود، وتعبير صادِق عن رؤية الإنسان لما يعايشه ويراه، ولما يعرضُ عليه من أفكار وعقائد وفلسفات. وإنْ كان الأمر هكذا فالشعر يضمر في ثناياه موقفا من الأشياءِ وإنْ كان التعبير عن الموقف والحدث بالشكل المباشر هو مما يتخالف وطبيعة الشعر.
وديواني “أنا يا أنتَ”، على رغم ما فيه من قصائد أولى، أراه يعبر بشكلٍ ما عن بحثٍ عن الذات التي يستمر الشاعر، أي شاعر، في البحثِ عنها، وفيه كذلك تنقيب عن خصوصية معينة لي، في الرؤيا والتعبير.

2/ديوان”ضجيج في الجسد المنسي” به إرهاصات لما يحصل في الساحة العربية الآن…هل كنت تستشعر ما تحمله الأجواء من توترات و ما تحبل به من أنين يسير نحو الانفجارات؟
أكرهُ أنْ أعتبِر نفسي عرَّافا شعريا، كما أكره ما يصدر عن كثيرٍ من المبدعين الذين يبرهن كلُّ واحِد منهم على أنّه كان “متنبئا” فذًّا لما سيحدثُ، وكأنّ الشعر تحوَّل إلى شعوذة معاصرة تقرأ الطالعَ وتخلَّى عن دوره الحقيقيّ. غيرَ أني لا أنكِر أنَّ كثيرا أو بعضا من نصوصي عبَّرَتْ عن موضوع الثورة، ولكنه تعبير لا يروم توصيفَ حدثٍ سيقع في مستقبل الأيام، لكنه تعبير عن الشعلة التي إذا انطفأتْ انطفأ معها الإنسان، لأني عندما أعبر شعريا عن الثورة أعبِّر عن مفهوم الرفض للواقع المتردِّي الذي سيظلُّ الشاعر يرفضه مستنجدا بالحلم كما قال أمل دنقل.
الكتابة الشعريةُ أكبَر من الواقع ومن التنبُّئ بأحداثه القادمة، لأنَّ الواقع زائل وأحداثه منتهية، بينما القصيدة باقية وشعلتها مستمرة في إضاءة ليل المتعبين. المتنببي مثلا، لا يزالُ بيننا بشعره، وكل تلك المناسبات والأحداث سقطتْ، ببساطة لأنّ نصه الشعري كانَ أكبر من الحدث الذي كان يعبِّر عنه.

3-عناوين قصائدك محملة بالكثير، هل تختارها عن قصد واشتغال؟
الشعر على رغم ما يجب أنْ يتوفر فيه من فطرة وموهبة، وهذا ما اصطلح عليه القدماءِ بالطبع، إلا أنَّه في الآنِ نفسه صناعة وحرفة، وهذا ما يقال عن الأدب عامة، لذلك نجد في تراثنا كتابا مثل:”الصناعتين” لأبي هلال العسكري، وهو يقصد به صناعة الشعر، وصناعة النثر. وخلاف ما قد يتوهمه المتلقي من أنَّ في الصناعة تكلفا، فالشاعر الجيدُ في نظري هو صانعٌ قادر على إخفاء آثارِ الصناعة بإتقانٍ شديد، فيبدو شعرَه كأنه “بديهة وارتجال” كما قال الجاحظ. والفرق بين شاعر جيد وشاعر رديء عندي كالفرق بين النحّات الجيد الذي يكادُ تمثاله ينطقُ، وبين آخر تظهر على عمله آثار الإزميل. لهذا يكون التمكُّن من أدواتِ الشعر جميعا هو عينُ الصناعة، والصقل الجيد للنصوص هو الذي سار بالشعراء الكبار إلى العالمية والتميّز والبقاء.
أما الاشتغالُ على عناوين القصائد فهو على درجة كبيرة من الأهمية، لأنِّي أرى أنَّ العنوان يجبُ أنْ يكون بالجودة نفسها التي يحوز عليها النص، ولعل كثيرا من النصوص تفقد وهجها وقد لا تأخذ حقها من القراءة والنقد بسبب من ترهُّل عنوانها وضعف صياغته أو ظهور التعجُّلِ عليه. أنا شخصيا أرى أنَّ العنوانَ يجبُ أنْ يشتغل عليه صاحبه، كما يشتغل على النص، لأنه في الأخير يحمل رؤيا معينة تكونُ أول خيط ولو ضئيلٍ يتمسك به القارئ/الغارق في بحر المعنى الشعريّ.

4-هل دراستك (ماجستير في الشعرية العربية) أثرت في توجهك للكتابة الشعرية أم العكس؟
كتابة الشعر هي الأُولى طبعا، وهي الأَوْلى عندي بكل اهتمام وعناية. ودراسة الشعرية هي مرحلة لاحقة متأخرة جدا. فالشاعر إذا لم يكن أصلا في كينونة وجود صاحبه لن يكون هذا الأخير شاعرا ولو درس كل نظريات الشعر، ولعلي أعطيك مثالا عن الدكاترة الشعراء الذين يظهرُ فيما يخطونه التكلف ويشعر القارئ أنَّ لغتهم تعاني حقا من وعكةٍ صحية. غير أني استفدتُ في دراسة الشعرية العربية من التعمُّق في المناحي الشعرية والأساليب التي كنتُ أعرفها سابقا، وساعدتني في زيادة معرفتي بالكتابة العربية في الشعر، وبالكتابة الشعرية الجزائرية على وجه الخصوص، التي توجدُ فيها قاماتٌ شعرية تتنفسُّ بصعوبة تحت جبال الإهمال والتقزيم الداخلي، وتحت ضعف الترويج عربيا لما يُكتَبُ جزائريا.

5-الكتابة النقدية ما الذي تضيفه لمسار إبداعك؟
الحقيقة أنَّ ما أكتبُه بين الفينة والأخرى هو قراءاتٌ تتوخَّى معرفة النص، ولا أعتبرها، حاليا، دراسات نقدية. ذلك لأنَّ القراءة في نظري أوسع، وأكثر قدرة على استيعاب ما يتصف به النص من ملامح فارقة. ومن ثمة تكون القراءة بمثابة استثمار في النص، على مستوى كشف خصوصيته اللغوية والفنية، وعلى مستوى دلالاته. ولعلي أشير هنا بأنّ اهتمامي في هذا المجال هو بالنص الأدبي الجزائري، وذلك لقناعتي بأنه لم يأخذ حقه من المتابعة والاهتمام، ولا يزالُ مهمَّشا لا ينظرُ إليه إلا في مناسبات أو ملتقيات عابرة. ولعل هذه الرغبة عندي تولدتْ من شعور خانق بتردي مثل هذه المتابعات، فالأعمال تنشر ولا أحد يتابع خلا أسماء قليلة لا تستطيع بأي حال أنْ تتابع كل ما يكتب وينشر، ولكم أتمنى لو أستطيع في يوم من الأيام أنْ أساهم ولو بقليل في سدِّ أحد هذه الفجوات التي جعلتْ النص كاليتيم تماما يعيشُ ولا أحدَ يرعاه أو يتابعه.

6-في أي عتبة من عتبات الإبداع تصنف كتابتك؟
صدقا، لا أعتقد أنَّ في مقدوري الإجابة عن هذا السؤال، لأن الإجابةَ عنه هي من مهمة الناقد والمتتبع للمشهد الشعري الجزائري، لكني أعتقد أنَّ الشاعر الذي يضع نفسَه في عتبة معينة يقتلها ويهديها إلى الجماد والتحجر، ولهذا أحاول أنْ أجعل من الممارسة الشعرية بحثا مستمرا عن احتمالات جديدة في القول وعن عوالِم مغايرة لتحقيق الرؤيا الشعرية والظفر بدلالاتٍ جديدة.

7-”ماءٌ لهذا القلقِ الرمليِّ”، هو الديوان الثالث بعد “ضجيج في الجسد المنسي” والأول “أنا يا أنتَ”، قيل عنه بأنه:”معجم الروح الصحراوي”. لماذا؟
ربما لأنَّ في الديوان محاولة لتأثيث ملامح صحراوية سواء على مستوى النصوص، أو في عنونة القصائد التي اتخذتْ شكل الدخول إلى الصحراء، فأوَّل قصيدة عنوانها:”سراب”، والقصيدة الثانية عنوانها:”أول المفازة”، ثم تليها نصوص عديدة منها:”ترنيمة للعطش الجنوبي/آخر الحداء/عودة الماء/آخر العطش في فلوات الكلام/…إلخ”، وينتهي الديوان بقصيدة:”آخر المفازة”، والمفازة هي الصحراء، وسُمِّيَتْ هكذا عند العرب لأنَّ من خرج منها سالما فقد فاز. كما أنَّ في الديوان شيوعا للمفردات التي ترتبط بالصحراء أو ترمز إليها:”الماء/الرمل/السراب/الترنيمة/جنوبيّ الملامح/المتاه/الظل/العطش/النار/الحداء…إلخ”. وربما أيضا لأنني جزائري جنوبيٌّ من أصولٍ تعود إلى أمازيغ الجنوبِ ساكني القصور الصحراوية في غرب الجزائر، وهذا لا ريبَ يظهرُ في النص بشكلٍ أو بآخر.

8-ثنائية الرمل والماء، هل هي اشتغال واعٍ من الشاعر؟ وكيف بلورتَ رؤاه إبداعـا يخلق قصيدا ينزاح بين القومي و الإنساني وبين الخاص و الموروث؟
ثنائية الرمل والماء شيءٌ يجري في عروقي، أيْ أنها جزءٌ من الكينونة الداخلية للإنسان، أوَّل مرة في طفولتي وأنا أزورُ قصور أجدادي الواقعة في منطقة “عسلة”، والتي تحوَّلتْ الآن إلى أطلال، تفاجأتُ من أنها مشيدة بالكامل من رمل الأرض ومائها، كانتْ خليطا بين خشونة الرمل وعذوبة الماء، بين فوضى الزوبعة وتهوّر العيون والأنهار. وكنتُ أنظر إليها وأتساءل كيف وقفتْ هذه المنازلُ قرونا أمامَ يدِ الفناء المتربصة بالمكان، وأتحسَّرُ على خرابها وعدم اهتمامِ بني جلدتي بها على رغم أنَّ لنا فيها إرثا، بيت عائلتنا، متروكا هناك للرياح والرمل.
إنَّ هذه الثنائية في نظري تلخص حال الحياة، وتجمع ما يدل على معاني عديدة وثنائيات مترابطة مثل:الروح والجسد، الحياة والموت، القسوة والرقة، الصفرة والصفاء، الآنا والآخر…إلخ، كما يمكن للمتلقي أنْ يستخرج منها ما شاء له من المعاني والدلالات.

9-إليك بعض الكلمات …ما وقعها في قلبك وما تعريفها بالنسبة إليك:
الصحراء:زوابعُ الفناء واحتراقُ القلبِ في متاهة الغياب.
الشرق:شوقي إلى الحبيبةِ إذْ تنامُ وموتيَ الحتميُّ في مسالك الفراق.
الكثبان:تجاعيدُ الأرض/شيخوخة المكان.
العطش:حقدُ الغيومِ على شجر الروح.
الموت:صديق قديم أنتظره، أراه في المرآة، في عيون العابرات، في خطوط يدي.
الحرف:قاتل عنيف ائتمنتُه على حياتي.

 

التعليقات مغلقة.