الشخصية في رواية “قضاة الشرف” لـلروائي عبد الوهاب بن منصور…/ خيرة بغاديد *
بواسطة مسارب بتاريخ 13 يناير, 2013 في 08:57 مساء | مصنفة في حفريات | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 4720.

الشخصية:

الشخصية لها قيمتها، ودورها الفاعل في تشكيل النص، وتحديد ملامحه، وخلق حالات التفاعل بين أطرافها، وهي ” العالم الذي تتمحور حوله كلّ الوظائف والهواجس والميول، فالشخصية هي مصدر إفراز الشر في السلوك الدرامي داخل عمل قصصي ما، فهي بهذا المفهوم فعل أو حدث، وهي التي في الوقت ذاته، تتعرض لإفراز هذا الشر أو ذلك الخير، وهي بهذا المفهوم وظيفة أو موضوع، ثمّ إنّها هي التي تسرد لغيرها، أو يقع عليها سرد غيرها “1.

شخصية البطل/الراوي
وإنّ ” أوّل شخصية منتشرة على مستوى كلّ الفترات الأولى للحكاية تتمثّل في الراوي كعامل على مستوى البلاغ، إذ أنّ وظيفته التنسيقيّة تستدعي حضوره لترتيب المقطوعات وتوزيع الأدوار على الممثلين أو تعقب حركاتهم سواء كانوا أساسيين أو ظرفيين”2 ، فالراوي هو محدّد المسار السردي، وكاشف الشخصيات وأدوارها.

وفي “قضاة الشرف” استطاع الراوي أن يكشف شخصياته بأوجهها المتعدّدة ويبيّنَ حالات ضياعها، وضياعه أيضا، فنجده الحفيد المؤهّل والوريث الشرعي الذي يستحق امتـلاك القيمـة
( الحكمة، واعتلاء عرش الحضرة) في نظر الجد، وهو الابن/الضحيّة، الذي اغتصب والده حقه الشرعي ونفاه إلى مدينة تتماهى مع قريته رذيلة وضياعا.
“أنا في وهران، يملؤني سكون جارف، ونفسي تحتثني على المنكر..”3
فهو الضائع بين المقاميين (جبالة-وهران) يمارس عبثه، يشاكس النساء ، يشرب الخمرة ، ويفعل ما يفعل، وهو الذي استلب حقه، نفيّ وظهر بوجهين (المكرّم والمهان) ، الحالم بالملك والسيادة وبالقيمة التي تجعله أكثر حضورا وفاعليّة، والمفتقد لهذه القيمة/ الحلم ، في الوقت نفسه، ويبقـى الراوي الشخصية الأساسيّة التي تتمركز حولها الرؤية، تبتدىء منها وتنتهي إليها.
يظهر البطل/ الذات الساردة ساخرا بمن حوله، وبالواقع المحيط به، إذ يحاول كشفه وتعريته،” فانشطرت إلى ذاتين إحداهما داخليّة تواجه القوى التي تحاصرها، والأخرى تدرك الطابع التجريدي والمحدود للعالمين (عالم الذات والعالم الخارجي)4، أين تتضح الإشكالية في الرواية، بين الأنا والأنا، وبين الأنا والآخر، بين النفس ومكبوثاتها، وبين واقعها الخانق، في صراع وانفصال شبه كلّي، حيث الغربة، الضياع والحرمان أكثر.

شخصية الأب:
يقابل شخصية البطل الأول/ الراوي، شخصية أخرى أساسية في بنية الحدث الروائي وتشابكه، تتضح شخصية الأب /البطل المضاد أو الفاعل المضاد حسب غريماس، غاصبة للحق، جائرة، منتهكة للأعراض وممارسة للرذيلة توصلت إلى السلطة بطريقة غير شرعية، وعلى حساب الابن، فقط لتكون مالكة لكلّ الماديّات، والقاضي الأوّل في البلاد الذي ترجع إليه الأمور، والمطاع الذي يحترم أمره ويلبى حتّى ولو منافيا للشرع والعادة، والعرف العام.
” كلّ من حضر استلامي الحكمة من الرجال أخي محمد رحمه الله، الذي مات وماتت معه شهادته، وحتى وإن بقيّ حيّا لست متأكدا أنّه سيشهد بالحق، وفقيه الجامع سيدي حمزة زوج عمّتي فتيحة الذي لا يستطيع أن يبوح بشيء قبل استشارة أبي خوفا منه “.5
فالكلّ يخشى الأب (صاحب الحضرة المزعوم) ، حتّى في شهادة الحق لا يشهدون إلاّ بما يوافق رغبته، ويتحيّزون له رغم وضوح الحقيقة، فيضيع الحق ويسيطر الظلم والزور والنفاق.

شخصية الجد:
من الشخصيات الفاعلة فبهذا النص، تظهر شخصية”الجد” صاحب الحضرة الأول، الذي ينطلق منه الفعل، حين يحدّد أبعادا اجتماعيّة وعرفيّة وسياسيّة، حيث يسقط حق ابنه في امتلاك القيمة
(توريث الحكمة)، لعدم كفاءته لتأدية المهام، ويورّثها لصالح الحفيد الذي يحفّزه نحو أهداف مستقبليّة، تكسبه مكانة سلطويّة. وهو يحتضر يتّخذ موقفا واضحا ، وبهذا يتحدّد قراره بأنّ الكفء هو الجدير وحده بالسلطة، وعليه الحفاظ على هذه القيمة وبالتالي بالمسؤوليّة التي أوكلت إليه.

شخصيّة الجدّة:
تكاد تكون الشخصيّة الوحيدة، خلافا عن الشخصيّات الأخرى، منصفة، رافضة للظلم، و صاحبة مواقف واضحة، ساندت البطل بطريقتها الخاصة، رافضة تصرفات ابنها ( البطل الضديد) (opposant) في اغتصابه للحكمة.
“.. صار صاحب الحضرة الآمر الناهي في عرش جبالة، إنّك لا تعرفين ذلك، حتّى لو أخبرتك به فلن تصدقينني، ولن يصدقني أحد.فقط جدّتي اعترضت على ذلك، وقامت، بعد دفن جدي بجمع حوائجها.خاف أبي أن تغادره وتغادر جبالة “6.

رواية “قضاة الشرف ” بلغتها البسيطة الممتعة، ذات الإيحاءات العميقة، سواء بمعجمها اللغوي، أو بمستوياتها الفنيّة الجماليّة، وتقنيّة توظيف العناصر المشكّلة لبنيتها السرديّة، تمكّن الراوي من خلالها من توظيف الأداة التعبيريّة المناسبة، في طرح مواضيع تعلّقت بالفكر الإنساني بكلّ سلبياته، سواء من الجانب الأسطوري الخرافي، أو من جانب ممارسة السلطة، وانتقالها من قوة إلى قوى أخرى أكثر فسادا وانحطاطا.
و”لأنّ الرواية شأنها شأن أنواع الخطاب الأدبي الأخرى إنتاج لغويّ، وأنّ الممارسة السرديّة ممارسة لغويّة بالدرجة الأولى “7، استطاع “عبد الوهاب بن منصور” تجسيد الواقع بلغة المتخيّل التي تنسج سردها بتقنيّة تنفتح فضاءاتها على الإبداع، لـ”تصير العلاقة بين المتخيّل والواقع هي علاقة احتواء من جهة ( يستمدّ عناصره ووحداته جميعا من الواقع أو الممكن ) وعلاقة تشكيل الغرابة فيه تقوم على
والتأليف “8.
من هذا يتّضح أنّ لكلّ كاتب سرده، أو طريقته الخاصة في نقل الأحداث وتصويرها وعرضها بأسلوب يراه مناسبا، يدعو إلى التشويق والمتعة.
كما”تكشف رواية ” قضاة الشرف ” عن موهبة عبد الوهاب بن منصور وعن قدرته في تطويع اللغة وحسن توظيفها وعن علاقته بالتراث وهو أمر يتمّ عن ارتباط وثيق بالماضي وتجلّياته “9، حيث جسّد الواقع بفنّيّة وبإبداع متميّز.
تقاطعت رؤى عبد الوهاب بن منصور في روايته “قضاة الشرف” مع رؤى روائيين آخرين، من جانب طرحها للصراع القائم بين جيلين مختلفين، ممثلين في الأب والابن، وما يحملهما من خلاف، حيث يلاحظ سيطرة الأب وعنفه، فقد “سبق أن تعرّض أمين الزاوي إلى هذه العلاقة في روايته الأولى (صهيل الجسد)، فجعل الأب يلتبس بالدين ويتظاهر بالقيمة ولكنّه يمارس كلّ أنواع المنكرات حتّى إنّه يبعد ابنه عن الوطن ليستأثر بزوجته الشابّة”10.
كذلك يلمح هذا الموقف المتمسّك بآرائه ” في ( معركة الزقاق ) لـ”رشيد بوجدرة”. فهو حريص على إبقاء صورة الماضي كما هي، يتلذذ بنشوة الانتصارات التي حقّقهاالعرب المسلمون قديما-ومنها فتحهم للأندلس-ولا يرضى بأن تمسّ الصورة المقدّسة بأيّ نقد “11.
فـ”عبد الوهاب بن منصور”قال أشياءه بطريقته الخاصة وجدّد بتقنيّة وبأسلوبه الجزل المختزل لمعان، ورؤى ترفض الواقع بسخريّة وتعريّة، لتنكشف عيوبه وسلبياته، وهي تتمرّد عليه.
إنّ هؤلاء القضاة الذين يتظاهرون بحماية المقدّس والدينيّ، ما هم سوى وجوه عابثة تمارس فسادها بكلّ الطرق الشرعيّة واللاشرعيّة أيضا، التي تمكّنها من السلطة والسيطرة على الأفراد، حتّى أقرب المقرّبين إليها، بلا شفقة أو رحمة .

 

—————-

إحالــــة :

1*عبد المالك مرتاض القصة الجزائرية المعاصرة ص67
2*زوتش نبيلة.تحليل الخطاب السردي في ضوء المنهج السيميائي.دار الريحانة للكتاب.2007.ص185
3*الرواية ص08
4* عباس ابراهيم. تقنيات البنية السردية في الرواية المغاربية.المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار.2002 ص14
5* الرواية ص41
6* الرواية ص28
7* خمري حسين.فصاء المتخيل مقاربات في الرواية.الاختلاف.ط1992.1
124
8* المرجع نفسه ص59/60
9* غلاف الرواية
10* واقع الروايّة من رواية الواقع .مخلوف عامر. أعمال الملتقى الخامس.منشورات معهد اللغات والآداب.2008.ص73
11* المرجع نفسه

 

 

 

 

 

—————————————————————————————————–

* خيرة بغاديد ( كاتبة من الجزائر)

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. يشير معظم المنظرين الغربيين، ومن شاكل شاكلتهم من بني لحمتنا، أن الرواية الناجحة هي التي توّظف الشخصية الساحرة في اللحظة الفاتنة، ومن هنا كانت الشخصية، هي مفتاح الرواية عند الكاتب والقاريء.

  2. كيف تكون الشخصية ساحرة ؟
    وما المقاييس التي تحدِّدُ مدى سحرها ؟
    الأكيد سيدي الفاضل أحمد الزيواني أنّ الشخصية لها دور مهم في بنية السرد ، الشخصية التي تعد مكمِّلة للعناصر الأخرى – زمان – مكان – لغة ….- بتوظيفها المهم الذي يسهم في العملية السردية بطريقة ما استغلها السارد لبلوغ الغاية وإدراك المبتغى وراء ذلك كلّه.
    شكرا أساذنا الفاضل على هذا الحضور.

  3. هل يمكن اعتبار كتابات عبد الوهاب بن منصور من الواقعية السحرية ما دامت تعتمد على الغرائبية و الأجوا الصوفية؟

اترك تعليقا