
للخروج … يتأهب حافزاً من مربطه ، وهو يحرك رأسه جيئة وذهاباً، يقدم خطوة ويؤخر أخرى، يعيش لحظات من الترقب ، يحفر بأظلافه من شدتها حفرة كبيرة.. الحبل خلخال رجليه يجره هارباً من القيد فيشده الوتد لجاما ، فيسكن.
انتفض معجباً عندما رأني أقف قبالته ، أمسك عصاي بيدي والبردعة بيساري، وفي وجهه أصيح :” اشَا يا حمار ..اشًا يا شهبوب “، مطيعاً يرفع قادمه، لأحل قيده، ويحنو برأسه على جسدي النحيل تعبيراً على الفرح ، أكسو ظهره بالبردعة ، وأثب بمهارة راكبا. ألسعه بشوكة حادة من خلفه، وأركله برجليَ على بطنه ، فيمرق…
ها هو ينهب الأرض شرهاً.ويعزف بحوافزه القرموزية إيقاعاً متواصلاً. وخلفه يرسم غباراً مرتفعاً. وسط سحب الغبار التي تملا زقاق البور أختفى – أنا – شبحاً، وأطوي منعرجاته وأطلاله برقاً، والنشوة شلال دافق..
كعادة لازمة . تسبق النهقة الصارخة وقع حافره إلى عتبات الجنان. يسرَع خطاه بلهاث الرغبة.ويفتح عينيه بشبق المتعة. ويعلن عن وصوله مصفراً. راغباً بقدومه ” أأها ..أاها..أوو “.
له مع أرضها طقوس يعلمها هو، فما أن يصل إليها حتى يأخذ لنفسه حماماً ساخناً، وهو يغتسل بلهيب تربتها الجاذب، يتمطى في حجرها . لكأنه رضيع في القماط تحتضنه أمه على جوع المحبة، كم كان يلزمه من برد الجفاء ليطفئ لوعتها المتأججة، إن استطاع؟
أما أنا فأسند الدهشة إلى راحتي، وأتأمل ، ثم أتأمل لأطلقها زفرة : من الحب ما أهبل!!
ولأنه أحب واحة النخل الخضراء بشراهة الغريزة، فقد كان مطواعاً عند النزول إليها، نزاعاًً لخطوه في لقياها، هائما بنخلها ومائها وعشبها حد لافتتان.
أمام نخلة ” تيلمسو” يرابط بإعجاب وتذلل ، يستظل بأفنان ربيبته في بور”المداد”، يأكل من تمرها وحشفها، ويحك جلده الأجرب على جذعها، وقد تدلى منها حبل وصالهما، يتخلله بعبودية تامة،بعد أن أقوم بربطه، وأضع البردعة تحت نخلة أخرى…
يقبل بنهم فاتر على أكل خراجها، وما تساقط من تمر النخلة على الأرض، يأكل من شفتي الأرض المكتنزتين ويعنفط من حين لآخر . عيناه تتغامزان على دمعتين مترتبتين، بينما ذيله يلوح به مروحة لجلده اللاهب . يلاحق ذبابته الخضراء ذات الرنين المزعج، يتوقف لحظة عن الأكل ليطاردها بفمه ووشوشة تشبه الضحك. تحاول كل مرة هزم لذاته ،وقطع متعه . يضرب بحافزه ، يصك ، ويصك .. لكنها تواصل إزعاجه وتنغيصه إلى أجل ..
يعود لخضم العشب ولملمة تمر الريح بمسحة شاملة ، يأكل كل شئ استساغه أنفه المشمام في صورة باعثة على التأمل.
ربما قتل المتيَم عشيقته في مشهد سريالي يرفض من خلاله أن تعيش بعده معذبة كما فعل عطيل مع إيدموند، لكن إن يلتهم العاشق ما في أحشاء المعشوقة ويمثل بها ، فذلك مبلغ الدهشة !! هكذا كنت اقول.
تركت مشهد الواله، وتفسحت في أرجاء البستان ، أتشمم روائح الحشائش والأعشاب ، تناهى إلى مسامعي وصلة موسيقية تصنعها عصافير ويمام ، تذكرت إحدى اليمامات باضت في عش نخلة ” تنفور ” منذ شهر، لابد أنها فقست بيضها ، سأظفر بفراخها ، وربما بالأم أيضا.
تسلقت نخلة ” تينفور ” التي جمعت بين التمر والشوك. ولشوكتها قوة وحدة يعرفها من خبرها . بعناية بالغة الاحتراس أواصل التسلق ، أرغمني الصعود على تذكر زمن التأبير ورائحة الطلع تقهرني،والمؤبرون يرددون أهازيج المحبة وصلوات التقديس.
انتابتني فرحة عارمة ، جمعت أمري ، شمرت عن ساعدي وأنا أقترب من عشها، هاهي الحمامة فيه مع فراخها .يا له من صيد ثمين!، والحظ وافر،سأقبض عليها ، كم أنا ماهر في القبض على اليمام . رفعت حاجبيَ ، وفتحت عينيَ، وضغطت بلساني على شفتي السفلي . ارتعدت رجليَ قليلا ” قربط ، قن ” انزلقت بي كرنافة وهويت على الأرض متأوهاً، وطارت اليمامة وهي ترثي صغارها بحالة من التراجيد يا المطهرة، ولكم كان مشهد الحمامة وهي تتمرغ على الأرض مؤلماً ومشفقاً، قلت لها: رويدك!. كلانا عاد للأرض يندب حظه العاثر، لا تخافي ولا تحزني ! . لقد رددت إليك على غير رغبة مني أفراخك . ” اللعنة على وحش الطمع” .
عدت لحماري ” شهبوب ” وانأ أعرج ، واقتربت منه متلطفاً، ظنا مني أنه سيتعاطف مع عروجتي المؤقتة ، وخيباني الطافحة على وجهي الحزين، لكنه استدبر ني معلناً حيرانه، وباغتني بصكة نحو ركبتي اليمنى، خارت من شدتها قدراتي حتى على التأوه …
استوعبت الضربة، وجمعت ما تبقى من قواي، تلمست حبله، والعصا بيمني ، وعلى رقبته العريضة سددت ضربة قوية بعصا ” أقار” ، التزم بعدها بهدنة ، وأذعن لي بركوبه ، وخبَأ في نفسه أمراً،إذ أظهر طاعته ، وبدأ يركض مرغماً باتجاه القصر، كان من عادته أن يتوقف عند ساقية ” الحاجة مينة ” ليشرب من مائها الغزير، لكنه قفز مسرعاً، ثم توقف مـــــادَاً رجليه للأمام .. أنا على الأرض مدمماً .
رجع إلى سباخ الواحة مزهواً بنفسه ، منتشياً، وكان الظلام قد أطبق رداءه على شفق الكون، لم يكن بوسعي القبض عليه،فتركته لحاله،وعدت للبيت ومعي الدماء والعروجة واستحمام بالرمل، وأنين رافقني طوال الليل .
أما حماري فقد قضى ليله بين أرجاء الواحة متنقلا بين مزارعها ومواشيرها، يطوف بين مرابض الأتن متلذذاً تارة، ويمارس شيمة الظلم على غيره من الحمر تارة أخرى.
خاض في ليلته الكثير من المعارك، انتصر في الكثير منها لفسحة الحربة من القيد الذي يحاصر خصمه ، ويحده من التحرك ، وإذا ما هزم فرَ من المعركة بجلده إلى مكان آخر.
حدث أن أسلمه حظه العاثر إلى حمار ” الهدوب ” المعضاض، وهو حمار يحفل سجله بألقاب عديدة، ويزخر رصيده البطولي بميداليات ذهبية حازها في عدة بطولات أقيمت للمبارزة بين الحمر، منها بطولة ” دادة قاسم “وبطولة”زقاق الطايحين” وبطولة “سبخة رابحة”.
شهبوب لم يكن يدري أنه يدخل زريبة الحمار الفتاك ، فدخل مزمجراً، دافعاً صدر الغرور ، زمَ “الهدوب” أذنيه، ومضَى أنيابه ببعضها.. تلاحما . تعاضا…
لم تمر سوى دقائق فيما أزعم حتى خرج شهبوب من الزريبة مهزوماً مدمماً. يعاني من عدة عضًات. لعل أخطرها عضة في جمجمته.
وقف شهبوب عند ثنية العشاق وقدًر وجهته، ورغم أنه كان يسعه أن يعود إلى مربطه بالقصر إلا أنه توجًه تلقاء جنان ” بور المداد” ، ودخله يغالب النزع الأخير، وتفرس في النخل والزرع جميعاً، ثم اختار نخلة ” تيلمسو ” ربيبته التي أكل حشفها وتمرها ، وحرك جلده على جذعها، وأدخل رجله في الحبل المتدلي منها ، وتمدد لرقدته الأبدية وأعطى للنخلة سماده.
—————————————————————————————
* عبد الله كروم (كاتب وأكاديمي من الجزائر)



