كان ينظر إليها وهي ماسكة بثياب أخيه الصغير ودموعها تتلألأ كزجاج، كانت تغطي وجهها بثيابه، انخرطت في البكاء أكثر حين سألها ابنها الصغير الذي لا يتعدى عمره العشر سنين، كانت جثة ملفوفة في ثوب أبيض إلى جانبها:
- لِـمَ تبكينَ يا أُمّـاهُ؟
بعينيها -النجمتين المضيئتين اللامعتين القطبيتين- تنظر فيه، وبشفتين مرتعشتين تحاولان إيجاد كلمات تقولها وحتى إن وجدتها لا تقوى على نثرها، تجذبه إلى صدرها، يزداد نحيبها داخل الغرفة الضيقة التي تشبه القبر، على ذاك السرير المهترئ يرتفع صوتها يطوّق خصر السقف المشوّه بسواد الرطوبة، يحدّق في أمه بنظراته المندهشة، مستفسرا: ما الذي جرى حتى جعلها لا تتوقف عن البكاء ذارفة سيلا من دموع؟! وبقلب براءة الأطفال ينتحب مثلما هي تنتحب، يرتفع صوته أكثر لهول ما يسمع وينفجع، أدركَ شيئا مما حدث، وهو العائد التوَّ من المدرسة، لا زال ينظر في الجثة الملفوفة بثوب أبيض، ولقد حالت أُمُّه “سكينة” دونه ورؤيةَ وجه أخيه الذي تُوُفِّيَ من ساعات.
- مَنْ هذا يا أمّي الراقدُ لجانبك؟ ولِـمَ تُغَطِّينَ رأسَه!؟
لم تستطع الأم “سكينة” أن تخفي فجيعتها، نظرتْ في وجهه الملائكي وهو أمامها يبكي، لم تستطع حبس دموعها لأجل أنْ تُهْدِّئَ مِنْ رَوْعِه، عزاءَها الوحيد أن تضمه إلى صدرها.
- لا تبكِ يا ولدي، لِـيَـرْحَمْهُ الله، أخوك “عصام” الآن مع الملائكة في الجنة.
أَجْهَشَ باكيا أكثر من ذي قبل، يا لِهول الفاجعة! أخوه الذي طالما حمل له من مطعم المدرسة حصته من الجبن والمربى من الصليب الأحمر، يحرم نفسه من أكله لأجل العودة به إلى أخيه، عوّده على الشكولاطة والحلوى والمربى الملفوف في علب بلاستيكية، فكان ينتظره على أَحَـرَّ من الجمر!
حين خروجه مباشرة من الصف يسرع في العودة إلى البيت حيث يشتاق إليه كثيرا، يرمي محفظته، يحمله ويقبّله بعنف، لا يشبع من تقبيله، يفرح الطفل كثيرا للحب الذي يلقاه من أخيه، ويسعد لهذا الحنان المتدفق كشلاّل.
كان أخوه جميلا، شعره كثير السواد أملس، كان نحيلا مريضا يعاني آلاما لا يُعرف مصدرها، تجعله بين الحين والآخر يطلق صوتا وتأوها ويبكي دون انقطاع، كان لا يتعدى الثلاث سنين لمّا فارق الحياة. ولَـكَمْ فرح به كثيرا يوم وُلد، ويوم بدأ يُطلق صوتا، ويوم حَبْوِه، ويوم ناغاه؛ لَـكَمْ استعجَلَ مَشْيَهُ ونُطْقَه، لمْ تحملْه الأرض من السعادة، ولمْ تَسَعْهُ الأكوانُ رغم رحابتها يوم نَطَقَ اسمَه وقلّده في حركاته وفي تكرار بعض الأسماء، سَعِدَ حين بدأ يضحك ويميّز بين الأشياء، كان يحمله ويخرج به إلى الشارع حيث يلتقي بأصدقائه فيقدّم لهم شقيقه اللطيف، لقد أحبّه أكثر مما تتصور أمُّه “سكينة”، ولذا كانت مطمئنة حين تتركه معه، وتعرف أنه سيكون بخير، ولن يغفل عن مراقبته لحظة.
كان ينظر في ثيابه الممزقة ورجليْه العاريتين من الحذاء في فصل الشتاء، كانا لا يملكان ما يَرُدّا به البرد القارص؛ ولأن أباه رقد في المستشفى طويلا بمعاناته المفجعة، واشتد به السُّعال حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، فقد تركهم من سنين كطيور صغيرة مُزَغَّبَة!
أمه “سكينة” التي تقتات من صدقات المحسنين لا تَقْوَى على فعل شيء إلا الصبر والتأسي، والأمل الذي يحدوها في أن يكبر ولداها ويُذهِبا عنها غَمّ الدنيا، وتراهما يتألقان وينجحان في الحياة.
وها هو الموت يمتثل لمشيئة الله ويسلب طفلها، ويزيدها حزنا على حزن، فلذة كبدها الذي يواسيها في هذه الحياة القاسية الصعبة.
توفي طفلها بمرض خطير، بورم داخل أمعائه؛ ولكم حملته والدته إلى الطبيب لمعاينته! كان الطبيب قد أخبرها بخطورة مرض ابنها الذي يحتاج لعناية خاصة في مستشفى أجنبي، لم يتكفل أحدٌ بابنها لنقله إلى مستشفى بالخارج، فالتكاليف باهظة، عملتْ المستحيل لتجدَ من يساعدها في التكفل به، لكنها عبثا حاولت وتحاول. لم تفلح في استعطافهم؛ وها هي تراه يهلك أمام عينيها راضية بمشيئة الله، كل يوم يموت جزءٌ داخلَها، كلُّ يوم تظنه وتحسبه اليوم الذي سيغادرها فيه، لذا كانت تحيطه برعاية، فلا يكاد يفارق ظهرها وخصرها.
كان يشعر بأخيه وهو ابن العشر سنين حين كان يبكي بكاء حارا، من برودة الشتاء أحيانا، ومن الجوع أحيانا أخرى، وغالبية الوقت من الألم الذي يقطّعه من داخله، لم يكن في مقدور أمه أن تمنحه مزيدا من الحليب؛ يتنازل هو عن حصته لأجل أخيه الصغير “عصام” حتى يشبع ويهدأ من بكائه الذي لا يتوقف؛ وها هو الآن يفارقه إلى الأبد.
كان “علي” -وهذا اسمه الحقيقي- مختلفا عن الآخرين، بدأ الخروج للعمل، يبيع مخارط الحمّص المغلي في الماء المخلوط بالتوابل، والذي تَبْرَعُ أمُّه “سكينةُ” في تحضيره، يجول كل مساء أزقة المدينة، تتورم قدماه أحيانا، يختفي مرات، تتورد وجنتاه احمرارا وخجلا كلما صادف زملاءَه في المدرسة، أو ظهر على حين غَرَّة أحدُ معلميه، يحس بمشاعره تنزف إذلالا، يقف مرتبكا محاولا إيجاد مخرج، فيحرّف وجهته، يَـنْـثُرُ من فمه كلمات كأنها دعاء ورجاء إلى الله ليرحمه من هذا العذاب، تداهمه فكرة الرمي بهذا الحُمُّصِ الطازج المخلوط بالتوابل في الطريق، وتكسير هذا الفنجان الزجاجي الذي يكيل به، لكن بمجرد ما يهيم بفعله تبدو له صورة أمه في خياله فيصبر، يتذكر أن هذه النقود إنما لتجنبهما ذل السؤال، وهي لمتطلبات المدرسة، وليبرهن أيضا لوالدته أنه رجل ويمكنها أن تعتمد عليه.
أما يَوْمَيْ عطلته المدرسية فيغيّر عمله، كان عليه أن يحرص على الاستيقاظ باكرا لأن السوق يتطلب ذلك، فالحركة تَدُبُّ فيه قبل طلوع الشمس.
صار فتى كثير الخبرة في بيع أكياس البلاستيك، يتنقل برشاقة لا مثيل لها وبخفة كفراشة الربيع، يضاعف بيع حزم الأكياس، كانت له قدرة عجيبة على ملاحقة الزبائن وإقناعهم، فبمجرد وقوف الزبون أمام صناديق الخضر والفاكهة يفاجئه:
- “صاشي”(1)، طَلاّعَة(2) سيدي، أنت بحاجة لكيس كبير!
——————————————
- (1) “صاشي”: أي كِيس بلاستيكي صغير، وهي من الكلمة الفرنسية (sachet).
- (2″طَلاّعَة”: أي كِيسٌ أو قُفَّة، بلهجة الشرق الجزائري.
————————————–
ويبتسم له بعينين تبدوان حزينتين مرهقتين، يأخذ الزبائن منه هذه الأكياس مقابل عشرة دنانير، تنفذ الأكياس بسرعة، يعدّ دنانيره، يضع رأس ماله في جيب ثم يعدّ الفائدة، ويفرح كلما حقق ربحا وفائدة زائدة عن المرات السابقة، يتجه مباشرة إلى بائعي الخضر، يسلمهم الدنانير مقابل أوراق نقدية من فئة مائتي دينار؛ غالبية التجار استبدلوا اسمه من “عليّ” إلى اسمِ “مُكافح” حتى التصق به إلى الكِبَر، كل واحد منهم يخصّه بشيء من الخضر والفاكهة، يحملها ويتجه بها صوب داره التي لم تكن غير غرفة بحجم القبر، يعرف أن أمه “سكينة” لن يهدأ لها بال حتى تراه أمام ناظريها فتطمئن، وتتناول حينها غداءَها معه.
تومئ له أمه “سكينة” بنظرات ضارعة مستجدية حتى لا يفرّط في دراسته لأجل هذه النقود، التي هي في أَمَسِّ الحاجة إليها، والتي تستغني عنها لأجل مصلحته:
- لا تحمل هَمًّا يا ولدي، ولو اقتضى الأمر فسأتسول لأجل أن تكمل دراستك!
يحملق في نظراتها متسائلا: لماذا لا ينقشع هذا الحزن من عينيها؟ لقد حوّلها الحزن إلى عجوز نبتت على جبينها خطوط الكِبَر، وعلى وجهها تجاعيد الشيخوخة؟ الزمن الحرام الذي لا يرحم! تتبادر إلى ذهنه أسئلة فلسفية قد يعجز الكبار عن فهم كنهها، مرة يقول لأمه:
“إن الله يحبهما، والدليل على حبه أنه يمنحهما البركة والرزق وأكياس البلاستيك تنفذ بسرعة، وأنّ الحمّص المغلي في الماء والمخلوط ببعض التوابل ينهيه في ساعات ويعود بمصروف أسبوع كامل تقريبا”!؟
تبتسم الأم للكلام الذي سمعته، ويزداد يقينها في ابنها “المكافح”، ذلك يخفف عنها القليل من الحزن الغائر في أعماقها، الجرح القديم الذي لا يبرأ.
لا يمر عليه يوم ينسى فيه أخاه “عصام” الذي ودّعه، لكنه يتحاشى ذكره والكلام عنه في حضرة أمه، فهو يعرف ما معنى أن يَلْفِظَ اسمَه أمامها! وماذا يمكن أن يحدث!
حتى إنّها لا تزال تحتفظ ببعض ثيابه كذكرى!
كان دوما يترفع عن سؤال نفسه: لماذا أراد الله أن يكونا هكذا دون الخلق؟
على العكس، كان يلتقي ببعض أصدقائه في السوق ممن يبيعون أكياس البلاستيك، وحياتهم تكاد تكون شبيهة بحياته ووضعه، ومنهم مَنْ قد يكون وضعه أسوأ من وضعه، فهو يعرف أحدهم: لا أبَ، ولا أُمَّ، ولا دار! هو على الأقل يملك أُمًّا يَأوي إليها كلما عضه الزمن.
يحس ببعض الامتعاض حين يحرجه معلموّه بسؤالهم عن أحواله، وإن كان هناك من يلقنه دروسه التي يَبْرَعُ فيها، كان نَهِمًا في دروسه ومطالعاته، ولا يعرف غير الدروس بعد بيع الحمّص المملّح المخلوط بالتوابل وأكياس البلاستيك في السوق يومَيْ العطلة.
كان يتقدم في السن، طالتْ قامته على ما كانت عليه، فلقد كان طفلا نحيلا، مُعْوَجَّ الظهر قليلا، كأن الفقر والحزن هُما من فعل به ذلك. لا يبرح يعمل، لم يعد كما كان يبيع الحمّص وأكياس البلاستيك في السوق؛ لقد تدبر له باعة الخضر والذين أطلقوا عليه اسم “مكافح” عملا في المقهى الكبير في مركز المدينة، والذي لا يغلق إلا في وقت متأخر.
“مكافح” لا يرقد إلا قليلا من الساعات، بعدها يستيقظ متأهبا لدروسه، ولقد أَلِـفَ هذا الروتين وتبرمج كآلة.
كانت أمه تَئِنُّ أنينا غاية في الخفوت لتخفي عذابها وحرقتها، حتى إنها لا تذهب إلى فراشها إلا بعد الاطمئنان على رجوعه.
“مكافح” الذي يسمع دائما صوت أخيه الصغير المتوفى يتردد في أذنيه، نغمات ضحكته كما كان حيا، كان يسمع أنفاسه السريعة تنطلق من صدره المريض، كانت أنفاسه قصيرة ومتحشرجة يسمعها كما الأمس القريب وهو في سن العاشرة؛ كل هذا يسمعه دون أن يحكيه لها، فالأم “سكينة” لا تكاد تنسى فلذتها المفقودة”!
ودّع “مكافح” وأمه “سكينة” الغرفة التي كانت بحجم القبر إلى دار جديدة اكتراها، البيت لم يكن أحسن من الأول إلا في اتساعه، وفي عدد الغرف التي صارت ثلاث غرف، ومرحاض، لكنها متسخة، تعافها حتى الكلاب المتشردة؛ الحاجة دفعته لذلك، ومن جهة حتى يبعد ذكريات أخيه “عصام” عن ذهن أمه التي تكاد تصاب بالعمى لكثرة بكائها، كان ينظر إليها كما ينظر العندليب المجروح، ويقول لنفسه: عساني أُنْسيها قليلا مما عانته!
كانت تخطئ في مناداته باسم “مكافح” وتناديه باسم أخيه المتوفى، فيغرق وجهها مرة أخرى بالدموع، مما يجعل الحزن لصيقا بها لا يفارقها.
يعود “مكافح” من عمله، تحمله قدماه بمشقة، لم يبق إلا القليل ويتخرج من معهد الموسيقى، الموسيقى التي يسمعها في كل دقة من دقات نبضه، في تأوه وأنين أمه “سكينة”، في ذكريات بكاء أخيه، في نغمات ضحكاته، في أنفاس ألمه، وفي سقف الغرفة التي تشوّهت بسواد الرطوبة، موسيقى السيارات التي لا تفارقه، وأبواق الدراجات في الأزقة التي مثل الثعبان الذي طالما تلوّى على رقبته وهو يحمل سطلا من الحمّص المغلي في الماء المخلوط بالتوابل؛ الموسيقى لهرج الساهرين في المقهى، ولأصوات أصدقائه التي تبدو كأغنية “الصاشي، الصاشي، أشكون قال الصاشي”؟ ويرد عليه اللحن الآخر”الصاشي راني اهنا، أشكون قال الصاشي”؟
وهذه الأغنية التي أبدعها: “حمّص بنين وباهي، حميمصة بالكمون كول وزيد، حمّص شاهي بنين وباهي”؟
كانت الموسيقى تتكون داخله بلحن حزين تتلهف أنامله لعزفها، موسيقى باعة الخضار الذين اختاروا له اسم “مكافح”، الموسيقى تتردد في أذنيه لذلك اللحن الذي يدندنه في أذن أخيه لكي يغفو وينام، والذي علمّته إياه أمه: ” أَمْ، مْ مْ مْ، يا باري يا باري، يا سكّات الدراري، سَكَّتْ لي أوليدي هو خير الدراري”.
الموسيقى التي يسمعها تحت ضوء القمر الفضي، الذي يتسلل إلى داخل روحه يزيح بجماله أعماق الحزن فيه، هذا الضوء الساطع للقمر الذي يراه حين يكون عائدا دائما من عمله بالمقهى وفي الوقت المتأخر من الليل، يراه وبشهادة الكلاب الضالة التي تنبح في الطريق بنغماتها أيضا؛ استحالت الموسيقى إلى عالم آخر ينظر من خلاله بروح شفافة جبارة إلى هذا الوجود كيف يكتمل بحزن وعناء، كيف ينتهي الفناء فيه إلى جمال داخل النفوس، ليصنع من مأساة الحياة سنفونية رائعة لحكاية مسحورة لو تُحْكَى.
من صفير طائر “الحَسُّون” المعلّق قفصه في المقهى، والذي لا يمل ولا يصمت مؤكدا وجوده رغم الأسر ورغم القفص، ينتزع حقه ويحتجّ بصفيره الذي يترك طربا في النفس؛ يأخذ منه الدرس ليسمع الموسيقى تتهادى في أذنيه، يرى تركيبة الأنغام حين يحدّق في عالم لا صلة له بهذا العالم، وفي محجر العينين تلمع دمعات لهذه الموسيقى التي لا يسمعها أحد غيره.
يتخرج من المعهد العالي للموسيقى والأول في دفعته:
- كنتُ الأولَ في الدفعة يا أماه!
يكلمها بصوت يغلب عليه البكاء.
- أعرف أنك لا تشبه الآخرين، كنت أسمعك تعزف على الناي فيرقّ لك قلبي، إن الموسيقى يا بني مرات دواء، ومرات تعيد الجرح، أنت بارع يا قلب أمك!
تقول له هذا وهو ذاته يفكر على هذا النحو:
- كانت معزوفتي ومقطوعتي التي ألّفتها أحسن المقطوعات.
- مبروك يا ولدي.
- أسميتها “لحظات القمر”.
- جميل حقا عنوانها!
وكأن أمه “سكينة” عرفت من يقصد بالقمر، لكنها أحجمت عن البكاء مخافة أن تفسد فرحة ابنها، هو ذاته كان يحس أنها عرفت سبب التسمية.
- لو كان أبوك حيا لافتخر بك، ولو كان أخوك…
لم تكمل الجملة حتى انفجرت باكية، اقترب منها أكثر، أخذت برأسه وأدخلته في صدرها مقبّلة شعره.
- هناك أمر آخر يجب أن تعرفيه.
ردت بعدما مسحت دموعها موهمة إياه أنها دموع الفرح:
- ما هي؟ الله يجعل كل أيامك فرحا.
- حصلت على منحة للدراسة بالخارج، وسأرفضها!
- مستحيل أن ترفضها!
- لا يمكن أن أتركك هنا وحدك!
- أقسم عليك بالله العظيم يا ولدي أن تذهب، وأقسم عليك بالله العظيم أن تعاهدني على النبوغ، وأقسم عليك باسم الله العظيم أن تخلّد لقبك ولقب أخيك وأبيك، هذه فرصتك، ولن أدعها تفلت منك!
- لكن يا أمي من يعيلك إن غادرت!؟
- أقسم عليك بالله العظيم أن تأخذني لدار العجزة، أنا راضية عنك يا “مكافح”، راضية عنك!
كان يشعر بالذنب الكبير حين أخبرها، ولو لم يخبرها لكان ذنبه أشنع.
نقلها إلى حيث أمرته، ثقلت قدماه وتيبّست بمجرد وصوله باب دار العجزة وذوي الحاجة، أحس أن أنانيته استحوذت على نفسه فأنسته حقوق أمه عليه، أغلى ما يملك، وكل ما يملك…
أخذته بالأحضان لدقائق وهي تضمه لصدرها، لم يشعر بضمة مثل هذه الضمة في حياته كلها، طوّقته بذراعيها، كان نبع حنان يتدفق بحرارة الأمومة والكبد، أخرجت من حقيبتها المزركشة بأزهار وألوان منديلا راحت تمسح به فيض الدمع، منعته من الدخول:
- لن تدخل لئلا يقال إن ابنها هو مَن أحضرها، أنت بريء بني، أنت بريء!
وقبل أن تودعه طلبت منه القسم بأن لا يضعف لأجلها، أعطاها العهد بذلك وظلَّ وفيا لعهده ما بقى حيا.
سافر بالمنحة التي أعطيت له، كان بين الحين والحين يطمئن على أحوالها، ويكلّمها من خلال هاتف المؤسسة الذي أخذ رقمه معه.
لم يبق الكثير على أن ينهي دراسته بالخارج ولقد نبغ، كان يتأهب بحرارة وشوق إلى العودة بعد أشهر قليلة، لكن فجأةً نُعي بخبر وفاة أمه “سكينة”!؟ صدمة كانت كبيرة إلى حد سقط مغشيا عليه، كانت دار العجزة وذوي الحاجة قد تكفّلت بالدفن لعدم وجود أقارب لها، وأخبرت الابن الوحيد بـ”تِليكْسْ”عاجل عن مراسم الدفن، وعن بعض الأغراض التي تركتها.
كانت الصدمة كبيرة! لامَ نفسه، ولم ولن يسامح ذاته، بكى كثيرا حتى كادت عيناه تخرجان من محجريهما، احمرّتا وتورّمتا.
كان بوده أن يزف لها خبر تفوقه بشهور فقط، وليسمعه كل العالم، تمنى لو بقيت ليرجع حاملا لها الوعد الذي قطعه لها!
كانت الجامعة قد أعدّت حفلا كبيرا حَضَرَتْه سلطات المقاطعة ووسائل الإعلام والجهات الرسمية، أعدّت حفلا مميزا داخل أشهر قاعة في أمريكا، حضرها خيرة الموسيقيين، رفعت الستائر، صفق الحضور، وبدأت الموسيقى ترتفع وتسلب الحضور أرواحهم، بُهت الجميع للإبداع المنقطع النظير.
وقف الجميع معجبا، والتصفيق يدوي القاعة، و”المايسترو” ينحني شاكرا الجميع على تصفيقهم وصفيرهم، وعلى الورود التي ترمى، أخذ الميكرفون وتحدث:
” شكرا لكم جميعا، شكرا لكم. أردت أن أعلمكم أن هذه السنفونية ثمرة أمي وأخي والناس الطيبين البسطاء في الأسواق، فلولاهم لَمَا كانت. أهديها لكل أمهات العالم، وبخاصة اللواتي فجعن في أبنائهن، أهديهن (سنفونية القمر في لحظة اكتماله).” ثم بكى.
صفق الجميع مجددا إعجابا له، وتحت كاميرات قنوات التلفزيون.
نزل والموسيقى الجميلة لا زال يسمعها عذراء والتي لقنته إياها أمه “سكينة” حين يدندنها في أذن أخيه ليغفو وينام.
————————————————————————————-
* خالد ساحلي (كاتب من الجزائر)




