إن القارئ الحقيقي كالشاعر الحقيقي( أدونيس)*
تتكثف مناجاة فنجان القهوة ,في هذا النص , مؤسسة لحوارية جميلة . مشحونة بسحر المكان و الإنبهار به .. و مرد ذلك لتقفي* آثار العابرين * .حيث لكل أثر حكاية , و كل القصد من ذلك لتفسير أحجياتهم و الاستفادة من حكمهم إ ….و يبقى عنوان النص ـ مقهى العابرين ـ معلما لاستكناه ما تخفيه هذه الحكايا من اسرار و احجيات قد يستعصي على القارئ العادي قراءة ما تحويه , و الشاهد في هذا الظاهر و المخفي من النص : هو اقتران عنصر المقهى بالعابرين , و على ما يبدو هذا الاقتران لم يتسرب في النص اعتباطيا , و انما له مدولولاته و احالاته …و لتسمحلي الشاعرة راضية بمزاحمة رؤاها و تصوراتها و أحاسيسها و مشاعرها , لاقتفاء هذه الآثار , و حجتي في ذلك ما انتهى اليه الشاعر و الناقد أدونيس في توضيح علاقة الشاعر بالقارئ بقوله ـ إن القارئ الحقيقي كالشاعر الحقيقي ـ و القصد من هذا المنطق النقدي و الابداعي هو العناية بحضور النص . و تبعا لما يوصي به فاضل ثامر بخصوص الارتقاء الى فهم النص و يعني بذلك إعادة انتاج ..النص المقرؤ ؟إ و الى أيضا ما انتهى اليه كاستون بشار في توصيفه لجماليات المكان كون أن المكان نقاط لتثبيتات زمانية و بمعنى أدق و أوضح في بعض الأحيان يمكننا قراءة المكان من خلال الزمان قراءة فنية في تناغم تام المؤدي الى تلاحم العنصرين معا ؟..
و أعتقد أن مثل هذه الاضاءات , من كبار النقاد في النقد الانطباعي . أجد فيها الكثير من التشجيع على مشاركة الشاعرة راضية في طرق علاقة المقهى مع الإنسان . أو علاقة المقهى مع العابرين . و لفهم هذه العلاقة .. التي ستحيلنا الى عدة فضاءات لفهم طبيعتها
كتبت إزبيل ابرهاردت الصحفية, و الكاتبة السويسرية أثناء تنقلاتها بين الساحل التونسي الى واد اسوف مرورا بالمسيلة و عين الصفراء الى وجدة المغربية ( 1903) …عن المقهى و العابرين مبرزة الحضور الانساني و الابداعي و مدى مساهمة المقهى في اثراء كل ما هو فني و ابداعي للشعوب المغاربية …و المتصفح للأدب و في مختلف الأجناس الأدبية ..يمكنه الوقوف على مثل هذه الحقيقة و تحديدا منذ بداية القرن العشرين فعلى سبيل المثال لا الحصر : اتيان ديني , من مقاهي بوسعادة حيث رسم لوحاته الخالدة , و إزابيل ابرهاردت من منطقة مقهى العرقوب للمسيلة حيث كانت الشاهد و الضمير على انهيار ما تبقى من كرامة , و البير كامو من مقاهي بلكور حيث اكتشف سحر اعراس تيبازة , و محمد ديب من مقاهي تلمسان و القارئ لنصه في المقهى يمكنه …فهم دور المقهى كخامة ابداعية في انتاج الكثير من النصوص الناجحة .و خلاصة خلاصات دور المقاهي في خلق المعنى …نجده مجتمعا في مقهى الفيشاوى في القاهرة …نعم المقهى الذي تردد عليه المئات من الكتاب و الأدباء العالميين , و الذي كان و يبقى قيمة أدبية و ابداعية وصولا الى مقهى باريس , بشارع بورقيبة …فهذا المكان مازال الى يوم الناس هذا , مزارا للكثير من المبدعين…ففي كل صباح يتحلق الكثير من المبدعين بهذا المكان حول فناجين قهوة لقراءة ما ابدعوا في مختلف الاجناس الأدبية . .
و بعد هذه القراءة السريعة لأهمية المقهى في مخيالنا الابداعي و الشعبي أعود الى الشاعرة و حكايتها مع المقهى لأقول : أن هناك علاقة انسانية و ابداعية بين الشاعرة و المقهى . علاقة انسانية : أن الشاعرة تنتمي الى مدينة سوسة الساحلية, التى تربى فيها حنيبعل المدينة التي فتحت مداركه على مقاومة اهوال البحر لخوض غمار المجد .. و مدينة الملاحين و القوارب الشراعية … و مدينة سوسة التي عرفت الكثير من الهجرات بحكم تفتحها على الآخر و ترحيبها بكل وافد ..و الثابت من الشهادات التاريخية أن هؤلاء الأقوام عند هجرتهم اليها ..هجروا اليها بجميل عاداتهم و تقليدهم و ثقافاتهم …و هو ما اثر ايجابيا على رقيها و نضج ثقافتها الى الحد الذي صارت تنفاس فيه مدينة القيروان التاريخية …مدينة سوسة الساحلية أيضا دائما متجددة في صنع احداثها و خلفية هذا التجدد مرده … ما اوحت به الشاعرة ..أنها في كل صباح ترى وجوه جديدة و بمظاهر جديدة للعابرين … لأن المدينة تعد بمثابة نقطة للعبور من الشرق الى الغرب و العكس
…..و لذلك هي لا تعرف السأم و الممل أي المدينة
و أنا اتصفح ما سردته الشاعرة من أحداث ذات مغزى , من مخيالنا الشعبي المعاصر , و جميل تراثنا القديم المادي و الغير المادي … الى الحد الذي أقنعتنا فيه ..أن قصة فنجان القهوة تبقى مفتوحة …. … . و أنا افتش ثانيا , بين سطور النص و في عمق كلماته …أحسست أن هناك حزن ممزوج بالكثير من الآهات في خاتمة النص الى الحد الذي تساءلت فيه بيني و بين نفسي ..انه من المفزع أن تكون نهاية فنجان القهوة بهذه الصورة القاتمة ..و أضفت معبرا عن فزعي ..هل انتهى فعلا دور فنجانن القهوة تبعا لاعترافات الشاعرة الشاعرة : خذيني قهوتي من دهشتي / علقي ساعة دائرية في صحن الفنجان/ سأدرك آخر رشفة أن الوقت لم يعد للقهوة/لي / . الشاعرة في هذه الوقفة , تحاول التمزق على نفسها , لتعلن سخطها على واقع يبدو أنه تهرى و لم يعد صالحا للحياة بسبب هجمات شرسة ..تصفها تارة بوحشية التتار و تارة اخرى برياح الشهيلي الجافة , و كأنها بذلك تريد مناشدة النجاة بمرافئ سوسة ؟إ و هو ما سنطلع عليه لاحقا ؟إ .
تأخذنا الشاعرة بلطف ,وسط أجواء من أحاسيس المثيرة و المدهشة , و الأهازيج المشحونة بالأضواء و الألوان .الى داخل عمقها لتسرد بقايا الحكايا ’ و أول تنبيه منها. يفيد أن للقهوة طقوس ؟إ ..و طقوسها في الليمن تختلف تماما عن طقوسها في فرنسا ..ففي الليمن تمتد جذورها عبر الالتواءات التاريخة الى أيام بلقيس بقولها : اجعليني بنّا يمنيّا يُسكر بشذى بلقيس / …و هنا لفظ السكر لم يأت بالمصادفة .. بل جاء موحيا لتفاصيل الحكاية .. من بلقيس التاريخ و الحضارة الأولى للانسانية …الى أرتير رامبو الذي سكر بقهوة الليمن ..و عندما وعى قال مقولته الشهيرة لا شعر بعد قهوة الليمن ؟إ ..و أن الشعر جنون …و متى عقل الشاعر انتهى شعريا ..و منه ركل الشعر و عاد الى مسقط رأسه (فرنسا). و على ما يبدو أن قهوة النيسكافي الفرنسية لم تعد الجنون اليه ؟إ و هنا مكمن الفروق الشاسعة بين القهوتين ؟إ تجيب الشاعرة في مقطع من نصها / أ و نيسكافاي فرنسيا يستعمر الفنجان الممتلئ بك/بي / رديني للأرض الضائعة بذرة للسّمْر / و مثل هذا الفرار ازاء واقع غير متجانس مع واقعين ..و تعود الشاعرة بنا الى عوالمها الأولى التي تستفزها من حين لآخر.؟إ
.ترى ما مصدر هذا الهذيان ؟إ . انها حضرة الغياب ..الموغلة في آلام الحاضر و تحديدا في رائعتها هذه : أنشر ذاكرتي على حبال ألاعيبهم / هل يذكرون أي ضيعوني آخر صدمة /كنت حينها أقرأ كتاب الملك المفترس / و الهتم قهوتي / بين الصحافة الجشعة و الملوك التتار / خذيني بعيدا عني قليلا سانبثق من طعمك . …الشاعرة و هي تقرأ طلاسم الفنجان و ما علق به من بقايا القهوة تصاب بالانهيار مرسلة صرخة لوجع عميق للاعلان عن ازمة ..و لعل وصف ـ ناجية حسني لردة الفعل هذه تعد اجمل وصف لها ( رائحة قهوتك و نكهتها أخذتني بعيدا راضية ؟إ ..الى أزمنة و أماكن طواها النسيان )
و تكتشف أخيرا الشاعرة أنها تكتب عن أماكن غير معلومة , أماكن حاولت لملمتها ؟إ . فهي مثلا حاولت ان تكون سكرا يذوب في هذه القهوة لكي تكون لذة للشاربين , لكن الزمن الردئ حال بينها و بين ان تكون كذلك لقد تكالبت عليها عواصف الغدر و القهر من كل حدب و صوب و هو ما تشي به بحنين خفي بسبب جفاف المكان الذي كانت تعتقد بأنها سقته بعواطفها و احلامها و أمالها من أجل أن ينبض بالحياة..لكن ما علق من صور بهذا المقطع لا يوحي بذلك . بل رياح السيروكو قضت على كل جماليات اخضراره و ازهراره . و قد نتحسسه في هذا المقطع : ضؤ يكفي لخلق أسطورة النار / …… / بعثرني في رياح لا تهدأ / أصاحب ذرات رمل مبثوثة في الضياع / و رياح الشهيلي تستمتع بتشريدها / ريا ح خائنة لصواب الوجهة .
أخيرا و ليس آخرا يبقى نبشي في هذا النص , لتفسيره متواضعا بحكم أن النص في حد ذاته يحتاج الى أكثر من قراءة للوقوف على بقية معالمه .
————————–
* مقهى العابرين*
القصيدة موضوع القراءة :
خذيني قهوتي من شفتي التائهة على حواف فنجانك الدافئ
علقيني في المذاق المدمَن
اجعليني سكرا أذوب
اجعليني بنّا يمنيّا يُسكر بشذى بلقيس
أو نيسكافاي فرنسيا يستعمر الفنجان الممتلئ بك/بي
رديني للأرض الضائعة بذرة للسّمْر
خذي دمعي الساذج
اجعليه هيلا لنكهتك
أو زهرا مقطرا
خذيني برشفةإلى شارع
حيث أنتظر الزمن يلف ذراعه حول خصري
يأخذني إلى مقهى…
نشربك …
تشربنا أعيننا …
فنغوص في المتعة المعتقة .
خذيني للغياب
أنشر ذاكرتي على حبال ألاعيبهم
هل يذكرون أين ضيعونني آخر صدمة ؟
كنت حينها أقرأ كتاب الملك المفترس
وألتهم قهوتي
أستوعب بمذاقها الحرب
بين الصحافة الجشعة والملوك التتار
خذيني بعيدا عني قليلا
سأنبثق من طعمك
ضوء يكفي لخلق أسطورة النار
دافئة أنت قهوتي
كأنفاسه وهو يسرد في مسامعي رواية العطر
صدقته حين ادعى أن عطري أُفلت من باتريك زوسكيندا
وفي أوج الشهقة قتلني
ليخلق لحبيبته عطر ليلة صاخبة
خذيني قهوتي من عادة الخفق
بعثريني في رياح لا تهدأ
أصاحب ذرات رمل مبثوثة في الضياع
ورياح الشهيلي تستمتع بتشريدها
رياح خائنة لصواب الوجهة-
خذيني قهوتي من شفتي-
ذكريني بفوائد اخرى للشفاه
ذكريني بدور الاصابع في الحرب
تلك التي ينتصر فيها الخصمان
ويغني مارسال خليفة في خلفية المشهد …
شدوا الهمة الهمة قوية مركب ينده ع البحرية
خذيني قهوتي من دهشتي
علقي ساعة دائرية في صحن الفنجان
سأدرك آخر رشفة أن الوقت لم يعد للقهوة/لي
———————————————————————————————
* جمال غلاب (ناقد من الجزائر)





