
—————————-
تتخيل حرثك لحقلك الجديد، عالما مغاير مملوء بأشياء غير مألوفة، غريبة، تحفك بكل قسوة واقع المادة والمؤامرات، محبوك بنسيج رهيب من الخديعة والكذب والافتراء، تواجه كثيرين كالحرباء، يسحرونك بغواية، يجمّلون لك الحقيقة، ينصحونك بقبولها دون قولها، يقدمونها لك مجانا، يطلبون منك الصمت عما عرفت؛ يحملونك على الكذب لتحمل نفسك عذاب أغوارك و تتخلى عما علمت من الحقيقة وتجمح عن قول الذي آمنت به.
تقول الحقيقة وترمي آراءهم قادحهم غير مادحهم في سلة اللامبالاة .
تنبت حيث زرعك الله وعلّمك، لا يعتبرك الناس كذّابا إن فشلت في الحصول على الحقيقة سيمنحونك العذر لتظل في نظرهم رجل يسعى بمصباح.
تخسر منافع و وقتا ثمينا؛ ؛ لا تخور قواك، إرادتك لا تضعف، تصادفك لحظة من لحظات الضعف تراجع فيها نفسك، تبدأ في الترنح يمينا و شمالا فتتعب، تتضايق بلوم النفس و طلب الدخول مع العامة و مع الخاصة على السواء، تقبلك العامة ساذجا، تترك ملاحظاتك عن أفعالهم وأقوالهم، تبسط نظراتك ولا تتجاوز ما وراء صور الحياة التي يحيونها؛ لا يقبلونك وأنت الناقد لنفاقهم وعبوديتهم؛ شرط قبولك معهم تكن واحدا منهم تمارس سذاجتهم وجهلهم وعاداتهم السيئة و ترضى بالانحناء المتواصل؛ أما الخاصة فلا تقبلك تابعا و لا متبوعا إنما أنت بمعناك ووعيك منبوذ، مرفوض ببذرة واحدة لا تزال تسبح في فضاء أفكارك.
تسعى لخلق انتماء، لا تقبل التحول إلى فريسة تنهشها الذئاب ترفض كونك ديك تعبث به الثعالب و ابن آوى، صنف يرفض كونه ألعوبة لأولئك الذين يقابلون أزهارك بمناجل التهميش و الإقصاء، بمقص التقزيم باحثين عن تفصيل ممل ، هؤلاء المزيفين لن يمنحوك دعما ولا أرضا تشتغل فيها على فلاحتك ولا أنابيب لتسقي حرثك و نخيل أفكارك لكي لا ترتوي الأزهار التي بدأت تنمو في محيط بستانك.
تبحث عن صحة اعتقادك و ما بدأت تبنيه في ذاتك، تستمع إلى الصوت القادم من أعماقك، قارب نجاتك الذي تحتاجه مرافقا في رحلاتك و مواجهات معاركك الشرسة، إنه صوت الحقيقة لا غير.
لا تقبل دروس المنتفعين والمحفوفين بالنعم موفوري الصحة و العافية التي تنام عنهم أعين السلطان كما أعين الأشرار و اللصوص، إنهم أصناف، تصادفهم في طريقك يخفون التعاسة في قلوبهم ترأف لبعضهم إنما قتل لحمة قلوبهم النابضة سوى القنوط والمحنة التي لا يشعر بها أولئك الساكنون المعتلون الصرح النائمون على فراش خيرات حقول الفقراء، غير مبالين بأنين الأطفال في مساءات الشتاء القارص، لا يأبهون لبكاء الأمهات الثكالى في الشوارع وعلى أرصفة الطرقات يضيع شرفهن في السؤال عن قطعة خبز، ليذهبْنَ غول الجوع عن أطفالهن .
لا يعلم المتعالون بالذي ينحر يومه وغده قربانا لليأس والقنوط.
تنادي عليهم علّهم يسمعونك لكنه السراب، لا ولن يسمعك أحد، ناداهم من قبلك من هو أقوى منك صوتا ونفسا ولم يستجيبوا، أموات.
أقرأ آيات فتحك المبين إذا:
” أيها المتعالون في الصروح على الأجساد النحيلة التي هزلت من حمل الفؤوس في الحقول، أيها المتعالون في القصور والناطحات بعرق العامل المغبّر في المعامل والمصانع الحارقة للجسد المقدس بلهيب الشقاء، لقد نضجت جلود الأحرار فداء لملائكة الصباح المنتظرين النور المطل عليهم من أجفان النهار.
انظروا للخبّاز لا ينام لأجل الأطفال قاصدي المدارس التي لا تلقّنهم غير دروس الفرار من الأوطان وحكمة الإبحار في المراكب والزوارق خلسة ، الموت معهم رفيق جميل.
أيها المتعالون:
إن المستيقظين باكرا الفاتحين للحقول، الزارعين روح الحياة في دولتكم قد انتحروا”.
لا يسمعونك و لو جعلت من حنجرتك مكبر صوت و بوق حرب، تلك عادتهم طبعوا عليها، تمرنوا على أقنعة الشفقة، صيادون ماهرون لا يعرفون الشفقة و الطريدة الجميلة في الشراك يوجهون إليها أسلحتهم لنحرها، يصنعون حولها هلالا، يطوّقونها يقتلونها، لا يريحونها ليستمتعوا بأنين معاناتها، هم الطعنات القاتلة.
تحرص على أن لا تكون الغزال إنما ذاك الدب الذي لا ينهار ويترك على بياض الثلج آثار أقدامه و يخشى دخول كهفه الغرباء من الثعالب.
تتعرّف على الحقيقة تتمرّن على خصوصيتها، تجرّب لذّتها وعذابها، تطهوها قبل إخراجها من صميمك، تغتنم الفضاء المتسع أمامك الذي لا يراه غيرك، تبحر في فرصة الوقت لتعرف فيه ماهية الحياة، تفاجئك علامات الموت والفناء، ذاك الفضاء يمكنك جعله حقل تجارب لحرية الحقيقة، تتكوّن تنمو بطبيعتها بعقاقير و كيمياء ، ذاك الفضاء وحده يمكـّنك من تنفس الحقيقة دون تضييق.
تلتزم بمعرفة الآخر، تشعر بالجحيم أكثر، تكون الضحية وفوق رأسك الجلاد بسوطه يسقيك العذاب، التحول عن هذه المشاهد يسقط عنك فكرة طهارة المبدأ وحب الحقيقة و الدفاع عن حقوق الآدميين و قداسة النفس البشرية.
تغرس نفسك في أوساط الشعب وتتلقى الأذية منهم، يلصقون بك لعناتهم إلى آخر يوم في حياتك، الحقيقة لا تتقوى إلا إذا لبست المعاناة، لا تخشى نار الشعب مهما كانت حارقة فلظاها برد وسلام إنما تحرقك نار السلطان لو اقتربت منها، السلطان لا يحرقك بناره بل بناره تحرق نفسك.
تحاول معرفة الحقيقة بصمت وصبر، ماهيتها لا تتجلى للجميع، جمالها بهاء الصعب فيها، شبيهة بالشجر الوارف الظل كثير الثمر طيب الأكل؛ الشجر إن غاب عنه حمله من ثمر وورق تفرق عنه الناس؛ يتركه عابر السبيل، تمر بقربه القوافل غير آبهة بشكله و لو بلغ طوله عنان السماء، يتحول إلى ملجأ للبوم والغربان والنمل والجراد، الحقيقة تحتاج إلى من يفلحها مثل شجرة.
تراجع نفسك مرات و مرات قبل اكتشاف زوايا أخرى معتّمة من الحقيقة ذاتها، تطرح السؤال على نفسك عن غائية الحقيقة.
الحقيقة لؤلؤة تضيء العقل في سماء ليل بهيم للظلم و اللامساواة وطاعون العنصرية، تحتاج لنبل لتسطـّر طريقها فيك، إنما تقطف رأس المكيدة و الشر.
غاية الحقيقة أن تتكلم في العلن وتحتّج، تُسمع وتًسمع الآخر، تعمل على تأكيد الفعل من أجل الخير فالإنسان بطبعه يطغى بما في هواه، يد الحقيقة توصل الغرض مكانه الذي يجب أن يوضع فيه.
تبحث عن حقيقة أخرى قبل أن ترمي بسابقتها فإن كان ثبوتها برهانا وحجة يعارض حقائق أخرى فإنك في طريق سليم، تتيحك السبل الأخرى التحوّل.
إن الروافد تصنع النهر العظيم ورجوع النهر للبحر حتمية، حلقة في نظام، الحقيقة نظامها واضح، جلي ومفهوم فمهما صنع الآدمي لها أقنعة إلا أنها ستسقط لأنها بلا معنى.
تبحث عن حقيقتك تضعها تحت الاختبار حتى إن أخطأت يلتمس لك عذر في تاريخك.
تتشوه الحقيقة في العقل و الروح لتصبح مفسدة، في الوقت الذي تصنع مخابر السياسة ماكياج التجميل ويفتتن بسحرها خلق كثير.
تحرص على الالتقاء بالحقائق الكثيرة، تنصهر الواحدة في الأخرى، الحقيقة ينصرها الشركاء، تتعلم الوصول إلى الحقيقة من خلال الأكاذيب الكثيرة والدجل الذي يصنعه المتعالون.
من كتاب الرسائل
الامتزاج في الحياة القصيرة
2002
——————————————————————————-
* خالد ساحلي (كاتب من الجزائر )



