في الخطوة عقل يفكر
أبحث عن الشيء المفقود فيك بروية الشيخ و سذاجة الطفل، إنما اليأس قنوط الذات في لحظات الفراغ القاتل مانح الخراب للنفس، الراكب جواد الفتح بعشوائية اللاجدوى للأمكنة في الوقت المشتت بهاجس الضياع، فما لها همّتك تضعف وتنهار تخور؟
إن البحث عن استقرار الذات لا يكون إلا بذات أخرى فيها تعب الروح والعقل فلا بلوغ للمرام إلا بتجدد الأمنية التي تعتق جمودها بمفتاح الطموح.
ينفلت البحث عن التحقيق مع اللحظات الهاربة من العمر الموسوم بالقدر وبالتعطيل المصنوع بقدر بشري يكبح سير التغيير ويحشر البديل في عتمة الإكراه للتنازل عن مصير الآخرين لصالح الفئة المتنعمة في المتعة النفعية الشخصية الخاضعة للإنقاص على دوام سلعتها ؛ إنها النقيض الحتمي للعقل المكتسب لشرف التعظيم والمحرّم على السوق إنما مشتريه عالم بمقدار موازينه، إن الكفة التي تحمله تعاف نفسها إن لم تتزين وتغتسل من وحل مقاساتها السابقة، المعممة على إجمال السلع ومفاهيمها وأنواعها.
أبحث عن الأشياء الكامنة في نفسك، سطـّر لها خطوطها فإنها تخضع لدورة الحياة وأنظمتها المتحكمة في أسرار الوجود، أوجد الألوان أمزجها فلا يصعب عليك حينها تثبيت رغبة التصنيف للّون على المساحة بنوع الإطار المتعدد الغارق في التجريب.
ابحث عن الأشياء وشريكها، زاوجها لتتولد مع أضدادها حينها فقط يتهيأ الجنين لمراحل التكوين.
إن رعاية الأفكار خلسة تباعد الأعين الباحثة عن الشقاء للمولود الجديد، نوّم الروح الشريرة الباحثة عن عصا سحرية وبساط الغرور التي تسحب حبائل الاستعجال لرفع ستار الخشبة المغشوشة المفخخة للحضور بأحداث بلا شخصيات.
ناقش أفكارك في نموها أجعل لها متسع النفس، أحرص على تغذيتها بصنف ولون، أنتقي لها الطبيعي دونك بعدها المخلّل و لو كان مطبوعا بعلامة الشهرة فاتنة الذوق، يستحيل تجاوزها بعد ذلك.
إن الأسماء كثيرة تصنع لها شهرة دون ثـقل، يثبّت حضورها لملأ الفضاء الرديء المنهك إنها بلا جذور، تزول مع مشهرّها، تذوب في ماء الحقيقة.
أبحث عن الأفكار التي كبرت معك، خالطت صباك وكانت معينك في وجه حراب الحرمان الواخزة، تظل ملجئك من حصار التفريق والعنصرية التي يمارسها الغشّاشون المدافعون عن حق الإنسان المنشغلين كذبا وزورا بسّن عدالة الله على الأرض ما أتفههم حين تعلق الأمر بذاتهم تحوّل عشقهم لقميص الشرطي المخفي تحت لباس مدني جميل.
حين كانت الريح تعوي والسيل يجرف منازل الطين التي صنعتها بالقرب من جبانة الأموات كنت تبحث عن الأفكار التي أوحى بها الله إليك في لياليك الطفولية لتكبر في أحلامك دون قيد متعديا الحدود بلا نقاط تفتيش و جواز سفر رؤياك حبلى بالأمنيات.
أبحث عن أفكارك الثمينة داخلك قبل أن تصقل لوح الفكر ومرآته، أعرضه على بريق العقل و قابل أوجه المرايا فانعكاس الآراء ماهية للاختلاف وزيادة في انتشار الضياء لأمكنة العقل المظلمة.
أجمع أفكارك التي حلمت بها إن لمسها استحالة في واقعك، إن الأسماء رسخت في العقل واختلطت بإرادة جبارة تحقق دافع الدنو للاحتراق، إنه اندفاع التأكيد لتحقيق المقام ، لجلب الخير والرغبة في نشر معاني الثبات، إنه الفراش مع النور.
أبحث عن أفكارك داخلك قبل أن تنهي وصل تيارها بمصباح حزمك لتظهر لون زجاج رغبتك بشفافية القبول والتعايش مع الصوت الآخر، تشعر بالخوف حين إطلاقها، تتوجس خيفة من الأصوات المرتفعة ساكنة الخواء.
أسحبها وأفرز الأصوات المعارضة داخلك قبل أن تقرر حكمك النهائي فلا طعن بعدها لأن الذي سيكتب و يقال سيكون قد كتب و قيل، ستتألم و تشعر بالضجر تأسر بالضيق، يساورك الشك فيما اعتقدته في قداسة أفكارك الثمينة لتتخلى عنها بسهولة لو تحاملت عليك الظروف المستيقظة مع فتنة الواقع صاحبة التجهيز الكامل بما تتطلبه الحداثة والتجديد من ثورة.
الأفكار التي بداخلك تتشابك أحيانا وتتعارض، لها أواصر أخوة لكن إن لم تختلف وتتصارع ستموت وتحنّط في تابوت؛ قد تختلف مع الآخرين و تصطدم بجدران منيعة حين الإفصاح عنها، بعد هذا العذاب تلتقي بأِفكار كثيرة يحملها غيرك وتعارض أهدافك؛ يحزّ ذلك في نفسك زارعا فيك الألم، لا تعتقد أنك على خطأ إنما هي الأفكار تتعاقب كما الليل و النهار، سيرها الحثيث ثنائية النقيض، ألا ترى في اختلافاتنا التي نحملها داخلنا ميزة لنا عن الملائكة وعن الشياطين وتجعلنا نختار بين جنة و نار؟
العقل مكرم به الإنسان لكن أحيانا هو عبد الشهوة، تخور عاطفته وتضعف، ينهار عقله مع سبل كشفه وتسلب حريته.
أوجد أفكارك لأنك ستحصل على خيط شعاع يقربك من حقيقتها، سر في طريقها ولو كان وحلا يعافه المارة ، أترك أثر الخطى إن وصلت لبر أمان، سيتبعك الكثيرون ولو أصابك العيار الناري للعسس لا تفشل إنما الدنيا محاولات متعددة كاجترار البقر.
إن فعل المحاولة بحث عن جواهر خلّفها المارون من قبلك قد سقطت سهوا من الصانع نفسه، إنه لم ينتبه لما ضاع منه من كنز ثمين.
حقق وصلك مع ما أحببت في عقلك فإن فكرك هو كل ما تملك.
من كتاب الرسائل
الامتزاج في الحياة القصيرة
2002
———————————————————————————-
* خالد ساحلي (كاتب من الجزائر)




