عندما يعود أيّ دارس يتحرى الموضوعية إلى المدونة النقدية الجزائرية الموصوفة بالمعاصرة، و يقرأ ما تكتبه بعض أسمائها المولعة بالأبوية الموروثة من عهد السبعينيات، يدرك لماذا يسلط العديد من الأدباء و النقاد الشباب غضبهم الشديد على النقد عموما و على النقاد خصوصا، متهمين إياهم بالتفريط في نصوصهم، و أحيانا بعدم قراءتها تماما، أو بالمحاباة في اختيار ما يرونه جديرا بالخضوع لمصفاة آلتهم النقدية بنظرة لا تخلو من تمركز واهم، أو من شوفينية ضيقة، أو من تسلط مسبق.
وعندما يكتشف أيّ دارس درجةَ تكلّس بعض الرؤى الفكرية و بعض الممارسات النقدية الموروثة من الربع الأول من النصف الثاني من الألفية الماضية، في كتابات بعض هؤلاء النقاد التي تجد من يحتفي بها في وقتنا الراهن، يدرك لماذا لا زالت بعض هذه الأسماء تصر، إلى الآن، على إعطاء دروس نقدية في الأخلاق الإبداعية و الإيديولوجية، و في ما يجب أن يكون عليه الكون والعالم و المصير و الدين و السياسة والكتابة و الكلام و حتى الصمت، بطريقة تنمّ عن مستوى الخلفيات الفكرية اللصيقة بمنطلقاتها النظرية غير المُحيّنة بما يزخر به واقع الكتابة من مستجدّات متسارعة، و التي تحرك الممارسة النقدية في اتجاهات مضبوطة مسبقا قد لا تكون لها علاقة بمستويات النص الإبداعية و لا ببواطنه الفكرية..و يدرك، في النهاية، أن هؤلاء النقاد لم يتخلّوا، بحكم الأقدمية، عن ممارسة الإفتاء الإيديولوجي بما صلاحية النصوص الأدبية و الآراء الفكرية لهذا العصر كما كانوا في سالف عهدهم السبعيني يقضون بجرّة قلم منهم على طموحات من لم تكن أفكاره أو نصوصه صورةً طبق الأصل لقانون الإبداع العُرفي الذي كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، و يطبقونه بحذافيره على ما أنتجته المنظومة الفكرية و الإبداعية في ذلك الوقت من اختلاف في الرؤى و تنوّع في المواهب، فلم يبق من هذا التنوع غير ما ألّحت الفتوى الإيديولوجية السبعينية على بقائه في الساحة الأدبية و النقدية.
كما يدرك الدّارس أن ‘منطق السبعينيات’ لا يزال يتحكم في تصورات بعض هؤلاء النقاد إلى اليوم، على الرغم من تحوّل الساعة ومرور اليوم و انقضاء الشهر و مُضيِّ الحول و انفلات العشرية وانتهاء الربع و انتصاف النصف و اكتمال القرن ودخول الألفية الجديدة، بطريقة فيها من الهوس بالذات المكلّسة في محجرها الفكري و المنغلقة على تصورها الإبداعي، إلى درجة أنك تقول في باطنك: اللهم لا رجعة إلى أكذوبة السبعينيات الإبداعية، على الرغم ممّا كان فيها من حلم جميل سُرق، و من واقع أجمل هُدّم.. هذه الأكذوبة التي خرج منها كل المثقفين في العالم (العربي) بطريقة واعية و بانفتاحات مختلفة على واقع الممارسة الإبداعية كما هي عليه في عصرنا، عدا بعض المثقفين و النقاد الجزائريين، على الرغم مما يدّعونه، بين حين و آخر، من مراجعات لما يعتقدون أنهم أخطئوا في تقديره من مواقف بخصوص العديد من الأفكار و الكثير من النصوص التي أثبت الزمن أنها كانت – و لا زالت – أرقى بكثير من تصوراتهم النقدية في ذلك الوقت.
عندما يقرأ الدارس بجدّ مواقف بعض هؤلاء النقاد من القضايا التي تشغلهم، و يتفحص بعمقٍ الخلفيات التي يريدون من خلالها تمرير تصورهم حول هذه القضايا، يدرك أن ما يسمّونه أحيانا مراجعات في مواقف لم يرغمهم عليها أحد، هي مجرد تموقعات استراتيجية لا يريدون من خلالها رفع اليد الإيديولوجية عمّا يعتقدون أنهم أوصياء عليه، أو أنهم وُجدوا من أجل الاستحواذ عليه من الظهور الدائم بمظهر المدافعين عنه و هو الإبداع و حرية الإبداع.. و يدرك كذلك مدى انفصالهم عن الواقع الذي يدّعون الانطلاق منه في الترويج لأطروحاتهم (الماضوية)، وعن المجتمع الذي يعتقدون أنهم لا يزالون يدافعون عن واقعه المرير، و يدرك في النهاية مدى الانتكاسة الفكرية و المنهجية التي يحملها الخطاب النقدي الجزائري (المعاصر) في كتابات هؤلاء، و مدى انغلاق أطروحاتها على وهم الإيديولوجيا، و على متاهة النص، و على سذاجة القارئ.
ربما كان من الأجدر بالجيل الجديد ألا يغلق على نفسه داخل تصورات واهمة من خلال الإصرار على افتكاك اعتراف نقاد الجيل القديم به، و ألا ينتظر من هذا الجيل، أو من غيره، أن يُرسّمه أو يرسّم بعض مبدعيه فوق بعضهم، أو دون بعضهم، أو مثل بعضهم.. وهو في هذه الحالة يجب أن يلتفت إلى نفسه، فيصحح ما بدا منها من عيوب ظاهرة تُحسب عادة عليه كعيوب اللغة و أخطائها التي لا يمكن أن يقع فيها أديب شاب يكتب باللغة الفرنسية مثلا، حتى لا يترك لهؤلاء النقاد أو لغيرهم فرصة التشهير بإبداعاته فيجعلونها مطية لممارسة إقصائية ظاهرها الخطأ الظاهر و باطنها ما يتصورون أنه الخطأ الباطن، و أن يلتفت إلى عالمه ليغرف منه من الأفكار الجديدة في حرية ما تطرحه من مسارب لم تتوفر للجيل السبعيني، و أن يؤسس لنفسه رؤيةً للحياة و تصوراً للكتابة متماهِيَيْن مع متطلبات ما يبدعه العصر من فرصة للولوج في فهم الذات و العالم، لا ما تحمله التصورات الجاهزة من نمطية فكرية و معرفية لا يزال هؤلاء النقاد يلوكونها من عهد عاد، و يريدون إرغام الجيل الجيد على المرور الحتميّ بها.
و ربّما كان في ما يوفره عصر التواصل الافتراضيّ من انفتاح كونيّ على التجارب الإبداعية العالمية في لحظة ولادتها، و في سرعة انتشارها، وفي آنية وصولها إلى المبدعين و النقاد في العالم، خلاصٌ جذريٌّ لهذا الجيل ولغيره من كل وصاية يفرضها ما يسوّقه ناقد أو ناقدان من مركزية كاذبة، من خلال تعميم رؤاها المسطّحة على جيل كاملٍ من الأدباء و المبدعين. ذلك أن الإبحار في استغلال آليات التواصل المعاصرة و الوعي بتوظيفها و الاستفادة العارفة مما تتيحه من معلومات مُحيّنة، هي دحض للمركزيات و تفتيت لنواتها التقليدية المبنية على الرؤية النقدية الأحادية و التصور الفرداني الضيّق، وهي فرصة التأسيس لذاتٍ مُبدعة خالية من شوائب الوصاية و علائق الدرس النقدي و محددات الإيديولوجيا المحنّطة، و بعيدا عن سلطة المركزيات الكاذبة التي تحاول أن تجدد ثوبها الظاهر في كل مرّة تمر فيها الحالة الإبداعية بحرج تاريخي تفرضه حقيقة الميلاد وعسر المخاض و حتمية التجدّد و ضرورة الانقذاف في المستقبل، محاوِلةً التماهي مع كلّ لحظة جديدة تبتعد بانفتاحها الوجودي والفلسفي عن مُغلقَات خطاباتها التقليدية.
ربما كان في وعي الجيل الجديد بأن الإبداع سابق و النقد لاحق، و بأن المبدع أولٌ و الناقد تابع، و بأن أيّ إبداعٍ جديدٍ إنما يرنو إلى نقد يكتبه نقاد جدد من الجيل نفسه، و أن الحلّ الأمثل للإشكاليات التي تطرحها المجايلة بوصفها حلبة تصارعية، هو أن ينتج هذا الجيل هو كذلك نقاده الذين يمثلونه و يدافعون عن وجهة نظره الإبداعية وفق ما تتطلبه آنية العصر من ضرورة توفير أدبائه للإمكانات الفكرية و المعرفية التي تبرر رؤيتهم و تدعم وجهة نظرهم، تماما كما حاول جيل السبعينيات أن ينتج نقاده متجاوزا بذلك أطروحات جيل الستينيات المعروفة. و ذلك لكي يتمكن الجيل الجديد من الخروج النهائي من العباءة المتهرئة لأبوّة فكرية أو وصاية إيديولوجية ليس لهما من الاسم غير ما يوحي به معناهما من اقتلاعٍ للجذور و استنباتٍ قسريّ لما يجعل الجيل أكثر جهلا بنفسه و أكثر اغترابا في عالمه، كما استُنبِتُوا هم في تربة الإيديولوجيا السبعينية على حين غفلة من ذواتهم و من عالمهم.
———————————————————————–
* عبد القادر رابحي (شاعر وناقد من الجزائر)





صديقي عبد القادر
إن فكرة التباعد بين الناقد و المبدع ، و اغتراب النص الإبداعي حين يصل إلى الناقد المعاصر ، يحسها كل قارئ جزائري و يعيشها العديد من المبدعين ، لذا يجب مثلما لمحت إليه النظر في الأسس النقدية المعاصرة .
و هناك سؤال يلح علي كثيرا : متى ينجب النقد العربي رؤيا فلسفية أصلية تكون باعثا لمذهب أدبي جديد بعيدا عن المتعارف عليه من المذاهب الغربية ؟
تحياتي لك أستاذي .