فقه العتبات النصية وأهميته في تقريب القاريء من النص الأدبي ” العتبة بين حفر الكاتب، ونبش القاريء ” ../ د.الصديق حاج أحمد الزيواني *
بواسطة مسارب بتاريخ 6 فبراير, 2013 في 07:43 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 5440.

تروم هذه الورقة المتواضعة إلى وضع مقاربة تأفق أفق الانتظار لدى القارئ من خلال رؤيته للعنوان لأول وهلة, وكذا دراسة العتبات النصية, أو ما يصطلح عليه بالنصوص الموازية والمصاحبة بما تحمله تيماتها من خطاب مقدماتي, ومؤخراتي, وكذا الدلالة الإيحائية والسيميائية لصوّر وألوان الغلاف.
حين يتزين الغلاف بمساحيق الألوان, ويوشّح وجهه الخارجي بتعشيقة اللوحات الفنية, مع ما يمكن أن يضاف إليه من توابل الإخراج الطباعي, فضلا عن ظفر الصيد الذي يكون الروائي قد أجهد نفسه في اختيار العنوان المناسب, مع ما قد يتسببه العنوان من استفزاز جرئ للقارئ, عندها تكون المؤامرة قد اتضحت معالمها مع سبق الإصرار والترصد بين الروائي ودار النشر, قصد محاولة إيقاع القارئ في مصيدة وشراك غواية الافتتان بعنوان النص ومتنه, وبالتالي قراءة الكتاب, ومحاولة شرائه, أو إعارته.
إن الدلالات اللسانية, والإيحائية للعنوان, والملامسة البصرية للصوّر والألوان, ومدى تناسقها مع متن النص, كل ذلك قد يُقدم للقارئ على شكل مقبلات, أو أُردوفات, إن جاز تعريب هذا المصطلح الدخيل, قلت فإن كل ذلك مما قد يفتح شهية القارئ, لتناول وجبة الكتاب.
فكم من متن ثمين مجه القارئ, وانصرف عنه, بسبب عنوانه, وغلافه, وبالمقابل كم من متن هزيل, اقتناه القارئ بسبب عنوانه الغريب والمحبوك, وغلافه الجذاب, مما قد يؤثر على القارئ, ويقتنيه, وينطبق هذا التوصيف, في معارض الكتاب, وأمام ببليوغرافيا المكتبات, إذ ليس بمقدور القارئ الوقت الكافي لمعرفة متن الكتاب, خلال ذلك الوقت الزهيد, إنما يعوّل على العنوان, ومن هنا تكمن أهمية العنوان, والعتبات النصية.
ويصدق هذا القول في أمر العتبات, ما وقع لي شخصيا مع عنوان أحد الروايات, عندما كنت أبحث عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح بفهرس المكتبة الجامعية, وإذا بي أصادف عنوانا غريبا لأحد النصوص الروائية اللبنانية, والموسوم بـ” سأنتعل الغبار وأمشي”, للكاتبة والإعلامية اللبنانية مي منسي, مما جعلني, بل أنساني البحث عن مقصدي الأول, وهو البحث عن رواية الطيب الصالح, كما أن الصورة التشكيلية الانطباعية الموضوعة على غلاف الرواية, والتي ترمز إلى أثار أقدام على أرضية بلون رمادي, كل ذلك زاد من تأملاتي التخيلية, مما أوحى لي بأن هناك سرا يجب أن يعرف, ولغزا يجب أن يحل, وما وجدتني في الأخير, إلا أن أقول للنص أنا عبدك, وأنت سيدي, وبالفعل فإن هذا العنوان يستفز القارئ, ويجعله أسيرا لاستكشاف سراديب الغلاف, ومتاهات الغرابة في العنوان.
ويذكر الناقد محمد صابر العبيد, أن التطور الحاصل في تاريخ العنوان جعله بعد سنوات عجاف, يستفيق من غفوته, ويتمرد على إهماله لفترات طويلة, وينهض ثانية من رماده, الذي حجبه عن فاعليته, وأقصاه إلى ليل من النسيان.
وإن كانت العتبات النصية موجودة, ومحتفى بها في التراث العربي القديم, وأكبر دليل على ذلك ما صنعه القدامى في حرصهم على التطريز, و تباريهم في العناوين المسجوعة, والتي تترك إيقاعا في وقع جرسها الموسيقي, وتأثيرها الدلالي, غير أن التنظير العلمي لها, وإسقاطها على النصوص الأدبية والسردية, لم يأت إلا مع فرنسوا فروري francois fourier, وأندري فونتاناandrie fantana, في كتابيهما عناوين الكتب في القرن الثامن, وكلود دوتشيclaude dutcher, سنة 1973, والمعتب بعنوان الفتاة المتروكة والوحش البشري مبادئ عنونة روائية, وفي نفس السنة أصدر ليو هوك leo hock, كتابه سمة العنوان marque de titre, كما خصص شارل جريفال chares grivel, فصلا خاصا للعنوان في كتابه نتاج الاهتمام الروائي, نهاية بعمل المنظر الكبير لعلم العنونة جيرار جينتgenette , في كتابيه أطراس, وعتبات, حيث أضحى للعتبات النصية, والنصوص الموازية, وكذا التعالي النصي, نظريات تؤسس, وقواعد تضبط, يعمل على مراعاتها الكاتب, وتضعها في الحسبان دور الطبع والنشر.
ونظرا للدور الخطير الذي تلعبه العتبات النصية, والخطب المقدماتية, والمطالع الافتتاحية في تقريب القارئ من النص, بدأت الحركة النقدية في الوطن العربي, ولاسيما في المغرب الشقيق, والجزائر, وسوريا, تلتفت لهذا الخطاب, وتوليه ما يستحقه من الدرس والمباحثة, لكونه يشكل نصا في حد ذاته.

 

 

 

 

 

 

———————————————————————————-

* د. الصديق حاج أحمد الصديق (كاتب وأكاديمي من الجزائر)

اترك تعليقا