
قالت التفاحة لأختها : ما رأيك أن نقامر اليوم , فاليوم هو عيد التفاح , و الناس سوف تتراشق بنا وكأننا كرات لا روح فيها ,لماذا لا نقوم بثورة نجبرهم من خلالها على إلغاء عيد التفاح ..
ردت التفاحة على أختها : وكيف سيتسنى لنا ذلك ؟
قالت التفاحة : أمهليني فترة قصيرة وسوف أضع خطتي أمامك ..
جثت التفاحة عند أقدام أمها الشجرة , ذرفت الدموع قائلة :
- هناك أطفال لم يعرفوا طعمنا , ولم يلمسوا ليونتنا , و لم ترتسم لهم دهشة الاكتشاف أمام أضواء ألواننا, أطفال بوجوه مجعَّدة, وابتسامات مُتربة, يحلمون كل يوم بمداعبة خدودنا , بينما هناك من يلعب بنا , ويقذفنا , ويدوسنا , أغيثينا أيتها السماء , يا أمنا الأرض انتحبي لأجلنا , كيف سنوقف هذا المدّ التخريبي الذي يحرق مملكة فرحنا ؟
وضعت الشجرة يدها على خدها , فكرت ملياً … ملياً …..
سجدت أوراقها الأملودة حتى قبّلت جباهها أديم الأرض , جرى حديث لم تسمعه سوى السماء…. اقتربت منها بناتها , درن حولها , انطلقت التراتيل التي تمجد عظمة الرب حامي التفاح, رددت الطبيعة الصلوات بصوت متناغم , حزين , نوراني , أرسلت السماء مطراً صاخباً , لونه تفاحي , رائحته مسكرة , وطعمه مرّ ..
نام طويلاً …… طويلاً…….. طويلاً .. كل من كان يعدُّ العدّة ليوم حافل من تراشق التفاح بالتفاح ..
***
في مكان ما سقطت تفاحة صفراء ذابلة , التفت إليها رهط من ماسحي الأحذية
قال أكبرهم : السماء لا تُمطر إلا بقايا التفاح .
قال الأوسط: السماء لا تمطر إلا التفاح الأصفر .
رد أصغرهم وهو منهمك في مسح حذاء طويل : السماء ذابلة .
****
في قصر منيف كانت أشجار التفاح تُجهض ثمارها اليانعة التي تتحول عند الظهيرة إلى جثث , تتقاذفها الأقدام ..
قال الطبَّاخ : بالأمس كنت سأفقد زوجتي الحامل لأنها تشتهي التفاح ..
قال الكنّاس : كنا سبعة نجلس حول طبق من الأرز المسلوق .. عطشنا , وجفت أرواحنا, بكى صغيرنا وهددنا قائلاً : أين يزرعون تلك الكرات الحمراء والخضراء ؟
قالت الغسّالة : تشقق عمري , وأنا أفرك لسيدتي قشور التفاح كي أعدها للطبخ , وبعد ذلك أسكبها في قاع برميل عميق كي أعصرها , ومن ثم أعدها للعجن كي تضع سيدتي القليل من خلاصة التفاح على وجهها الذي يرفض كل مستحضرات التجميل , ثم تتكسر خطواتي وأنا أرمي روح التفاح في القمامة ..
****
في سوق الخضار , وقف المتسول طويلاً أمام عربة تتراكم فوقها حبات التفاح النضرة , المتسول أعيته الحيلة , فكلما حاول إلهاء البائع كي يقتنص تفاحة , كان البائع يخيِّب ظنه, ويبعده كما يبعد النائم الذباب عن وجهه , فتتكسر أحلام المتسوِّل , ويعود بتصميم أكبر ليرسم طرقاً جديدة تجعل البائع يبتعد قليلاً عن عربته ليقنص تفاحة , وهكذا تستمر المعركة بين جائع وجائع حتى تغيب الشمس, ويُرفع الآذان ..
“جراح الشجرة “
كانت الشجرة تنتصف الطرقات كلها , تكبر وتلتف, وتتشعب أغصانها المختلفة الأحجام والألوان, ولأنها شجرة مثقلة بثمارها, كان لا بد من أن تُرشق بحجارة كبيرة وصغيرة ومن كل حدب وصوب , تكسَّرت أغصانها , وخرج أخضرها يسقي المساحات الممتدة عبر مدارات العطش , لم تنتظر كرات التفاح طويلاً , وكان لا بد لها أن تدفع عن أمها الخطر ..
ُسوّرت الشجرة بآلاف الكرات الحمراء التي كانت تصد عنها هجوماً لم تشهده شجرة من قبل , وفاضت روائح التفاح إلى ربها وهي تقبض بيدها على ذرات تحمل ريح أمها , وبقيت الشجرة واقفة تمنح الكون أول أبجدية للتفاح , وهي متأكدة من أن الشمس لا تشرق إلا من أجلها
——————————————————————————–
* فاديا عيسى قراجه (كاتبة من سوريا )



