كثير من النار في هذه الدمية.. (هكذا قرأت “دمية النار” لبشير مفتي) ../ رتيبة كحلان *
روايةٌ كتبتُ على هامش صفحاتها الكثير وأبحتُ لنفسي أن أُسند لها دورا جنبا إلى جنب مع أبطالها حتى عشت أحداثها فعلا ورأيت انشغالي بها فاق أي رواية أخرى، “دمية النار” لبشير مفتي بقدر ما دوخني عنصر التشويق فيها بقدر ما كان يتركني للحظات تأمل عميقة جدا تطرح الأسئلة وتحاول الإجابة عنها.
——
لم يحفل “بشير مفتي” بالأحداث العظيمة بل ترك الباب مشرّعا لجيل ليروي سيرة مسيرته بطريقة خاصة فكان رضا شاوش شابا عاديا بانتظاره حياة )كبيرة( وهي أيضا حكاية وطن وكيف تغيّر .. بداية كان السجن هو المحور الرئيسي في الرواية يقترب من كل أبطالها فقد لعب دورا ما في حياتهم وأوصلهم إلى النتائج التي خُتمت بها الرواية، وفي حقيقة الأمر كانت كل شخوص الرواية سجنا فالوطن سجن والحي والعمل والأسرة والنفس أيضا سجونا لكن ترك الكاتب كُلا من الحب المثمر (الغائب في الرواية) والجنون السبيلين الوحيدين للحرية التي يمكن أن تلغي كل المعاناة وتفتح آفاقا جديدة مبتدؤها ومنتهاها الأمل وهذا الذي لم يحققه منطق الرواية، كما أوجد لنا الكاتب مفارقة غريبة وهي أن السّجان مسجون أيضا ولكم أن تتصوروا ما يترتب على مثل هذا الوضع !
لقد خاض الكاتب تجربة معقّدة من خلال محاولته للرجوع إلى أصول التّطرف في الجزائر وتفسير بعض بداياته .. حيث برع في رسم لوحة يلتحم فيها تاريخ الوطن بالأفراد فيتحرك تاريخ الوطن مؤثرا على الأفراد ويحرك الأفراد (جماعة الظل) تاريخهم مؤثرين على الوطن، ومن هنا يظهر لنا جليا غياب المستقبل في الرواية وانتشار الضباب حيث كان الكاتب مقنعا جدا في نقل ملامح جماعة الظل التي تتمسك بزمام وطن و برقاب شعب جاعلا منها كتلة واحدة لا يختلف أفرادها في النشأة والمصير، وإن كان الكاتب لم يُغيِّب عنصر الترهيب منها إلا أنه جعلها أيضا متصارعة فيما بينها فمبدأ حماية الذات أولا ثم المصالح ثانيا تثير الكثير من الضغائن، قانون واحد فقط يطبق هو قانون الغاب كل يفترس الضحية الأضعف منه في شكل هرمي.
كتب “بشير مفتي” تاريخ الجزائر الحديث بطريقته لكنه اختصر العشرية الدامية بشكل مستعجل،لم يمنح لنا فرصة الاطلاع على الدور الحقيقي لجماعة الظل ومعرفة أساليبهم، أبهذه البساطة يحاصر وطن كهذا من زمرة من عصابات الظل تتلاعب به وفق أهوائها ؟؟ لقد أسس “بشير مفتي” لجماعة الظل أخلاقها الخاصة وجعل لثلاثية السلطة والقوة والمال إغراءً مكلفا يودي للحتف ولهلاك باذخ الضحايا، لقد حاول الكاتب ايجاد الفاعلين الحقيقيين في تاريخ الجزائر .. لكنه ترك ألغاما : هل الجزائر ابنة الثورة .. تلقاها كل حين ثورة جديدة ولا يمكن أن تحيا بلا ثورة تسيل منها دماء أبنائها كل حين ؟ مما يشي أننا لسنا أبناء التغيير الهادئ، هل فعلا حالت العصابات المتناحرة في الظل دون أن يعرف وطن بحجم الجزائر الاستقرار ؟ لقد حجبت النور وأذكت النار .. في تلك الفترة كان المجتمع مقسما فكل واحد اختار من ينتمي إليه تدفعه في ذلك غريزة البقاء.
كل انحراف لذات بشرية مصدرها الخيبة فخيبة بطل الرواية رضا شاوش هي تشوه صورة الأب وفقدان أمان الحب في صورة المرأة “رانيا مسعودي” التي حلم بها كثيرا ولم تُقبل عليه كما تمنّى أما خيبة كريم أخ رانيا مسعودي فهي فقدانه السيطرة على أسرة أكبر حجما منه وخيبة عدنان الشاب الذي يظهر في أحداث النهاية كابن غير معلن عنه إلا تحت إلحاح الضرورة مصدرها فقدان الصلة بأسرة سوية تؤمِّن له الاستقرار اللازم والحامي من الانحراف، وهكذا نجد الكاتب يحاول منح تبرير منطقي عقلاني لكل ما يحدث، خلف كل قناع قناعا آخر لا وجود للحقيقة إلا و توجد خلفها أخرى مغايرة للمنطق هي تلك التي يصنعها رجال الظل وأن للظل ظلالا في عالم مُشبع بالخداع، ومع ذلك مثّل الرجل السمين الثقة لرضا شاوش أي بعضا مما تبقّى فيه من إنسانية لكن حين يصل لجماعة الظل شعور بأن أحدهم قد صحا ضميره فإنهم يقضون عليهم مباشرة ويعوضونه بدمية أخرى تستجيب أكثر ويعلِّمونها أعتى أبجديات الإجرام وهنا تحاول الرواية بث بعض من الإشراق مجيبة على سؤال عويص: ما الذي يوقظ ضميرا قد ضمر ؟
صورة الأب التي لم تفارق أبدا كل تفاصيل الرواية صعّدت من تأثيرها في مصير رضا شاوش فنال قسطا وافرا من اللوم وكأنه مسؤول عن كل مآسي رضا شاوش لكن الحقيقة أن هذا الأخير كان بإمكانه أن يتحرر بمجرد موت والده والانطلاق في درب آخر مختلف عن هذا الذي زج بنفسه فيه وهنا يثور التساؤل: لو غيّر رضا الأمكنة أكان بإمكانه تجنب الأشخاص الذين سحبوه إلى قمة لا تعني سوى الهاوية متحولا إلى دمية نار تُحرق وتحترق ؟ لم يكن العالم الذي دخله رضا شاوش سوى رمالا متحركة تبتلع كل يوم شيئا من إنسانيته ليزداد انغماسه في الظلام ويفقد نفسه ويربح الوهم كأنّ رضا كان يبحث عن شيء في تلك الجماعة.
رضا احتمى من نفسه بالسلطة والمال وإن كان الضعف والعجز اللذين يمقتهما الطُعم اللذان استدرجاه إلى ذاك المصير إلا أنّ كل هذا لم ينّم إلا عن استعداده وقابليته لإتيان هذا الدور الذي برع فيه لحد فاق معلمه (الرجل السمين) الذي مات على يديه في عبثية الدمى التي تتبادل الأدوار بكل جرأة وابتذال، لكن ما بُني في النفوس على أنفاق مظلمة وعلى أنقاض الكثير من الضحايا لا يخفيه الغنى فهو زيف فادح لا غير.
تحولت هواجس رضا شاوش إلى أفعال إجرامية فيما بعد، فقد معها جدوى الحياة مما يجعل بقاءه على قيد حياة يمقتها أشبه بالانتحار كأنه أزهق روحه وجلس يتأمل ما تقوم به كنوع من الانفصام، ففي ذاته شخص داخلي لازال يرفض ويمقت طعم هذه الحياة الجديدة وشخص آخر يظهر للعيان كما يحبون أن يروه مؤديا دوره على أكمل وجه لكن نهايةً الدمى صنعت لدورها والنار تأكل نفسها قبل الآخرين ولا شيء يبرر الافتخار العقيم بمسيرها إلى الهاوية.
رضا شاوش عاش مجرما ومع ذلك عاش كل حياته ليرصد أكبر قدر ممكن من المبررات التي تسوغ له اختياره لهذه الحياة الأخرى ويحتفظ الكاتب بعدنان صديق البطل المتعلم كنسخة أخرى التي لا يهزمها الواقع ولا تخيفها القوة السوداء كإشارة إلى أن العلم الحق وحده السلاح الذي لا يصدأ
لم يغرقنا الكاتب في شخصيات كثيرة واكتفى بأبطال قليلو الأوصاف لأن وجودهم ضروري لتحريك أحداث الرواية لقد أوجد لنا شخصيات خاصة بمرحلة معينة فقط من سيرة البطل لذا نجدها تغيب بمجرد أدائها لدورها ثم يعود ليستنجد بها مرة أخرى كأنها هي الحقيقة الثابتة.
كل ما كان يدور في واقع البطل هو عبث فهو تمثيل دقيق للتقمص الباذخ للأدوار، دمى تمثل على بعضها البعض أما “رانيا مسعودي”لم تكن تمثل سوى ماضي رضا فقد دلت طريقة تعامله معها على ذلك فعجزه عن التخلص منها بنسيانها يعكس عجزه عن التخلص من ماضيه أيضا والذي بقي سجينه رغم ما قطعه من زمن بعيدا عنه.
لم يغفل الكاتب أي عنصر محيط بالأحداث لكنه غيّب التواريخ وأبدلها بالمراحل الضبابية التي عاشتها الجزائر وترك للقارئ الذكي مسألة تخمين التاريخ الدقيق بما وفّرة له من إشارات واضحة.
كتب “بشير مفتي” بلغة مفعمة بالاقتراب تلك التي حملت لنا المعنى من دون أن يضيع خالية من التكلف ولم يعلن هدنته على القارئ إلا مع النقطة الأخيرة التي تركت النهاية مفتوحة لكنني عدت أدراج أحداث الرواية وتخيلت بطريقتي شيئا مختلفا يجنب كل أبطالها بما فيهم الوطن المعاناة ليس تمردا على الكاتب ولا هروبا من حقيقة الواقع وإنما لأخترع أفقا مختلفا خاصا بالقارئ فقط.
لقد خاض الكاتب تجربة معقّدة من خلال محاولته للرجوع إلى أصول التّطرف في الجزائر وتفسير بعض بداياته .. حيث برع في رسم لوحة يلتحم فيها تاريخ الوطن بالأفراد فيتحرك تاريخ الوطن مؤثرا على الأفراد ويحرك الأفراد (جماعة الظل) تاريخهم مؤثرين على الوطن، ومن هنا يظهر لنا جليا غياب المستقبل في الرواية وانتشار الضباب حيث كان الكاتب مقنعا جدا في نقل ملامح جماعة الظل التي تتمسك بزمام وطن و برقاب شعب جاعلا منها كتلة واحدة لا يختلف أفرادها في النشأة والمصير، وإن كان الكاتب لم يُغيِّب عنصر الترهيب منها إلا أنه جعلها أيضا متصارعة فيما بينها فمبدأ حماية الذات أولا ثم المصالح ثانيا تثير الكثير من الضغائن، قانون واحد فقط يطبق هو قانون الغاب كل يفترس الضحية الأضعف منه في شكل هرمي.
كتب “بشير مفتي” تاريخ الجزائر الحديث بطريقته لكنه اختصر العشرية الدامية بشكل مستعجل،لم يمنح لنا فرصة الاطلاع على الدور الحقيقي لجماعة الظل ومعرفة أساليبهم، أبهذه البساطة يحاصر وطن كهذا من زمرة من عصابات الظل تتلاعب به وفق أهوائها ؟؟ لقد أسس “بشير مفتي” لجماعة الظل أخلاقها الخاصة وجعل لثلاثية السلطة والقوة والمال إغراءً مكلفا يودي للحتف ولهلاك باذخ الضحايا، لقد حاول الكاتب ايجاد الفاعلين الحقيقيين في تاريخ الجزائر .. لكنه ترك ألغاما : هل الجزائر ابنة الثورة .. تلقاها كل حين ثورة جديدة ولا يمكن أن تحيا بلا ثورة تسيل منها دماء أبنائها كل حين ؟ مما يشي أننا لسنا أبناء التغيير الهادئ، هل فعلا حالت العصابات المتناحرة في الظل دون أن يعرف وطن بحجم الجزائر الاستقرار ؟ لقد حجبت النور وأذكت النار .. في تلك الفترة كان المجتمع مقسما فكل واحد اختار من ينتمي إليه تدفعه في ذلك غريزة البقاء.
كل انحراف لذات بشرية مصدرها الخيبة فخيبة بطل الرواية رضا شاوش هي تشوه صورة الأب وفقدان أمان الحب في صورة المرأة “رانيا مسعودي” التي حلم بها كثيرا ولم تُقبل عليه كما تمنّى أما خيبة كريم أخ رانيا مسعودي فهي فقدانه السيطرة على أسرة أكبر حجما منه وخيبة عدنان الشاب الذي يظهر في أحداث النهاية كابن غير معلن عنه إلا تحت إلحاح الضرورة مصدرها فقدان الصلة بأسرة سوية تؤمِّن له الاستقرار اللازم والحامي من الانحراف، وهكذا نجد الكاتب يحاول منح تبرير منطقي عقلاني لكل ما يحدث، خلف كل قناع قناعا آخر لا وجود للحقيقة إلا و توجد خلفها أخرى مغايرة للمنطق هي تلك التي يصنعها رجال الظل وأن للظل ظلالا في عالم مُشبع بالخداع، ومع ذلك مثّل الرجل السمين الثقة لرضا شاوش أي بعضا مما تبقّى فيه من إنسانية لكن حين يصل لجماعة الظل شعور بأن أحدهم قد صحا ضميره فإنهم يقضون عليهم مباشرة ويعوضونه بدمية أخرى تستجيب أكثر ويعلِّمونها أعتى أبجديات الإجرام وهنا تحاول الرواية بث بعض من الإشراق مجيبة على سؤال عويص: ما الذي يوقظ ضميرا قد ضمر ؟
صورة الأب التي لم تفارق أبدا كل تفاصيل الرواية صعّدت من تأثيرها في مصير رضا شاوش فنال قسطا وافرا من اللوم وكأنه مسؤول عن كل مآسي رضا شاوش لكن الحقيقة أن هذا الأخير كان بإمكانه أن يتحرر بمجرد موت والده والانطلاق في درب آخر مختلف عن هذا الذي زج بنفسه فيه وهنا يثور التساؤل: لو غيّر رضا الأمكنة أكان بإمكانه تجنب الأشخاص الذين سحبوه إلى قمة لا تعني سوى الهاوية متحولا إلى دمية نار تُحرق وتحترق ؟ لم يكن العالم الذي دخله رضا شاوش سوى رمالا متحركة تبتلع كل يوم شيئا من إنسانيته ليزداد انغماسه في الظلام ويفقد نفسه ويربح الوهم كأنّ رضا كان يبحث عن شيء في تلك الجماعة.
رضا احتمى من نفسه بالسلطة والمال وإن كان الضعف والعجز اللذين يمقتهما الطُعم اللذان استدرجاه إلى ذاك المصير إلا أنّ كل هذا لم ينّم إلا عن استعداده وقابليته لإتيان هذا الدور الذي برع فيه لحد فاق معلمه (الرجل السمين) الذي مات على يديه في عبثية الدمى التي تتبادل الأدوار بكل جرأة وابتذال، لكن ما بُني في النفوس على أنفاق مظلمة وعلى أنقاض الكثير من الضحايا لا يخفيه الغنى فهو زيف فادح لا غير.تحولت هواجس رضا شاوش إلى أفعال إجرامية فيما بعد، فقد معها جدوى الحياة مما يجعل بقاءه على قيد حياة يمقتها أشبه بالانتحار كأنه أزهق روحه وجلس يتأمل ما تقوم به كنوع من الانفصام، ففي ذاته شخص داخلي لازال يرفض ويمقت طعم هذه الحياة الجديدة وشخص آخر يظهر للعيان كما يحبون أن يروه مؤديا دوره على أكمل وجه لكن نهايةً الدمى صنعت لدورها والنار تأكل نفسها قبل الآخرين ولا شيء يبرر الافتخار العقيم بمسيرها إلى الهاوية.
رضا شاوش عاش مجرما ومع ذلك عاش كل حياته ليرصد أكبر قدر ممكن من المبررات التي تسوغ له اختياره لهذه الحياة الأخرى ويحتفظ الكاتب بعدنان صديق البطل المتعلم كنسخة أخرى التي لا يهزمها الواقع ولا تخيفها القوة السوداء كإشارة إلى أن العلم الحق وحده السلاح الذي لا يصدأ
لم يغرقنا الكاتب في شخصيات كثيرة واكتفى بأبطال قليلو الأوصاف لأن وجودهم ضروري لتحريك أحداث الرواية لقد أوجد لنا شخصيات خاصة بمرحلة معينة فقط من سيرة البطل لذا نجدها تغيب بمجرد أدائها لدورها ثم يعود ليستنجد بها مرة أخرى كأنها هي الحقيقة الثابتة.
كل ما كان يدور في واقع البطل هو عبث فهو تمثيل دقيق للتقمص الباذخ للأدوار، دمى تمثل على بعضها البعض أما “رانيا مسعودي”لم تكن تمثل سوى ماضي رضا فقد دلت طريقة تعامله معها على ذلك فعجزه عن التخلص منها بنسيانها يعكس عجزه عن التخلص من ماضيه أيضا والذي بقي سجينه رغم ما قطعه من زمن بعيدا عنه.
لم يغفل الكاتب أي عنصر محيط بالأحداث لكنه غيّب التواريخ وأبدلها بالمراحل الضبابية التي عاشتها الجزائر وترك للقارئ الذكي مسألة تخمين التاريخ الدقيق بما وفّرة له من إشارات واضحة.
كتب “بشير مفتي” بلغة مفعمة بالاقتراب تلك التي حملت لنا المعنى من دون أن يضيع خالية من التكلف ولم يعلن هدنته على القارئ إلا مع النقطة الأخيرة التي تركت النهاية مفتوحة لكنني عدت أدراج أحداث الرواية وتخيلت بطريقتي شيئا مختلفا يجنب كل أبطالها بما فيهم الوطن المعاناة ليس تمردا على الكاتب ولا هروبا من حقيقة الواقع وإنما لأخترع أفقا مختلفا خاصا بالقارئ فقط.
—————————————————————–
* رتيبة كحلان ( كاتبة من الجزائر )
* رتيبة كحلان ( كاتبة من الجزائر )




