اكتشف علماء الرياضيات مؤخرا ‘عددا مُهيمنا’ جديدا لم يكن معروفا من قبل في كل ما كان للرياضيات طيلة تاريخها المليء بالاجتهاد من اكتشافات غيرت عادةً مجريات المعطى المعرفي الثابت في أذهان العلماء و المفكرين. و قد استطاعت الرياضيات بكل ما توفر لها في الوقت الحاضر من وسائل و إمكانات جهنمية معاصرة أن تُدخل هذا العدد الجديد ضمن المعدود الرياضي الذي سبق التعرف عليه بفضل قوة هذه الوسائل و قدرتها على اختراق آفاق المعدود المعروف، للكشف عما يزخر به المجال الحسابي من إمكانات وجود أعداد لم تكن معروفة تماما في السابق.
و على الرغم مما يمكن أن توحي به كلمة (العدد المهيمن) من أفكار تنطبق على الصورة التي يحملها المفكرون عنه على اعتبار أنه لا يقبل القسمة إلا على نفسه أو على واحد (1)، فإن مجرد اكتشاف عدد جديد من ‘الأعداد المهيمنة’ لا يتيح فقط فرصة الإطاحة بهيمنة الأعداد المهيمنة السابقة بوصفها ظواهر رياضية تعتقد بصلاحية سيطرتها الدائمة على الفكرة التي تحملها عن نفسها و عن العدد الوحيد الذي تنقسم عليه، و لا يؤدي بالقسمة إلا بإعادة إنتاجها بوصفها احتمالا وحيدا سرعان ما يتحوّل إلى حقيقة مطلقة تفرض نفسها على العالم بميزة الانقسام على نفسها و بحجة بُرهانيَّتِهِ الرياضية، بوصفها أعدادا ليست كالأعداد الأخرى، و إنما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن فكرة الهيمنة نفسها ليست قادرة على الثبات، كما يعتقد أصحابها، في وجه ما تحمله فكرة (الإمكانية) من قدرةٍ تتجاوز الأطر المعرفية المغلقة التي يحاول مفكرو العدد المهيمن أن يضعوا فيها السياقات الفكرية التي يحملها المجال الفكري بوصفه مجالا مفتوحا على كمٍّ هائل لا يحصى من الاحتمالات الرياضية التي تبدو فيها الفكرة و نقيضُها مجرد ألعوبة بسيطة بالنظر إلى ما يحويه هذا المجال الواسع من ذخائر حسابية وفكرية هي في غنى عن المكوث الحتمي داخل الجو المختنق الذي تقترحه الثنائيات المتعودة على تعليب الأفكار في ألاعيب(إما-أو، مع-ضد، أسود- أبيض..إلخ )، و هي الثنائيات التي تصاب عادة بعمى الألوان، فلا ترى من الحقيقة إلا ما تبوح له بها المنظورات الحسابية لمنطلقات ‘العدد المهيمن’ و مآلاته العائدة إلى منطلقاته نفسها في ما يسميه الرياضيون أصلا بـ’انغلاق الدائرة’ التي يتم فيها تغييب كل ألوان الطيف، لأن جوهر الثنائية لا يقبل إلا التضاد المحرك للصراع الذي يجب أن يتم، لكثرة تكراره، داخل أطر هذه الثنائيات.
يكشف المنطق الرياضي نفسُه، والذي طالما اتُّخذ ذريعةً بُرهانية من طرف من يمكن أن نسميهم بـ(الثنائيِّين) للتدليل على لاعقلانية التصورات التي تنتجها الخصومات الداخلية للفكرة المغلقة، أن احتمال وجود قناعات نهائية تنسحب نهائيا على ثبوتية المواقف بما تحمله من تمركزٍ نواتيٍّ صلب، هو مجرد وهم تكذبه الآفاق غير المشمولة ضمن المعدود الرياضي المُتّخذ ذريعةً دائمة للبرهنة على صِدقية التموقع و صلاحية مدة زمنيته الاستهلاكية التي يريدون فرضها على الأجيال المتعاقبة من المثقفين المتابعين لأطروحاتهم المسيّجة بسياجيات القناعة الثابتة التي توفرها حقيقة الانقسام على الذات و على الواحد.
و ها هي الرياضيات نفسها، بقدرتها البرهانية على تجاوز أطروحاتها الثابتة داخل انغلاق الدائرة، تكشف أن التصور الأحادي للمعدود و المقسوم لا يمكنه أن يتوقف عند أفق ما تحمله قوّة البرهنة التي يتباهى بها ‘العدد المهيمن’، و لا يمكن أن يتمادى في إنتاج ما يمكن تسميته بتحصيل الحاصل المؤدي إلى أسر الحقيقة الرياضية في أحكام مطلقة تتراوح دائما بين ما يكُونُه (الأنا) من تصور ثابتٍ و ما يعكسه هذا الأنا من (آخر) مضاد و ثابت كذلك. و لعل هذا المنطق هو النفي ( Négation) الحقيقي لما يمكن أن يحمله ‘المتغير ‘ بوصفه ممكنا من فجائية داخل الحقول المحروثة مسبقا للطرح و الطرح المضاد اللّذين تصبح فيهما أدوات الحجاج و آلياته و طرائق البرهنة عليهما به، هي نفسها التي يستعملها الطرفان في نوع من التكرار المفاهيمي المتقابل الذي يشبه في كثير من الأحيان نشيد البجعة المشهور، و لا يؤدي،في كل الأحوال، إلا إلى ترسيخ الصمم المعرفي العازف لسمفونية حوار الطرشان فتصبح حجاجيته، بسبب كثرة استعماله و الإلحاح على صدقية أفكاره، نوعاً من السذاجة الفكرية التي تترسّخ بموجبها حقولٌ حصرية للممارسة الثقافية المحتوية على محميات معرفية تبدو و كأنها ملك لهذا أو ذاك من الطرفين لا يعتدي كل واحد منهما على الأسماء الثقافية و الفكرية و الإبداعية التي يعتبرها الآخر ملكا له.
و تترسم العملية بطريقة تشبه ضرب الحصار المتعمّد على مخزونات ما تحمله أفكار هؤلاء أو هؤلاء من حجاج قد يكون في غير صالح الطرف المالك لحق التصرف فيه إذا ما استعمله طرفٌ آخر قرينةً دالةً على محدودية حقل الاستعمال على الرغم من عظمة الفكرة و سعتها، مما يؤدي إلى إطلاق نوع من الأحكام التي يشتمّ منها رائحة الوصاية على هذه الحقول المعرفية التي لا يجب أن يقترب منها أحد و إلا.. فإن صفارات الإنذار و الدفاعات المضادة هي على وشك التصدّي لكل اقتراب غير معهود و غير مرخص له من محددات اليقينيات التي تحويها هذه الحقول.
وتماما مثلما يقدم ‘العدد المهيمن’ صورته الواثقة بنفسه بالنظر إلى باقي الاحتمالات العددية، فإن إمكانية النقاش داخل الثنائيات المتضادة يتخذ هذه الصورة الواثقة التي لا يمكن أن تمس ما يعتقد الطرفان أنه ثوابت محصنة نظرا لكثرة استعمالها بهذه الصورة، حتى ليبدو أن كتابات كثير من المفكرين و المبدعين أصبحت ملكا خاصا للعديد من المدافعين عن الفكرة التي يحملونها عن هؤلاء المبدعين الذين أصبحوا رهائن أبديين عندهم، لا يحق لأحد أن يستعمل أفكار أحدهم أو بعضهم تحت طائلة النفي من مملكة المعدود، و كأنهم هم الذين كتبوا (مالك بن نبي، أو أركون، أو سارتر، أو كامو، أو ابن رشد أو ابن تيمية، أو ماركس، أو غيرهم، نظرا لما يوفره لهم أحد هؤلاء أو بعضهم من إمكانية الحجاج التي لا يحق للطرف الآخر من الثنائية أن يستعمله إلا في حدود ما تسمح به البرهنة المضادة التي تتصف في الاتجاهين بالثبوتية في اتخاذ الأحكام المسبقة و النتائج الجاهزة، كأنْ يتهم أحدُهُم في هذا الطرف أحدهم في الطرف الآخر، أو في ما يعتقد أنه من الطرف الآخر، بالتعميمية في إطلاق الأحكام على المفكرين الذين يدافعون عن فكرته هو، ثم يطلق الأحكام التعميمية نفسها، حين يتناقش مع خصمه، على المفكر أو المبدع الذي يدافع عن أفكار خصمه، أو بالأحرى الذي يتخذه خصمه ذريعة و واجهة للدفاع عن نفسه. ولذلك، فلا يحق لأيٍّ من المتخاصمين استعمال المعطى الثقافي للآخر، لأنه إذا ما عُرف عنه، صدقا أو خطأ، أنه في هذا الصف، فلا يحق له استعمال مثقفي الصف الآخر و طرائق حجاجه و براهينه، و كأن فكر هذا المفكر أو إبداع ذاك المبدع، إنما هما وديعة أودعها أحدهما أو كلاهما في رحْل من يدافعون عنهما، يتصرفون فيهما و في موروثهما الثقافي حسب أهوائهم، و يؤولونه حسب ما ترتضيه المصلحة الآنية التي تربطهم بواقع اللحظة التي يعيشونها، وأن أيّ مفكر أو مبدع من هؤلاء أو غيرهم بمختلف توجهاتهم الفكرية و الإيديولوجية، إنما يعتبر مملوكهم الذي يتصرفون في أفكاره كما يشاءون، و ليس هناك حقٌّ للآخرين في التصرف في غير الأفكار التي يعتقدون أنه يجب أن يحملها و يدافع عنها مثلهم لأنها في ظنهم ملكه.
كما يعتقد هذا الطرف أو ذاك أن الأفكار التي يقتنعون بها هي ملكهم الخاص الداخل في محميتهم التي لا يجب أن يقترب منها أحد بدون رخصة مسبقة، و بدون تقديم (الرجل البيضاء) التي يتعرفون بها على الوافد الجديد، و على عدم حمله لفيروس فكريٍّ ما بإمكانه أن يشوش على القناعات و يعطل البرمجة السرمدية التي يسيرون عليها وفق أهداف مخطط لها مسبقا. فلكَمْ أساءَ المدافعون عن مالك بن نبي إلى مالك ابن نبي، و لكم تناسى المدافعون عن ابن رشد المفكر ابن رشد الفقيه و كأن الفقه ليس صورة أخرى للفكر، و لكم دافع عن أركون من يناصبون العداء الفكري لأركون من دون أن يشعروا.
لقد اكتشفت الرياضيات أنه حتى المركزيات الدائمة الأكثر وثوقية في نفسها و في قدرتها على البرهنة الرياضية و السيطرة على فكرة أحادية القسمة على النفس و على الواحد، بإمكانها أن تنهار أمام ما تحمله فسحة الإبداع من إمكانيات وجود مركزيات أخرى تثق هي كذلك في نفسها و لا تقبل القسمة إلا على نفسها أو على العدد واحد، فما بالك بالاحتمالات التي تقبل القسمة على أعداد مختلفة حاملة لاحتمالات فكرية و معرفية لا متناهية هي أشبه برمية نرد تهدم المعطى الرياضي القائم على البرهنة المسبقة و تكرس منطق الممكن الذي يتنافى مع ما يقترحه العدد المهيمن الذي لا يقبل القسمة إلا على نفسه.
————————————————————————————-
* عبد القادر رابحي ( كاتب وأكاديمي من الجزائر )




