ألبير كامي روائيا صادقا …/ حميد عبد القادر *
بواسطة مسارب بتاريخ 19 فبراير, 2013 في 08:39 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1494.

أستغرب دائما، حينما أقرأ بعض الدارسين الذين يتناولون أعمال ألبير كامي (بما في ذلك دراسة ادوارد سعيد)، من زاوية ظاهرة “صمت العربي”، وغياب صورته في أعماله الروائية. أعتقد أن هؤلاء النقاد الذين قرؤوا كامي من هذه الزاوية لا يدركون معنى الرواية. فكأني بهم يطلبون من كامي أن يصور العربي وهو يتكلم ويتخذ مواقف ويفرض نفسه، ويتجاوز لحظة الغياب. وهذا معناه أن الرواية مطالبة بتجاوز الواقع والتعبير عن “المرغوب فيه”، أسوة بالنص الفلسفي. والمرغوب فيه في هذه الحالة هو “العربي يتكلم”. لقد كتب كامي الرواية. وهاجس الرواية هو الواقع، والصدق. فتصوير العربي في صورة مغايرة تختلف عن حالة الصمت والغياب يعني خيانة للرواية، وتحريف للواقع.
كان كامي صادقا مع نفسه، ووفيا لروح الرواية. قدم في جل أعماله الروائية صورة صادقة وواقعية عن المجتمع الكولونيالي الذي فرض هذه التراتبية العنصرية المقيتة. بالتالي فإن روايات “الطاعون” ، والغريب”، و “الموت السعيد”، ليست في نهاية الأمر سوى أعمال روائية تنقل الواقع كما هو، وبكل صدق.
تصوروا لو كتبت رواية “الغريب” بشكل مقلوب، وقدمت شخصيات عربية تقيم علاقات تواصل مع الأٌقدام السوداء، فهل هذا هو الواقع الاستعماري؟ ولو قدم كامو هذه الصورة، فأقول عنه إنه كاتب غير صادق، قام بتزييف الواقع، وعبر عن جزء من رغبات أنصار الاندماج من الذين كانوا يتصورون إمكانية الانخراط في المنظومة الاستعمارية.
عبر كامي عن مجتمع كولونيالي يقوم على أصحاب السلطة (الأقدام السوداء) والخاضعين
للسلطة (العرب). وتلك هي اللحظة الاستعمارية التي وصفتها رواية “الغريب”.
نعثر في رواية “الغريب” تحول محاكمة مارسو من جريمة قتل العربي إلى جريمة العقوق وعدم الحزن لوفاة والدته. تصوروا لو حدث العكس، وجرت محاكمة مارسو لأنه قتل العربي، هل يعني هذا أن كامي عبر عن المجتمع الكولونيالي؟ أعتقد أن الجواب يكون بالنفي، لأن قلب الصورة لا يتحقق سوى في اليوتوبيا.
الرواية ليست اليوتوبيا، التي قد نعثر فيها على “عربي يتكلم”، وعلاقة سوية مع “مارسو” والعربي.
لقد تسللت إلى النقد الجزائري كثير من أفكار المدرسة الوطنية التي يمثلها مصطفى الأشرف، وكل الذين حاكموا رواية “الغريب” محاكمة عمياء. أعتقد انه بدل محاولة الحط من قيمة “الغريب” كان يجب أخذها كنموذج للمجتمع الكولونيالي الأعمى الواجب فضحه، ونقده وتجاوزه.
————————————————————————————————
* حميد عبد القادر ( كاتب واعلامي من الجزائر )

 

اترك تعليقا