محاولة ٌلتوصيف ” السبعينية “… / عبد القادر رابحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 23 فبراير, 2013 في 10:11 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1510.

 

-1-

     إن السبعينية نسقٌ و ليست اسما، فكرةٌ و ليست رسمًا، تصوّرٌ شاملٌ مغلقٌ و ليست نظرةً جزئية منفتحة على صغرها.. و يا ليتها كانت اسما يُنقد، أو نصا يُشرّح، أو نظرة تتغاضى عنها الأبصار..إنها أعمق من ذلك بكثير و أخطر من ذلك بكثير.. إن السبعينية جرح نازف في جبين القمر..و عصا لا زالت تهش بأدب على كل من يريد أن يخرج من محميتها ليعود قنوعا إلى مثواه الأخير في صفّ المكرّسين النجباء.. و هي تدعو كل من حاول أن يتلفظ بما لا يليق بمقامها الزكيّ أن يتحلى بالهدوء  و بالرزانة و يبتعد عن الانفعال و إلا وجب عليه أن يذكر الشاهد النحوي والبلاغي و الدلالي و الفكري و الإيديولوجي و السياسي بتوثيق الكتاب و الفصل و الصفحة و السطر والنقطة والهامش و المصدر و المرجع و الطبعة و ما شابه.. السبعينية لا زالت تعتبر مواطنيها الزمنيين مذنبين حتى يثبت العكس، و مبدعيها صغارا حتى يثبت العكس، و مثقفيها ممن أنجتهم من بين ظهرانيها ساذجين حتى يثبت العكس..و لذلك فهي تسارع إلى طلب البيّنة ممن ادعى تحت طائلة ما يؤدي به التصور الشمولي من متاهات في مفازات الوطن، و في مسارب الروح، و في منابت الغربة، و تقسم بأغلظ ما تؤمن به أنها على حقّ و أن المدّعي على باطل..السبعينية تشبه مزرعة جورج أورويل، و مستشفى الجبل السحري لتوماس مان، و جمهورية (تلون) لبورخس..

-2-

     السبعينية قطة مزركشة الألوان بسبع أرواح و لكنها بقلب واحد تتخطى المراحل و تتجاوز الأنظمة و تعبث بالمشاريع و الإيديولوجيات و التواريخ و الثورات و بأمزجة المثقفين الغيورين على السكن في جغرافيا الفكرة المطلقة..خُدّامها كثرٌ  بمسميات مختلفة و بأوجه متعددة و بأقنعة كثيرة.. تتلاعب بمثقفيها كما يتلاعب القط الواقعي بالفئران الهوليودية الخارجة للتو من قلم رصاص رسّام يتقن تلوين الورق الأبيض الناصع..تلد أبناءها من آباء كثر و تقول لهم كونوا مثلي في تعدد واحديّتكم..تربّيهم في منتجع الوهم وتعلّبُهم في محمية الواقع من أجل استعمالهم في درء ما يمكن أن يتهددها من أصوات نشاز لا تنسجم مع عزفها السرمدي..السبعينية سيمفونية صمّاء تماما كبتهوفن تماما، من لحّنها لا يستطيع أن يستمع لعزفها المنفرد في تعددية أصواته.. السبعينية        لا تتوانى في أن تخلق من ظلها المرافق عدوا مركزيا من أجل أن تجدد حياتها كلما اقتضى الأمر ودعت الضرورة..السبعينية بيتٌ مُحكمٌ الإغلاق..الداخلُ فيه لا يعرف الخروج منه، و الخارج منه لا يعرف طريق العودة إليه حتى و إن أراد..السبعينية،  في أحد معانيها الزئبقية و هي كثيرة المعاني، تُجدِّدها وفق الحال والطلب و الظرف، هي الآلة الصامتة التي  أدت بكاتب ياسين إلى الاستغناء عن حرارة ‘نجمة’ التي أفنى من أجلها عمره الإبداعي واستبدلها ببلادة الطقس الليّونيّ القاتل. و هي التي أدت بمالك حداد إلى الانتهاء مرشحا من أجل مقعد شاغر في برلمان الحزب الواحد.. و هي التي أدت بمحمد ديب إلى الابتعاد عمّا يمكن أن يلحقه من جاذبيتها و هو معتكف في الشتاء الباريسي، فاختار شتاءً أقصى على الشمال و أقسى على قلبه التلمساني الطّروب، و لكنه شتاء هو أشبه بالشتاء الصوفي الذي استعاره من ‘المنول’ و الدار الكبيرة، و الذي بدا فيه ساخرا من معياريات التصور الشمولي للذات و للوطن و للآخر، و التي تريد أن يتبارى المثقفون ‘العضويون’ بمختلف مشاربهم الفكرية وتوجهاتهم الإيديولوجية من أجل الإسراع بالدخول في معطفها الجوجولي، و التغني له على هواه المتجدد وفق تجدد الإشكالات السياسية والاجتماعية كلّما دعت الضرورة؟ و هي نفسها السبعينية التي لم تعرف كيف تعيد إلى كنفها مالك بن نبيّ المُعيَّرُ أخيرا بما لم يُعيَّرْ به حتى هايدغر و هو يضفي على النازية نوعا من الوجه الإنساني بمباركة الغرب المنتصر في ما كان يعتقد أنه آخر معاركه الليبيرالية.. وهي السبعينية نفسها المتواصلة في المراحل المتغيرة التي لم تستطع أن تتفهم إلحاح الطلب الأركوني بالانتماء إلى الوطن فغادره إلى الدرس الأكاديمي جاعلا منه وطنا أكثر رحمة ممّا يمكن أن يتعرض له من طرف مدّعي الثقافة والفكر و الإبداع..وهي نفسها السبعينية التي لا يمكن أن ترى إلا نفسها في (الريتروفيزور) الإبداعي الذي لا يمكن أن يخرج عن ترسيم المُرسّم و تكريس المكرس و تبجيل المبجل و تدليل المدلل ..( و اللعنة عليكم جميعا ) يا أبناء الأجيال الجديدة من الأدباء  المتراكمين كالسردين أمام بركة الناقد في شيء أشبه بالمسرحية (العبد صبورية) ذات البعد المأساوي القاتل.. السبعينية هي المبدع/ الناقد الوحيد في العالم الذي يقول لك ارجع إلى الوراء ..إلى ما كتبت أنا لترى مستقبل الكتابة كما أراها أنا…و في أحسن الأحوال يقول لك: اكتب ما أريد أنا بالطريقة التي تريد أنت..و لا يقول لك أبداً: انظر إلى الأمام لتشاهد ذاتها الحاملة لعروقك في مرآة المستقبل..

-3-

    السبعينية ليست وطنا، و ليست مُدّة، و ليست عشريةً..السبعينية كالفقر موجودة دائما و مُرّة دائما..و لو كانت رجلا لخاصمه أول من عاشره بغنى نفس و بطيبة خاطر..و لذلك فهي لا تموت ..تعشّش في (الكهوف المضيئة) للمثقفين الممتدين من مرحلة ما قبل الاستقلال إلى يوم الناس هذا، ولكنها لا تموت.. تتناسل في غفلة منهم وتبدل جلدها في كل موسم كما تبدل عارضات الأزياء قناع الإغراء الذي تحدث عنه بارط في ‘نسق الموضة’ و لم ينتبه إليه واسيني لعرج في (أصابع لوليتا)، لأنها فعلا نسقُ موضةٍ و لباسٌ يستر مصمميه و يعري المتسارعين إلى استعراضه ملبوسا على أجسادهم النحيفة من شدّة الطمع في الاندراج القسري الذي يجب أن ينسجم مع انحناءات ‘الكتّان’ المستورد بالعملة السهلة من مفرغات التاريخ.. و لذلك فهي لا تحتاج إلى دليل اسمي، أو وثيقة رسمية، أو شريحة  تُخزّن فيها المتعاليات الوطنية التي يجب أن تتوفر في الأجيال الجديدة لكي تحظى بالرعاية السامية لجلالتها..إنها متجلية فينا كما يتجلى الضياء في النهار المظلم، و متخفية فينا كما يتخفّى الواحد في العدد المتكاثر كغثاء السيل..

-4-

     السبعينية  لا تقبل إلا الأسماء المعروفة و الموصى بها و المُجرّبة مسبقاً، أيقونات تضغط عليها عند الطلب، و لا تبغي إلا الأشجار التي تغطي غابة الإبداع على الآخرين، حتى و لو لم يُرِدْ من تحولوا إلى أيقونات- و اللهم لا حسد- أو أصبحوها ربما رغما عنهم، هذه المتاجرة بالأبناء  و تناسي الأحفاد و أحفاد الأحفاد من المبدعين المستظلين تحت الظل الظليل لسيدة المقام..السبعينية هي القارة الوحيدة في العالم التي يصل فيها المبدع إلى الخمسين و هو لا يزال يعتبر نفسه شابّا لم ينل حق التفات النقاد إليه لأن الأشجار التي تغطي الغابة عرّشت و أصبحت تغطي القلوب بنوع من المحبة الدخيلة على الجميع في موسم مليء بالأمطار..

——————————————————————-

* عبد القادر رابحي  ( كاتب وأكاديمي من الجزائر )

اترك تعليقا