حصريا لمسارب .. مقطع من آخر عمل للروائي سمير قسيمي ” بكل متعة ” …/ سمير قسيمي *
بواسطة مسارب بتاريخ 27 فبراير, 2013 في 09:17 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1898.

لضخامتها ملأت مقعدها بالكامل وفاض جانب منها إلى جهتي حتى انغرز محدد السرعة فيه. اضطرني ذلك كلما أردت الإمساك به أن أضع يدي أولا تحت ما تدلى من ردفها وأحركه بصعوبة. مع الأيام ومع تكرر حركة يدي تلك فضلت ألا أفلت محرك السرعة من يدي كلما حركته، لتصبح يدي مع الوقت ملحقا عظميا لفائض شحمها المتدلي. ومر وقت آخر وظني أنها لم تكن تشعر بيدي هناك، وجعلتها على خصرها، ثم خطر لي أن أقرصها مرة. وهو خاطر غريب كما يبدو، ولكن حين يجعل الواحد يده في مثل ذلك المكان يوميا ولنصف ساعة كل يوم قد تخطر بباله أمور لن أخبرك عنها ولكن أيسرها أن يفعل ما فعلت.
أدركت وأنا أفعل ذلك بأن الأمر ممتع، وتناهت إلى ذهني لوحات ” فرناندو بوتيرو ” والتي كلما وقعت عليها يراودني نفس السؤال. أي متعة يجدها هذا الرسام في أجساد نساء بدينات؟.. لقد كانت تجربتي الغريبة مع زبونتي سببا وجيها ليجعلني أستكشف أغوار الحب الدُهني، الهلامي، الكابح للشهوة في الظاهر. حتى أنني لن أجد أي حرج الآن في الاعتراف أنه وبعد أسبوعين فقط من دفئ خصرها والقرص المنتظم، بدأت أفهم في متعة بوتيرو، بدليل أن حصاني وبعد مرور هذا القدر اليسير من الوقت عاد إلى خلقه الأول. ولم يلبت أن مر أسبوعان آخران حتى بدأ يشعر بالرغبة في الصهبل. وما كنت لأسمح له بذلك لو لم يحدث معنا لاحقا شيء يشبه السحر. وقبل أن أتمادى في الحديث أكثر فلا بأس أن أقول لك أن اسم زبونتي الجديدة هو “لبنة”. ولأن اسمها كذلك، فأحسب أنك أدركت الآن لمَ تلعثمتُ حين قالت لي امرأة القطار أن بمقدوري أن أسميها لبنة وأنني أعلم السبب. والذي لم يكن إلا ما حدث بيني وبين لبنة نهاية أول شهر أجّرتني فيه.
كانت كعادتها جالسة بجواري، وكعادتها منذ ثلاثين يوما أيضا، فقد كانت يدي تمسك بمحدد السرعة تحت ردفها الهلامي الممتلئ. كان يومها قد ازداد ثقلا واتساعا حتى ابتلع يدي كاملة، بحيث لم أعد أشعر بأصابعي المتعرقة بفعل الحرّ..
أذكر اليوم جيدا. آخر يوم من شهر مارس.
ما أن بلغنا منزلها وتمكنت من إفلات يدي من تحتها، ابتسمتُ لها لتكون ابتسامتي مدخلا معقولا للحديث عن بقية أجرتي.
ابتسمت هي الأخرى، فبدا لي بأن وجهها ازداد دائرية عما هو في العادة. ولأول مرة لم أشعر بالقرف من التركمات الشحمية التي جعلت وجنتيها تبدوان كنهدي صبية في الخامسة عشر. لقد فكرت قبل ذلك بالطبع في كرم الطبيعة على تلك المرأة، ولكنه كان تفكيرا ساذجا حملني إلى اعتبارها مخلوقا لا متعة في مشاهدته ولا حتى في الحديث معه. ربما هذا ما جعلني طيلة ثلاثين يوما لا أحدثها في أي شيء. أعتقد بأنها فهمت صمتي على أنه تعبير عن رغبتي في وضع حدود من الاحترام فيما بيننا. وهو فهم يمنح صاحبه تبريرا مقبولا لعدم قيامه بما كان يجب عليه القيام به.
كانت تملك عينين واسعتين برموش اصطناعية سوداء وحاجبين دقيقين. قلت “إنه الثلاثون من الشهر”. “وهو يوم ميلادي بالمناسبة”، ردت وكأنها لم تفهم ما قصدته. أجبتها مبقيا على ابتسامتي “كل عام وأنت بخير”. قم انحنيت نحوها وقبلتها قبلتين على خديها. شعرت وأنا أفعل ذلك بأن شفتي ترطبتا بعرقها المالح الممزوج بعطرها الفرنسي الفاخر. ومن دون مبالغة تبين لي أن لبنة ارتقت في سلمي بدرجتين أو ثلاث، حتى بالكاد لم يعد يفصلها عن خانة البشر إلا قبلة ثالثة تأجّلت لحظتها بسبب كم الهراء الذي جعلته بيننا.
كان تفكيري مشوشا بسبب حاجتي الماسة إلى المال. ومن عادتي حين أكون كذلك أن أعطي هرموناتي إجازة، بحيث لا أشعر بالإثارة أو الرغبة في أي شيء. لكنني لحظة ما قبلتها خطر لي أن أدعوها لتناول فنجاني قهوة أو شاي. مهما يكن، فنحن بالغين، وسواء أكانت زبونتي أو صديقة سابقة لعبد الله، أو امرأة سوداء، بدينة تكبرني وأطول مني، فستبقى مسألة لقائنا مسألة تخص أشخاصا بالغين.
قالت حين عرضت عليها الأمر ألا مانع لديها، فأصدقاء عبد الله أصدقاءها أيضا. واتفقنا على اللقاء غدا مساء بعد خروجها من العمل. والتقينا كما اتفق.
شربنا القهوة ثم تعشينا في مطعم شواء يقع بمدخل بومرداس. فقد شرحت لي وبإسهاب قبلها بأنها تحب الدجاج المحمر بجلدته المقرمشة، وتركت لي حرية اختيار المطعم. حرزت وأن أشاهدها تلتهم دجاجة ونصف أنها جاءت لموعدنا ببطن خاوٍ. كان منظرها كذلك مهيبا إلى أقصى حد، حتى أنني أعتقد أنه حري باللاهوتيين أن يدرجوه في محاضراتهم كلما تحدثوا عن الخشوع. فوقتما كانت تدس قطع الدجاج في فمها -الذي حين فتحته اتسع لنصف دجاجة- تحلل وجودي معها حتى بدا لي أنني صرت لامرئيا تماما. وأحسب أن بقية من كانوا في المطعم –وقد كان مكتظا- ابتلعهم العدم أيضا وهي في خشوعها ذاك. وعلى عكس ما تعتقد فلم يحرجني هذا الموقف، فقد كان تفكيري ساعتها مشغولا بأمرين لا ثالث لهما: من منا سيدفع فاتورة المطعم، وهل ستكون بنفس الشراهة حين أضاجعها لاحقا.
مع خروجنا من المطعم عرفت جواب السؤال الأول، والذي كان ببساطة نفس الجواب الذي عودتني عليه عاهراتي “أنت من طلب، فأنت إذن من يدفع”. لقد كان جوابا قاسيا على جيبي، ولكن الأمل الذي كان يحدوني في أنها ستسلمني بقية أجري، قلل من حدة الألم إلى حد أن تحركت هورموناتي ونحن في السيارة ووجدت فرصة مواتية في سؤالها إن كانت ترغب في أن “ندردش” قليلا على انفراد. أعجبني أنها لم تتصنع الغباء وقالت أن الأمر سيكون ممتعا، ولكن ليس بمقدورها المبيت خارجا. وهكذا توجهنا إلى الثنية، حيث ركنت سيارتي في المكان المخصص لي.
قالت بدهشة: “هل سنقوم بالأمر هنا؟”. ابتسمت لها غير آبه بسؤالها. كل ما فعلته أنني نزلت من السيارة وفتحت بابها الخلفي. قلت لها: “الأفضل أن تجلسي في الخلف”. لم تعلق واستغرقت ما يجب من وقت للنزول من مقعدها، وجلست في الخلف.
حين فعلت ذلك أدركت أنها بجسدها الضخم احتلت كل المكان حتى لم يعد يتسع لشخص آخر ولو كان بنحافتي. فكرت مليّا في الأمر، ورأيت أن اقتلاع المقاعد الأمامية مسألة لا تقبل التأجيل لمنحنا مزيدا من المكان. وهكذا فعلت وصعدت بدوري إلى السيارة بعد أن غطيت الزجاج بأوراق جريدة قديمة وجدتها بالداخل.
ما أن استويت في مكاني حتى سألتني: “لمَ لم تأخذني إلى منزلك؟”. “لأن هذا منزلي”، أجبت وأنا أحاول رصد ردة فعلها من ملامح وجهها، رغم أن ذلك بدا مستحيلا لبعض الثواني لسواد بشرتها والظلمة التي ابتعت الداخل بعد أن غطيت زجاج السيارة. قلت وأنا أرى انكماش وجهها: “لا أملك منزلا، كل ما أملكه هذه السيارة فهي سكني منذ سنوات”. شعرت وأنا أقول ذلك بيد الشفقة وقد مسحت على وجهها، ثم نفخت في حلقها تلك الجملة التي أثارتني بمجرد أن نطقت بها “تعال إليّ صغيري”.
صغيرها..
وبالفعل كنت صغيرها في كل شيء: في السن والحجم أيضا….

 

 

 

 

——————————————————————————————-

* سمير قسيمي ( كاتب واعلامي من الجزائر )

اترك تعليقا