الشعر عندالعرب من وجهة نفسية …/ الدكتور حبيب مونسي *
بواسطة مسارب بتاريخ 2 مارس, 2013 في 05:38 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2778.

حفلت كتب “الأدب” القديمة بإشارات وأخبار تنحو منحى نفسياً في توكيدها على دواعي الإبداع من جهة بواعثها الكامنة في أغوار النفس، وعلى “المُهيئات” الواعية المصاحبة لعملية الإبداع قصد الإجادة والصناعة، وعلى “كيفيات” استدراج المتلقي “وتهيئته” نفسياً لتقبل الصنيع الأدبي، والانفعال له، والتأثر به. وتخطّت الإشارات حقل الشعر إلى النثر والخطابة، وسيقت جملة لأنها مما يُوصي به الفنانون بعضهم بعضاً. إلا أنّها جاءت في سياقات عامة، ولم تنتظم في خيط واحد يسمح لنا بوصفها جملة على أنّها منهجاً نفسياً تعرض لعملية الخلق أولاً، والاستعدادات المحفزة عليها ثانياً، وتأثيرها في الجمهور ثالثاً، وفقَ التصور الحديث للمنهج النفسي في خطواته القرائية المسطورة اليوم.

إنّ “منهجية” تجميع هذه “الإشارات” تخرج عن نطاق بحثنا، إلاّ أنّ استعراضنا السريع لها، يكشف عن جذور متجذرة في الفكر النقدي العربي، وإن تطعيم القراءة النفسية العربية “بالأدوات” الغربية إثراء لها، تستمد منه خطوات المنهج العلمي في العرض والتخصّص، بعدما كانت لمحات وفلذات تستوقف الناقد ساعة ثم يمضي لِغيرها، فذلك سرّ تناثرها في بطون المؤلفات العديدة على تطاول القرون.

لقد فطن الشعراء القدامى إلى أثر العوامل الداخلية والخارجية، وفعلها في النفس، وبعثها للحاسة المبدعة فيهم. فأوقفوا دواعي القول عليها إذا حضرت. فهذا “أرطأة بن سهيّة”، يسأله “عبد الملك بن مروان”: “أتقول الشعر اليوم؟ فقال: والله ما أطرب، ولا أغضب، ولا أرغب، وإنّما يجيء الشعر عند إحداهن”(1) وكلّها بواعث تتوزع داخلياً وخارجياً فتكون بواعث لإثارة جملة من التوترات النفسية، تُترجم فَوَرَانها إبداعاً يتناسب و شدّة المثير مداً وجزراً، بل وتتناسب من جهة أخرى بفن خاص من فنون القول الشعري. وذلك ما نلمحه جلياً عند الشاعر “دعبل بن علي الخزاعي” في قوله: “من أراد المديح فبالرّغبة، ومن أراد الهجاء فبالبغضاء، ومن أراد التشبيب، فبالشوق والعشق، ومن أراد المعاتبة فبالاستبطاء”(2). فصاغ لكل غرض شعري صورة وجدانية تعتمل به وتصبّ في قناته وتعين عليه.

والملاحظ أن أصحاب هذه “الإشارات” النفسية من خاصة أهل الإبداع، وليسو من النقاد، وهي عين إشارة “فرويد” الذي عُزي إليه اكتشاف اللاشعور، فردّه إلى الشعراء قبله. فهم أدرى بالمحفزات التي تنشط في ذواتهم، فتمدهم بالقدرة على الخلق، حتى وإن كان وصفهم لها “خارجياً” يتوقف عند المثير وطبيعته ولا يتجاوزه إلى تفكيك عملية الخلق.

وهذا “أبو تمام” (الشاعر) يوصي “البحتري” (الشاعر) فيقول: “واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإنّ الشهوة نعم المعين”(3) وكأن الشاعر المدرب فطن لميكانزم مهم في عملية الخلق، فحدد ذريعتها الأساسية “الشهوة” شهوة التفوق في الصناعة الشعرية. إذا يُتوسّل بها ابتداء قولَ الشعر، ثم يتذرعها لإجادة نظمه. فإذا تحقّقت الرّغبة فيه، تحقق تباعاً لها مبدأ الجودة والتفوق. وذلك ما حدا ببعض النقاد إلى تعليل “ضعف” الرّثاء ووصفه بأصغر الشعر: “لأنّه لا يعمل رغبة ولا رهبة”(4).

 لقد حاول النقاد “منهجة” تلك “الإشارات” التي كشف عنها الشعراء ابتداء، فشققوا فيها الحديث على شكل وصايا حفلت بها مؤلفاتهم من مواطن شتى -أو استقلت بها- “فأبو هلال العسكري” في (الصناعتين): يخاطب المبدع شارحاً جملة من “المهيئات” تسهل عليه إدراك بغيته في فن الصناعة: “واعمله ما دمت في شباب نشاطك، فإذا غشيَك الفتور وتخوّنك الملال فامسك، فإن الكثير مع المَلال قليل، والنفيس مع الضجر خسيس، والخواطر كالينابيع يُسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من الريّ وتنال إربك مع المنفعة، فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها وقلّ عندك غَناؤها”(5). وهي حركات نفسية في تفاعلها مع الفكرة، يُخشى عليها التكلّف والمعاودة، ويُرضى لها التهيؤ عند صفاء الحاسة وقابليتها للأخذ والعطاء، وذلك ما يُفسّر عملية الإبداع على أنها “صناعة” عند “أبي هلال العسكري” تؤخذ برفق وصبر. وحديث “بشر بن المعتمر” في صحيفته قريب الشبه من قول “أبي هلال” في التأكيد على الترفق والمُلاينة، فهو يطلب من “الأديب” عين المَطلب في قوله: “خُذ من نفسك ساعة فراغك وفراغ بالك وإجابتها إياك. فإن قلبك تلك الساعة أكرم جوهراً، وأشرق حساً، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرّة من لفظ شريف، ومعنى بديع، وأعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالجدّ، والمجاهدة، وبالتكلف، والمعاندة” (6).

فإنشاء القول، مسألة متعسّرة إذا داخلتها المغالبة والإرهاق، وكلّما صفت النفس صفا الصنيع وجاء وقد رقت حواشيه، وأن المكابدة لا تورث إلاّ خطلاً: “فإن أنت ابتليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع، فلا تجعل ولا تضجر ودعه بياض يومك، أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاط فراغ بالك، فإنّك لا تعدم الإجابة والمواتاة” (7). إنّها -إذن- عملية واعية يقظة تراقب الذات المبدعة في حالة عطائها، وتراقب الصنيع في ثوبه الفني في آن واحد. إنّه ذات الموقف الذي أعلن عنه “شارل مورون” لاحقاً حين أعلن في وجه التحليل النفسي: “أن كلمات نص أدبي ما، وفي الأغلب الأعم من الحالات، تُكتب جميعها تحت الرّقابة الإرادية الكاملة”(8). ولكنه لا يُهمل الجانب اللاواعي الكامن وراء الصور والرموز اللغوية. ولهذا السبب يُقصر مهمة التحليل النفسي على الكشف عن جانب اللاواعي فحسب.

ويلتفت النقاد القدامى إلى “الجمهور” فيُحلونه مقاماً خطيراً في عملية الإبداع. فهو حاضر ماثل في خلد المبدع، لا تزول صورته ولا تتحوّل. بل هو “جمهور” متشدّد لا يرضى بالدني، بل يجب استدراجه من حيث لا يدري للغرض الرئيس في فنّ القول، وتُتَلمس نقاطه الحساسة ليسهُل قياده، ويَسلُسَ أمره. و “ابن قتيبة” من رواد الفكرة، فهو يُعَلل بناء القصيدة العربية على هذا الأساس، حين التفت إلى الاستهلال بالبكاء على الأطلال، ثم الانتقال إلى وصف الرّحالة، والنسيب، وكل ذلك: “ليُميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، ويستدعي إصغاء الأسماع. لأنّ التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسبب، وضارباً فيه بسهم حلال أو حرام، فإذا استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقب بإجاب الحقوق…”(9). وقد تابعه “حازم القرطاجني” في هذا المنحى حين جعل للاستهلال أياً كان غرضه مرتبة خطيرة في فنّ القول فهو: “الطليعة الدالة على ما بعدها. المُنزّلة من القصيدة منزلة الوجه، والغرّة تزيد النفس بحسنها ابتهاجاً، ونشاطاً لتلقي ما بعدها. إن كان بنسبة من ذلك، وربما غطّت بحسنها على كثير من التخوّن الواقع بعدها إذا لم يتناصر الحسن فيما وليّها”(10). ثم أنّ النظرة السريعة لقضية “الجمهور” في النقد العربي القديم تُلفت انتباهنا إلى ما تدعو إليه القراءة الحداثية في مقولات “جمالية التلقي” والتي تفرض أفقاً للانتظار يقف فيه “الجمهور” المتلقي انتظاراً للصنيع الأدبي. فتكون مهمة المبدع -أثناء عملية الإبداع- تصور ذلك الجمهور  النموذجي أو قارئاً منه ينوب عنه… لقد لبث هاجس المتلقي في أطوار الشعر العربي من الجاهلية إلى يوم يقُضّ مضجع المُبدع ويُؤرقّه، ويسكن وحدته وخُلوته، ويفرض عليه سلطة “ذوقية” يخضع لها الشاعر خضوعاً لا واعياً، فيُعالجه بحذر شديد.

————————–

1- ابن رشيق: العمدة (ت) تحقيق محمد محيي الدين ج1/ 120.

2- م. س. ص: 1/122.

3- حازم القرطاجي: منهاج البلغاء. تونس 1966 ص: 203.

4- ابن رشيق: م. س. ص:1/123.

5- أبو هلال العسكري: الصناعتين.. القاهرة 1971 ص:139.

6- ابن رشيق: م. س. ص:1/212.

7- م. س. ص: 1/214.

8- Chareles Mauron: des metaphors obsedantes au mythe personnel. PARIS 1912 p30.

9- ابن قتيبة: الشعر والشعراء دار إحياء العلوم  ط2/ 1986 بيروت ص:31.

10- حازم القرطاجي: م. س. ص:309.

—————————————————————————————–

* الدكتور حبيب مونسي (روائي وأكاديمي من الجزائر )

اترك تعليقا