قراءة في “شهادة ميلاد ” الشاعر إبراهيم قارعلي .. ديوان يحاكي الحب والجمال والحكمة الأفلاطونية ../ جمال غلاب *
بواسطة مسارب بتاريخ 7 أبريل, 2013 في 09:47 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1460.

من عاداتي القرائية , لأي عمل , و في مختلف الأجناس الأدبية . أني لا أخضعه للمناهج النقدية الغربية التي تجنح للنظرية و …تهمل النص و هو ما ينجر عنه تجفيفه من الرواء الأدبي ؟ . و إنما أحاول دائما خلق ألفة بيني و بين النص موضوع القراءة . من خلال مداعبته , و مطاردة كل جميل فيه و في كثير من الأحايين مشاكسته , قصد إجباره على البوح بما لم يبح به ؟ و هي العادة نفسها التي أود تطبيقها على مجموعة القصائد الشعرية لديوان ـ شهادة ميلاد للشاعر والإعلامي الكاتب الصحفي إبراهيم قارعلي .

ظاهريا الديوان هو عبارة على مجموعة من النصوص الشعرية وظف فيها الشاعر تقنيات القصيدة الحديثة التي عرفت رواجا كبيرا عند الشباب ….ومثل هذا المنحى من الشاعر لم يكن اعتباطيا, وإنما لغرض فيه من الصواب ما يكفي للتقرب من جيل الشباب الراهن و الغاية كل الغاية من ذلك لعرض رؤاه و أفكاره و أحلامه . وللتذكير أيضا : قراءتي سوف لا تنصب في شكل القصيدة ؟ . و انما تتجاوزها الى باطنها .

و أنا اغوص في عمق قصائد الديوان تكونت لدي قناعة لا تشوبها شائبة … أن الشاعر إبراهيم قارعلي يحاول التقرب من محاكاة الحب و الحكمة و الجمال في نصوصه . و المحاكاة حسب تفسير المعلم الأول الفيلسوف أفلطون و تحديدا في محاورته مع “مينون ” ؟ حيث يفيد أن : المحاكاة تعني العلاقة الثابتة بين شيء موجود ونموذجه , و التشابه بينهما يمكن أن يكون حسنا أو سيئا , حقيقيا أو ظاهرا . فحين تحاكي طبيعة الأشياء بالحروف و المقاطع و الكلمات و الجمل تكون المحاكاة حسنة اذا دلت على الخصائص الموجود و سيئة اذا تجاوزت هذه الخصائص ؟.

و أنا أقتفي آثار الشاعر إبراهيم قارعلي عبر نصوصه الشعرية والتي عنونها بـ : الطفل , شظايا , نزيف الحنين ـ قصد الوقوف على كيفية تطور المحاكاة في نصوصه لاحظت أن الشاعر تصور الموجود المتمثل في الأم رحمها الله , التي حاول محاكاتها بالحب , محاولا البحث عن مثالية له فيها بقوله :
غدا يكبر الطفل
من غير أن ترضعيه
حليبا من الصدر بعد الحنان
غدا يشرق الطفل
كالشمس في الكائنات
ويطلع فوق الربى …
كالزنابق رغم الحصار
غدا يكبر الطفل طفلا
ولو قد حرمته منذ الطفولة
من قول ماما …
وسافرت عنه
إلى حيث لا ترجعين
بعيدا… بعيدا
إلى سدرة المنتهى
حيث لا ترجعين .

الوالدة على ما يبدو انتقلت الى رحمة الله , ومنه على ما يبدو أيضا أن مثالية الحب لم تكتمل عند الشاعر , ومنه يبقى الشاعر باطنه يتدفق بالحنان و العواطف الجياشة , فيستعيض عن حب الأم بحب موجود آخر و بعد أن يرسم ملامحه مجسدا إياه في مثالية أحلامه التي ينتظر اطلالتها من المستقبل ؟!. و كل الأمل أن المثالية التي يسعى اليها من خلال محاكاته تتجسد في الواقع فبعد أن يرسمها و يصورها يحاول الشاعر التناعم معها و التجاوب معها عبر عدة مقاطع نلخصها في التالي :
كوني شظايا القلب
في قلبي …
وكوني أحرفا حمرآ
بين الشفاه
واغسلي الذكرى
بالدمعة الحرى
ما أنت إلا بعض آهاتي
سرعان ما تنحل
في روحي وفي ذاتي
يكفيك …تكفيني جراحاتي
يا ليتنا نطوي المسافات …

مثل هذا التسلسل في البحث عن الحب المثالي الذي عرف تصاعدا متعثرا بفقدان الأم و حرمانه من حنانها يحاول الشاعر التوسل اليه دائما ..و تبعا لإيقونات لها مخفيات في توظيف حبه الجديد و على الرغم من صعوبة المجهودات التي يبذلها فجأة يترآى له أن هذا الحب الجديد ليس هو المثالي الذي يريد في محاكاته بحكم أن الآتي من القصائد يعطي انطباعا آخر و مذاقا آخر لحبه المثالي و الذي يتوسل اليه تارة بأمه و طورا بفارسة أحلامه و هو ما يكشف عنه في هذه المقطوعة الشعرية :
أنت…
يا أنت
كما شئت وداعا
إنني سافرت وحدي
منذ آلاف السنين
واتركيني اليوم أسقي
بدمي كل الشجون
واقطفي ما شئت
من ورد تندّى بالحنين
إن جرحي قد نما …
في القلب مثل الياسمين … !

و على ضوء مواصفات و خصائص المحاكاة دائما و التي تتلخص في الشيء الموجود و مثاليته ؟ يشد الشاعر الرحال حاملا في لواعج صدره جراحا لم تبرأ .. و روحا متعبة بالمآ سي , و هو على هذا الحال , من قمة الوهن و الضعف الذي يصفه أجمل وصف في النص السالف الذكر حيث يجبر القارئ على استعذاب الدمع معه في أكثر من صورة شعرية ومع ذلك لا يستسلم .. بل يحاول التماسك بعد كل هذه الانهيارات و الانكسارات الى الحد الذي يتحول فيه الى رومنسي …المذهب الجمالي الذي يفسره ـ الكاتب الألماني هيني 1797 -1856 حيث وضع تحديدا للرومانسية والتي هي مذهب الانطلاق ، مذهب العاطفة والحرية المذهب الذي يطير بأجنحة قوية في عالم الرومانسية غير المحدود وهو بذلك يوجب على الأديب أو الفنان أن يجعل الرمز أهم أدواته ,,, !…

و كما هو متعارف عليه : حيثما وجدت العاطفة هناك حب .. ! هو فعل مسلّم به … و متى كانت ينابيع هذه العاطفة على الدوام متدفقة مثل الأنهار يبقى أيضا الحب من سماته التجدد و التعدد …. ! والقارئ الضمني لقصائد الشاعر إبراهيم قارعلي يتحسس مثل هذا التجدد و التعدد في نصوص الديوان ” شهادة ميلاد “… حيث بدأ هذا حب مع الأم و تماشى مع البحث عن مثاليته في فارسة أحلامه القادمة من المستقبل و في خاتمة الديوان تنتهي رحلة بحثه في دائرة الوطن ومن سوء حظ الشاعر أنه عندما فتح عينيه عليه و جده مثل الطير المذبوح نتيجة الحرب الأهلية التي عرفتها الجزائر في التسعنيات من القرن الماضي و هذه عينة تكاد تؤرخ للتفاصيل المرعبة في المقطع التالي :
هو الجرح …
يمطر مثل الشتاء
بفصل الربيع
وتلك الورود التي طلعت
من هنا وهنالك
قد ضمختها الجراح
وذاك الندى
ينزف اليوم مثل الفؤاد .

و مالفت انتباهي في هذاالمقطع هو لعبة الجرح أو ثنائية الجرح ( جرح الشاعر ,جرح الوطن). ترى هل ينجح الشاعر في خلق الألفة بين جرحه و جرح الوطن ؟ وهل يقتنع بخوض مغامرة أن في شفاء جرحه يشفى جرح الوطن ؟ أم أنه سوف ينصب العداء بين جرحه و جرح الوطن ؟ معتبرا أن اسباب جراحه مصدرها جراح الوطن ومنه يكون المنفى و الى الأبد ؟! .و هو ما يلخصه في هذا المقطع الشعري من قصيدة الجرح و السنبلة :
هو الجرح جرحك أنت
فكيف يداوي الجريح جريحا
وهذي الجراحات …
قد أثخنتنا معا في الربيع .

و في خضم فوضى الوطن و انقلاب سلم القيم الإجتماعية يعبر الشاعر عن هذا الواقع بصورة شعرية بليغة فيها الكثير من الحكمة مفادها :
أنا
ربما …
لم أكن رجل المرحله
تحاصرني مقلتاك
تطاردني الأسئله
لماذا …
هي الأرض يا وطني
لم تعد تعشق السنبله.

و أضع مليون خط أحمر على هذه الجملة : ” هي الأرض يا وطني.. لم تعد تعشق السنبله “.العبارة تلخص لنا الواقع السياسي و الاجتماعي و الثقافي للجزائر أجمل وصف نعم كل شيء تصحر و صار الوطن مثل السبخة التي لا تنبت شيئا فحيث ما تولي وجهك هناك البوار و الرداءة فأين المفر ؟إ ومن أين بالحيلة لتغيير الوضع من حال الى حال ؟. الاجابات على هذه التساؤلات نجدها في القصيدة المعنونة بـ ” راهبة المدينة” حيث يقول الشاعر إبراهيم قارعلي :
رويدك راهبة القلب
لا يخدعنك هذا الحصار
غدا ينجلي الليل
يطلع منه النهار
ويفرح بالصبح كل الصغار
وكل الكبار

على ما يبدو ختامها كان مسكا كما يقال لأن الشاعر في خاتمة ديوانه يعدنا بأفق جديد و حياة رغيدة و ربيع خال من الجراح و كل تمنياتنا أن نبؤة الشاعر تتحقق . و أخيرا و ليس آخرا ووفق رؤى ” افلطون” في محاكاته تتأكد لنا فرضية أن حب الشاعر فيه الكثير من الحكمة و قد أشارت الى ذلك مقدمة الديوان الناقدة الأدبية ـ أم سهام ـ في إشارتها الخفيفة بقولها ـ الكلمات عند الشاعر إبراهيم قارعلي سنابل أينعت وأزهرت وقد تختلف ألوانها وعطورها في الشكل والمضمون، لكنها تعبر كلها في تجلياتها الصوفية عن أحاسيس قلب مرهف، تعبر بصدق عن معاناة الإنسان.

 

 

 

 

 

——————————————————————–

* جمال غلاب ( ناقد من الجزائر )

اترك تعليقا