ماذا تبقّـى ..؟ …/ خيرة بغاديد *
بواسطة مسارب بتاريخ 15 أبريل, 2013 في 11:14 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1133.

 

ماذا تبقّى من هذا الليل الذي لا يستوفي مواقيته؟، غير صدى ذكرى حارقة وشوق موجع لذلك الذي مرّ خلف الأزمنة يرتّل مواويله على شرفة الانتظار.

كنت أراه منتصبا بقامته الذابلة، واقفا يتوسد جدارا أتخيله ساقطا عليه بين لحظة وأخرى، وأنه سيغدو ركاما أو جثة منهكة، لكن لم يسقط الجدار، وإنّما سقطت أحلامه، ولم يعد الواقع يغنيه عن تلك الرغبة الجامحة في بلوغ بعض المبتغى، وإدراك المشتهى من عطر الرياحين والزهور.

تراه قد منع أحلامه من المجىء، وكبت رغبته، وفصل بين الواقع والحلم بذلك الجدار الذي يعلو أمامه أو خلفه.
العالم يسقط ولا يسقط ذلك الجدار، الوجوه النيرة تبرح مكانها وتعبر الضفة مرغمة وهي تتسلل من ثقوب الأمكنة الباردة.

وها.. يجد نفسه مرغما أيضا على الرحيل كتلك الوجوه..
لامكان للطيّبين هنا، ولسنا بحاجة لوجودهم بيننا، كلّ ما هنالك أنّنا نحتاجهم لنمارس طقوسنا عليهم ونغتال ما تبقّى منهم من كبرياء ونخنق أنفاسهم لنشعر بأنّنا أقوى، وأنّنا نملك ما نريد، و نحن نقبض العالم بين أيدينا.
أنت تقول وتردّد كلمات في قرارة نفسك، وحتّى مع الذين يشبهونك..
لهم العالم، الجنّة، ولي الجحيم كلّه .

لهم كل مايريدونه وما يشتهونه، ولي ما تبقّى من أحلام متناثرة بين هذا المكان، الرصيف والأزمنة المشرعة على مدينة تخنقها الأنفاس والوقت العابر في بهرجة الوجوه..
لكن، إذا رحلت ماذا سيتغيّر من هذا العالم فعلا، ماذا سيتغيّر؟
يضحك بسخريّة خفيّة كأنّه يخشى أن تصل الجدار فتزعزعه.

تراه قد أدرك الحقيقة المطلقة في أن وجوده كعدمه، وأنّ بين كلّ المقامات جحيم وجثث محنّطة تنتظر مواعيد تشييعها وزرع الأكاليل عليها.

ماذا تبقّى من هذا الليل الذي لا يستوفي مواقيته؟، غير جسد مرّ من ها هنا في خطى ذابلة، ونثر مواجعه عبر ممرّات نازفة.
هم أدركوا أنّني وجه غير مرغوب فيه في كلّ الحالات، حين حاولوا تفكيك أعضائي قطعة قطعة، وإعادة تشكيلها بنسق يجسّد مدلولاته وإيحاءاته المطلقة ، لكنّهم، فشلوا في ذلك، لأنّ أعضائي انسلخت من جلدها قبل أن تصلها الأيادي السوداء، وتلوّنها بذلك السواد وتلك العتمة.
أعضائي فككت نفسها بنفسها ،لأنّها أدركت أن الجسد إذا اكتملت بنيته تعرى في مهب الريح، واندثر في زيف الأمكنة.
لهم العالم، الجنّة، ولي الجحيم كلّه .

لايزال يردد كلماته، وقامته ذابلة، وهو واقف يتوسد جدارا أتخيله سيسقط عليه بين لحظة وأخرى، لكن لن يسقط الجدار، وإنّما ستسقط أحلامه وتضيع خطاه بين الضياع وأرصفة المدن الباردة..

 

 

 

 

 

 

—————————————————————————-

* خيرة بغاديد ( كاتبة من الجزائر )

اترك تعليقا