تحت المطر كم تُعشقين / مصطفى حفاف *
بواسطة مسارب بتاريخ 25 يناير, 2012 في 09:43 مساء | مصنفة في متعة النص | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 2941.

 

مصطفى حفاف / قاص

بعد الذي حدث لي هذا اليوم…سأتحمّلُ صُحبتك المُملّة، فالشتاءُ بِسطوته المُطلقة على المكان. لا يسمح للناي الحزين بالعزف منفردًا كنشازٍ عن إيقاع جوقته الصاخب. كنتُ حزينًا ليس لأنّك لست معي. حزينًا وفقط، بِغير سببْ فالحزنُ لا يحتاجُ إلى دعوةٍ كي يَحضُر ربّما لأنه عَالِي الأَدَبْ بِعَكْسِ الضَحِكْ. حزينًا كي لا يَتَلَبَّسَنِي فراغُ الحِيادْ، كي لا أُعاودَ السقوط في ثُقْبِ البَلَادةِ، فَمَعدتِي مَا عَادتْ تَقوىَ على هَضمِ الخَواءِ.
مِن دُونك كنتُ حرًا ومتمرّدًا على السيد: شِتَاءْ، نايًا يعزف لِجَوفِ قَصَبَتِهِ، تُهمَةٌ مَجَّانية بِإثارةِ الهُدوء للتشويشِ على الصَخبْ !!!
مِنَ المُحتملِ أن يكونَ وراء المَوضوعِ دَسيسةٌ مِنك، لا أستطيعُ لَومكِ فأنت حليفته المتواطئة بجسدها !!
فريسةٌ متعثّرة بالجليد أصبحتُ، من السهل تحديد موقعها على الرّصيف، فمن بين الجميع كنت الوحيد العاري.
قد تقولين باسمةً: كنتَ عَاريًا لأنك كُنتَ مِن دُونِي.
سأقول: نعم… كُنتُ أُدْرِكُ مَدَى هَشَاشَتِي مِن دُونك ومع ذلك مَضَيْتُ وبَقِيِتِي، بِوِحْدَةٍ تَجْمَعُنَا وتُفَرِّقُنَا في ذات الوقت.
تجربةٌ أن تكون وعاءً مُتَحَرِّكًا تُجمع فيه دُموع الشِتَاءِ، دَفَعتني لإِعادةِ النَظَرِ في مُضِيِّي…وفي الاِسْتِئْثار بِحُزْنِي.
سَأتَغاضَى عن ثِقَلِ رَأْسك الصَغير المُلتصق عُنْوة بِكفّي وبِجسدك المعلّق كعنقود.. كأنّك باقترابك تبدِّدين خوفك الأبدي من الوحدة.
دون أن تُصرّحي بذلك: أنت أملي الأخير !!!
مَقْبَرَتُك فِي أيَّامِ الصَحْوِ تُكَثِّفُ من نِدَاءَاتِهَا، تَسْتَعِدُّ لاِحْتضانِ هَيكلكِ بِشعرهِ الطويلِ كَقَامَة، تُهيئ أمكنتك المحتملة: رصيفٌ باردٌ، زاوية مُظلمة في نِهاية الممشى…
وَسيلتها في الاتصالِ بِك هي الكوابيسُ، التِي طَالما رَويتهَا لي كي أُعَبِّرَهَا… كأنّي مُخْتَص في تأْويل لُغَة المَنام وأنا العاجزُ عن تَفكيك سطرٍ مِن رِوايةٍ غَرامية !!
السماءُ صافيةٌ يَا حلوتي- وإن كُنتُ بِلا لِسان – والمطرُ فوق هذه الأرض لَن يُمارس التعقّل والتقيّد بالقوانين في وسطٍ يحترفُ الشُذوذ، وهذا ما سيمنحك عمرًا أطول.
سَيسقطُ بِتَعَجُّلِ المُنتحرِ في سَماع صَوت الاِرْتطام كآخر صوت يَحمله إلى عَالمه المُتفجّر لاحقا. ارتطاماتٌ لا يزال وجهي يحتفظ منها بِدَمَامِل حَمراء صغيرة بحجم حبّات البَرَدْ، كدليلٍ على خيانتي يوم خلّفتك ورائي وحيدةً، كم أنا جَاحدٌ… وكم أنت صبورة ومُملّة في نفس الوقت..
سَأحملُكِ بَعدُ… حتى وان كَانتِ الشَمسُ بِوجْهِهَا الأصْفر وبِابْتِسَامَتِهَا الخَامِلَةِ، تُوزّع خُبزها المجّاني هذه الصبيحة، سَخيّةٌ هي لَكنّي لا أثق بها فالشتاءُ لا يَزال طَوِيلاً.

 

 

/

 

 

 

 

 

* قاص من الجزائر 

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. ايمان علي قال:

    ابداع في قمة الرقي..دمت ..تحياتي

  2. راضية قال:

    استئثار بليغ للحرف لعب مثقل بالمعنى…. جميل جدا مصطفى

اترك تعليقا