قد كانت للأستاذ الإعلامي محمد بغداد الشجاعة والجرأة على طرح مسألة ما يسميها ب”الإنقلابات في الأحزاب الجزائرية”، وذلك في كتابه “النزعة الانقلابية في الأحزاب الجزائرية” الصادر عام2013 عن “دار الحكمة” بالجزائر، وهي من القضايا التي تمس الساحة السياسية اليوم بشكل كبير، ودارت حولها الكثير من القراءات الغير علمية وشابتها التأويلات والإشاعات في بعض الأحيان، وقبل أن أتطرق إلى الكتاب فغني اشير بأنني أتحفظ على مصطلح الانقلابات، وأفضل استخدام “ظاهرة الشقاقات”، والتي أعتبرها أنها ظاهرة ليست فقط خاصة بالأحزاب، بل ممتدة إلى جميع القطاعات، وهو ناتج عن ظاهرة التكتلات بما فيها نوادي كرة القدم والجمعيات الثقافية وداخل مختلف المؤسسات، وقد أعتبرها البعض من الأكاديميين بأنها خاصة بالمجتمعات الأمازيغية التي يصعب التحكم فيها والتي لا تعترف بالقيادة، وسرعان ما تثور عليها، لكن هذه الفرضية تحتاج إلى بحوث أكاديمية عميقة، وهي التي لا نراها للأسف في جامعاتنا، ولم يطرح هذه الظاهرة سوى إعلامي بدل ما يطرحها أيضا علماء الاجتماع السياسي ما دام أنها تخص الأحزاب، لكن يجب الإشارة إلى أن عالم الاجتماع الوحيد التي تناولها بشكل غير معمق هو ناصر جابي في كتابه” لماذا تأخر الربيع العربي في الجزائر” عندما تطرق إلى الممارسة الديمقراطية في الأحزاب السياسية الجزائرية مركزا فقط على ثلاث أحزاب هي ” جبهة التحرير الوطني و” حركة مجتمع السلم” و”جبهة القوى الاشتراكية”، وأعتقد أن هذه الظاهرة يجب أن يتناولها الأكاديميون في إطارها العام الشقاقي أو ظاهرة الشقاقات في المجتمع الجزائري، ويجب أن يساهم فيها الإعلامي وعالم الاجتماع السياسي والمؤرخ وعالم النفس، وهو ما يطرح أمامنا مسألة العمل الأكاديمي الجماعي المتعدد التخصصات والمنعدم في بلادنا والتي يجب أن تشرف عليه الجامعات ومراكز البحث المتعددة بهدف تعدد الرؤى والتوصل إلى تفسير علمي للظواهر وإيجاد حلول لها على أساس أكاديمي .
ويبدو من خلال قراءتنا للكتاب بأن محمد بغداد أراد في الحقيقة العمل على تبيان العقل السياسي الجزائري من خلال هذه الظاهرة، وهو نفس ما فعله محمد عابد الجابري من خلال البحث في العقل السياسي العربي، لكنه أخفى الحديث إطلاقا عن الجابري، وكان بإمكانه الاستعانة به من خلال ما توصل إليه من فكرة التفاعل والتأثير الديالبكتيكي لثلاثية العقيدة والقبيلة والخراج أو الريع كمحددات للعقل السياسي العربي، وقد حاول محمد بغداد التأسيس لهذا العقل السياسي الجزائري من خلال أزمة الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية عام 1953 التي نشبت بين المصاليين والمركزيين، كما فعل الجابري بالاستناد على دولة الإسلام الأولى مروا بالفتنة الكبرى.
لكن طغى على عمل بغداد الجانب الإعلامي في طرحه للقضية، فكان من المفروض أن يوصف لنا الظاهرة جيدا، قبل دراستها، ويبين لنا لماذا أختار هذه اللحظة التاريخية وليست أخرى، ثم يقارنها بما يريد التأسيس عليه، وهي أزمة الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية عام 1953، والتي يجب أن يفصلها تاريخيا من كل الجوانب وعدم الاكتفاء بالإشارة إليها، لكن نجد له عذرا في ذلك لأنه طرح المسألة من جانب تخصصه البحت، مما يتطلب كما أشرت سابقا إلى التعاون مع مختصين آخرين.
ولو م قام بذلك لتبين له بأن لا علاقة إطلاقا بظاهرة الأحزاب اليوم بما حدث في الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية آنذاك، فمناضلو هذا الحزب كانوا مقموعين ومتابعين، وليست أمامهم أي غنائم يجنونها، بل لم ينتظر منهم إلا التضحيات، ويبدو أن الخلاف لم يكن على ريوع ومكاسب آنية عام 1953، بل كان الاختلاف حول لا نقول أفكار بل حول الأساليب الفعالة لتحرير الجزائر من القبضة الاستعمارية، أما اليوم فإن الصراعات تدور حول ريوع ومصالح ضيقة جدا لا علاقة لها بمصير الجزائر ومستقبلها، ولهذا اختياره للحدث التأسيسي لا علاقة له بما يحدث في أغلب هذه الأحزاب اليوم، والتي تحولت إلى أداة للترقية الاجتماعية فتحولت إلى وكر للكثير من الانتهازيين والمتملقين، ويشبهون في الكثير من الأحيان بي ويوي في العهد الاستعماري، وكنا نفضل أن يتناول كلحظة تأسيسية أزمة صيف 1962 لأنها ارتبطت بمن يأخذ السلطة ويستفيد أكثر من فوائد الاستقلال.
كما أن هناك أمورا غابت عن الإعلامي بغداد كان من المفروض أن يوضحها وهي ظاهرة الحزبية في الجزائر، فهل عندنا أحزابا فعلا بالمفهوم الحديث للحزب، كما أنه ركز كثيرا على أحزاب التحالف ومنها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم، لكن لم يوضح لنا هل ما يسميهما الحزبان الأولان الآفالان والآرندي هما أحزاب فعلا أم أجهزة تستند عليها السلطة في الجزائر مهما كان لونها وأيديولوجيتها وشكلها، وبالتالي لم يتطرق إلى أن الكثير ممن يسمون بمناضلي هذه الأحزاب هم مجرد انتهازيين يتسابقون على القصعة والريع والمناصب والترقية الاجتماعية، ولم تحركهم يوما الأفكار والمبادئ والبرامج بل تحركهم المصلحة الضيقة جدا، وعلى رأسها الريع، لأن أغلب مناضلي هذين الحزبين قد أيدوا سياسات متناقضة، وكم كنا نفضل من محمد بغداد أن يطرح أمامنا مسألة جوهرية أخرى وهي ظاهرة “الانتهازية” في الجزائر التي حطمت العمل السياسي الشريف، وأصبحت أكبر خطر يهدد الدولة والأمة الجزائرية، أما بشأن حمس فهي في الحقيقة أقرب إلى جماعة دينية تدور حول الشيخ، ويغلب عليها النقاشات الدينية، وليست حزبا سياسيا حديثا بأتم معنى الكلمة حتى ولو حاولت أن تظهر بمظهر حزبي سياسي لكن في جوهرها وعمقها أبعد عن ذلك بكثير، وهذا يحتاج إلى دراسة علمية جادة للأحزاب التي تعتبر نفسها بأنها “أحزابا إسلامية”.
إن النقطة التي أسس عليه طرحه، وهي أزمة 1953، يمكن أن تنطبق في جزء فقط على بعض الأحزاب ومنها بالأخص حزب جبهة القوى الاشتراكية التي كان سبب الانشقاق الأخير، هو حول أسلوب التعامل مع السلطة والدفع إلى هدف محدد هو الانتقال الديمقراطي في الجزائر، كما كان في أزمة 1953 حول أسلوب التعامل مع السلطة الاستعمارية ودفعها إلى الاعتراف باستقلال الجزائر، ولكن بشكل عكسي، لأن مصالي هو الذي أتهم المركزيون بالتماطل والتعامل مع جاك شوفاليي مقابل مكاسب مادية، لكن في حالة جبهة القوى الاشتراكية كان الاتهام من المنشقين ولو أنهم حرصوا على تبرئة آيت أحمد من سلوكات القيادة التي عينها هو نفسه، خاصة وأن آيت أحمد في نظرنا قد أعاد نموذج مصالي داخل حزبه من خلال ظاهرة الزعامة وصاحب القرار الأخير وعبادة الشخصية التي ينظر إليها دائما أنها معصومة.
كما أشار بغداد بشكل غير مباشر إلى صراع الأجيال داخل هذه الأحزاب التي تناولها، وهو ما يشبه أزمة 1953، لكن لأسباب غير متشابهة، لأن أزمة الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية تعود في الحقيقة إلى التغيير الذي مس التركيبة البشرية للحزب بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنخرط فيه بشكل كبير مجموعة شبانية متحمسة للعمل الثوري والتضحية في سبيل تحرير الجزائر، مما أدى إلى حل أزمة صراعها مع الكهول المؤسسين إلى إنشاء المنظمة الخاصة التي ستشعل فتيل الثورة فيما بعد، وتتدخل لفك الخصام الثاني عام 1953 بين المركزيين الذين ما هم في الحقيقة إلا المثقفين وخريجي الجامعات الفرنسية الذين انخرطوا في الحزب بعد 1945، وكانوا يحملون أفكارا حداثية، وأرادوا تحديث الحزب وأيديولوجيته بدمقرطته، وإعادة بنائه على أساس مؤسسات، وليست حزبا مشخصنا في الزعيم مصالي، لكن خطاب المركزيين لم يؤت أكله بسبب أركائكية المجتمع الجزائري، ويبدو هذا ما نعانيه منه إلى حد اليوم، مما يطرح أمامنا مسألة الحداثة التي هي ضرورية لبناء أحزاب بأتم معنى الكلمة تدور حول الأفكار والمبادئ، وتحل الخلافات مؤسساتيا وبالأساليب الديمقراطية السلمية، وليس بالتنازع والانشقاقات والعنف.
كما لم يسأل بغداد نفسه هل الظاهرة التي حاول رصدها وفهمها هي ظاهرة ثابتة في مجتمعنا أم أخذت شكلا فولكلوريا منذ حوالي سنوات محدودة فقط ، مما يجعلنا نقول أن الإنسان العامي يدرك ذلك جيدا، عندما يتهم أطرافا خفية وراء هذه الظاهرة لحسابات سياسية ضيقة جدا، ولعلها تفتيت الساحة السياسية أو تشويه العمل السياسي في الجزائر أو أهداف سلطوية ضيقة جدا.
ونشير أيضا أن محمد بغداد لم يدرس بدقة الظاهرة الحزبية في الجزائر الذي أراد أن يطبق عليها نظريته التأسيسية، فهل هذه الأحزاب أحزابا حقيقية ولدت ولادة طبيعية أم أن أغلبها مصطنعة، أو كما يسميها هو “مغشوشة”، ولهذا كان من المفروض أن يعزل الأحزاب الحقيقية وهي قليلة جدا عن الأحزاب المصطنعة، ثم يوضح جيدا أزمة 1953، ويطبقها فقط على الأحزاب الحقيقية، ويقوم بالمقارنة، كي نصل إلى فهم الظاهرة إن وجدت فعلا في الأحزاب الحقيقية التي إن اختلفت فحول المبادئ وأساليب تحقيق الانتقال الديمقراطي السلمي في الجزائر، كما كانت الخلافات في الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية حول أساليب استرجاع الاستقلال، كما يجب استبعاد الأحزاب ذات الطابع الديني من مقارنتها بأزمة 1953، لأنها جماعات تتحكم فيها ذهنية الشيخ، ولعل الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام هي التي يمكن أن تفسر لنا انشقاقاتها إن كانت تنظيمات حقيقية وليست مصطنعة.
وفي الأخير يجب أن نشكر الأستاذ محمد بغداد على طرحه مسألة مثل هذه كما فعل أيضا لمسألة الفتاوي فيما يسمى ب”الربيع العربي”، لكن يبقى طرحه إعلاميا، وهو أمر طبيعي، وبحاجة إليه، ويجب التعاون مع تخصصات أخرى لكي نقترب أكثر من تفسير أقرب إلى الموضوعية لهذه المسألة، وهو ما يعيد طرح مسألة البحوث العلمية والأكاديمية المرتبطة بالدولة والأمة والمجتمع التي هي غائبة في جامعاتنا، وازدادت تغيبا بانعدام مراكز البحث والتفكير والدراسات الاستراتيجية التي يجب أن يستعين بها السياسي وصانع القرار كما هو معمول به في البلدان المتقدمة، فمثلا الولايات المتحدة الأمريكية تصنع سياساتها وقراراتها الكبرى أكثر من ألف مركز بحث ودراسات استراتيجية .
—————————————————————————-
* البروفيسور رابح لونيسي ( جامعة وهران – الجزائر – )




thank