كثيرا ما يشغلني السؤال : كيف يوفق الصحفي بين الكتابة الصحفية، بما هي آلية للوصف الدقيق للواقع، وبين الروائي الذي يعتمد الوصف الرقيق له. فبين الأسلوب الدقيق والأسلوب الرقيق مسافات كبيرة لا يستطيع عبورها إلا ذوي الرؤى الثاقبة التي تمتلك القدرة على التمييز والتقدير والتحكم في مسارات السرد. ولعلنا نستطيع استصدار هذا الحكم، عند انتهائنا من قراءة روايتين متميزتين “هلابيل” و”الحالم” للروائي الجزائري سمير قسيمي اللتان تضعنا حقا في سياق الازدواجية الوظيفية عند هذا المبدع، الذي يطل علينا من خلال دقة الأسلوب ورقته كروائي بامتياز.
فالقارئ لهذين العملين، لن يخطئ الطريق نحو الكشف عن عبقرية الرجل أسلوبا وقدرة على صنع أفضية مختلفة، تتداخل فيها الكثير من العوالم والأحداث والحكايات الصغرى المليئة بالغرابة . إضافة إلى ذلك لن تخطئه حاسته القرائية نحو اكتشاف قدرة الرجل في السيطرة على نصوصه، من خلال تسييج عمله بإمكانات التخييل السردي المحفز على التشبت بفعل القراءة والاستمرار فيه. متذرعا بما يستميله نحوه من جماليات مبثوتة هنا وهناك، تستطيب فعل القراءة وتصنع لذتها وشغفها، بما تتضمنه من عناصر التشويق والإثارة.
سنقتصر هنا على نص “هلابيل” الذي يمدنا بمادة غنية بهذا المنجز السردي الطافح بدلالات الترقب والانبهار. فهذا العمل يتيح لنا إمكانية إنتاج قراءة معاودة ومنتجة للدلالات الخفية والمتوارية عن التمظهر الخطي، والقابعة في ثخوم المقول، سواء سردا أو وصفا، مما يتيح للنص الامتاح من موارد جمالية كثيرة أهمها جمالية المكان.
لكن وقبل الغوص في تذوق هذه المنجزات المكانية والجمالية النصية، نشير هنا إلى خاصية نزوع الروائي إلى تأثيث عمله بمختلف الممكنات الإبداعية الحديثة التي تساوق في أدبيتها أحدث التقنيات السردية، فالشخوص والأزمنة، ومحتوى المنجز، يتماهون مع الموقف الروائي المتشابك والمتداخل مع حمولات الذات، ودلالات السياق. إذ تكشف القراءة الأولية للنص عن أننا بإزاء عمل تتداخل فيه بنياته الدالة، مجموعة من الأحداث التاريخية والسياسية، – قضية الصحراء- وتتعالق في شبكته العميقة الكثير من الرموز – قضية الجسد – والعديد من المعطيات التي لم يسبق لروائي أن اقتحمها من قبل لنزوعها إلى الغموض والتستر.
لنعد إلى رمزية المكان بما هو كيان فني خاص، يحمل دلالات الواقع وعلاماته. لنجد أن سمير قسيمي يخلق له صورا مجازية بعيدة عن المحاكاة الحرفية، إذ ينسج به وبالشخصيات التي تؤمه وتسكنه، علاقات وثيقة. لكن ذلك يأتي طبقا للتصور الذي يرى أن المكان هو تداخل بين كائن منفتح وآخر مغلق أو كما يقول باشلار” الداخل والخارج اللذان يشكلان جدلية تبهرنا لدى توظيفنا لها في الحقول المجازية ” إن ثنائية الداخل والخارج توجد في هلابيل بقوة، إذ يمكن عكسها عن طريق علاقة الذات الساردة بالمكان المنقول. فالذات تمارس انفتاحا لا مشروطا على ما تنقله، والمنقول “بن يعقوب” يسكن السارد، وهكذا تحتدم علاقة الذات والمكان في الكثير من الأفضية والسياقات المتوشٍّحة بالاستعارات والأخيلة. ولا تنحصر الثنائية هنا على نقل ارتسامات الداخل عما يتجسد خارجيا، إذ تتأسس أيضا على تقنية الحضور والغياب التي يمارسها المكان نفسه داخل النص. فالمقصود بالحضور هو الظهور الصريح لبعض الأمكنة، أما الغياب فيعني تواريها الضمني عن بنية المقول، بالشكل الذي يجعل المتلقي يستنفر قواه القرائية لتحديد الغائب المتواري، وفي ذلك تتجسد متعة القراءة عنده. فكيف يتم ذلك على مستوى النص؟
المكان ودلالاته :
يتوزع الفضاء المكاني في “هلابيل” على مساحة ورقية تمتد من البداية العمل إلى نهايته. لذلك يتسم حضوره بالزخم والتعدد والاختلاف. فمن فضاء الصحراء القاحل والمتسم بالعسر والجذب والضياع، حيث الثكنة والمخيم، إلى فضاء المدينة حيث العمارات والشوارع والأسواق. وبين هذا وذاك يوظف قسيمي تقنيات التحويل الجمالي للمشاهد البصرية إلى الرؤى الخيالية المبدعة، هكذا يقف متلقي العمل متأملا عمق التعدد والاختلاف، مدركا بحسه القرائي ما لهذا التعدد من قيمة جمالية وأثر على جهازه الإدراكي، فلو أن الروائي اشتغل على فضاء واحد – كما هو الحال عند الكثير من الروائيين الذين قصروا عالمهم السردي على الفضاء المديني محمد برادة مثلا – لأمكننا القول إن النص يشع بدلالات الارتباط العضوي والنفسي بالمدينة كمتنفس للكاتب، لكن والأمر يعكس أفضية متعددة الحضور، ومتباينة الامتداد الجغرافي والوجداني، فإن هذا سيكون بالنسبة للقارئ حافزاً نحو إمكانية تقليب دلالات الصور والحفر في الحضور الرمزي لكافة الأمكنة الموجودة. لنحدد فضاءين من هذه الأفضية ” فضاء بن يعقوب” و”فضاء الرابوني” لأهميتهما في بنية النص الدلالية.
فضاء بن يعقوب:
يشتغل فضاء بن يعقوب في هلابيل على دلالة رمزية قارة هي السكون. فالمكان ثابت لا يتحول. وهو بذلك يعكس توقف الحياة أي الموت بما يحمله من دلالات القبح والفناء ” ثلاثون عاما ولا شيء في بن يعقوب تغير، ما زالت منازل الطوب من طوب وما زالت الوجوه السوداء سوداء، حتى في الأرض التي لم تنبت شيئا غير التراب، ظلت على حالها، لا الزفت ولا الاسمنت سترها، بقيت كعهدي بها منسية، تتلذذ في نكران ذاتها” ص 46
إن المكان هنا يحمل رمزية الموت، بل إنه يشع بدلالاته، يدلنا على ذلك توظيف الكاتب ما يومئ إليه صراحة أو ضمنا، فالطوب والسواد والتراب كلها علامات تدل على ظلامية الموقف من المكان الذي سيتحول عند قسيمي إلى رمز للفناء والعدم “هناك حيث اللاهناك ” ص 47. إنه العدم واللاوجود اللذان يفجران في نفسية الكاتب هذه الدلالات الرامزة إلى الرغبة في إعادة تشكيل المكان برؤية التغيير والتجديد، لكن بالحرص على التشبث بالجذر والرائحة، إن للمكان هنا خاصية إنسانية حيث يصبح جسدا تفوح منه الرائحة التي هي في الأصل رائحة السارد ” ولكنني وأنا أدخل بن يعقوب عاودتني رائحتي”
هناك ارتباط شمولي بالمكان وتوحد وجودي به، من حيث كونه مصدر الرائحة التي تحدد هوية الإنسان وتحدد معالم شخصيته الثقافية والنفسية والحضارية. فالسارد لا يعود لابن يعقوب من حيث هي مكان جغرافي فحسب، بل من حيث كونها أرضا تند وتبعث روائح الانتماء والتجذر، فتكون بذلك علامة دالة على الهوية الحقيقة للإنسان وعلى جذره الحقيقي مهما بعد وابتعد” فحسبت أني عدت كما كنت قبل رحلتي تلك، رجلا بلا ذاكرة، بلا جذر، بلا رائحة..” ص 51
فضاء الرابوني
إذا كان فضاء بن يعقوب غزيرا بدلالات الانتماء والتعلق بالجذور والهوية، فإن فضاء الرابوني على العكس من ذلك جاء مكتظا برموز الارتماء في الوحشة والضياع، نلاحظ ذلك من خلال اللغة الموظفة في رسم شعور الداخل إلى هذا الفضاء المقفر، حيث نستشعر انفعال اللغة في حروفها وكلماتها وأبعادهما الصوتية، والتي غلبا ما تأتي في صيغة الصدمة والانفعال ” لم تكن الرابوني مدينة ولا ضاحية، لم تكن قرية في الريف، ولا واحة في الصحراء، كانت كل ذلك دون أن تكون أيا منها، هي صفعةٌ لتحضُّر تحاول أن تلجه وضرب في قفا الصحراء الطيبة، أبنية لا تجمعها هندسة تمنحها هوية ما(…) ترجمة إسمنتية لما أنا عليه، جسد بلا روح هوية أشعر بها دون أن على إمساكها …وعوض أن تضعني، بصقتني كما بصقت السياسة هذا المسخ المسمى الرابوني..” ص89. ليتأمل معي القارئ عنف اللغة المستعملة هنا، المنفعلة بمشهد الضياع المكاني والتمزق النفسي الناجم عن هذا الضياع. فقد أشرنا سابقا أن قسيمي لا يفهم المكان بصيغته النفعية الفنية التي تعني صب المواقف في القوالب المكانية الجاهزة، بل يختار المكان الواقعي اختيارا دقيقا، نابعا من تصور نفسي وإنساني، لهذا السبب نجد اللغة الموظفة تمارس عنفها اتجاه القارئ عل الأقل تجعله في حالة انبهار مما يقرأه ” بصقتني .. هذا المسخ..”
إن تلقي نص هلابيل يجعلنا حقا في صلب الدهشة: هناك فعلا ما يعرف في نظرية القراءة باهتزاز أفق الانتظار وتشوشه جراء ما تولده لدينا القراءة من مشاعر الغرابة الناتجة عن عنف اللغة ودلالات الأمكنة التي ترسمها. فالمكان في هلابيل صفعة مؤلمة على قفا الصحراء الطيبة، خليط هجين من الأبنية والخيام، بين الاسمنت والتراب، إنه المسخ المشوه. وفي هذا ما يرمز الى عمق مأساة الارتباط بين جسد يعيش المكان في بعده الحضاري والثقافي ، وبين جسد يعيش الانفصام عن جسد مصنوع جراء ألاعيب السياسة ومكرها..
يجنح سمير قسيمي إلى تعرية الذات والتأليف بين المتباينات وصياغة الاختلاف، انطلاقا من امتلاك مدهش لآليات الكتابة الروائية وتقنياتها المتمثلة في صياغة الحالة/ الحدث صياغة مُدقّقة غير مُجملة، ومُفصِّلة لجزئيات اليومي دون التباس في علاقة الموقف بما يصدر عنه من فعل قولي. فالرجل يدقق في تحولات الواقع، ويصنع عوالم التحول السردي بناء على رؤية شمولية تزخر بتنوع مشاربها الاجتماعية والسياسية. نقول هذا ونحن نجزم أن القارئ سيقف عاجزا عن فك شفرة العلاقة بين المكان ورموزه ودلالاته.الا اذا كان مدركا لفلسفة الكاتب في بناء مواقفه الروائية.
————————————————————–
* الدكتور مصطفى شميعة ( ناقد واستاذ جامعي من المغرب )




