أعراس الطبيعة في (أوجاع باردة*) – بقلم :أحمد مكاوي
بواسطة مسارب بتاريخ 21 أبريل, 2013 في 05:41 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2002.

 

« رمى صندل حزنه إذ ضاق به ، وانتهى رقصة في الحفاء، يدور ، يشتت أعضاءه موجة ، ويكسر ما قد بناه قلاعا . يثور يلم حقائب  غيم على صدره . يدخل قارورة في الغياب ويكتب سرا خفيفا عن اسمه , عن وردة تتثاءب شكل الحفيف ، فتلمس  غابة عينيه ،قيد السماء ، ثم ندى ترقد فوق براري الإناء . وعن صمته ، عن صورة تتساءل معنى الهواء فتنفخ في صدره !»                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   محمد بن جلول (أوجاع باردة ص37)

 

 

الشاعر الجزائري محمد بن جلول (محمد عبد الوهاب) في أوجاعه الباردة يتكئُ على طفولة تعمدت بندى الطبيعة وتفيات رؤاها، الطبيعة عنده في عرس دائم منذ أن بدأ يعي من حوله الأشياء ، وانطلق يتحاور معها بحواسه ، مناغيا ، ومغنيا ، وشاكيا ، فجاءت كل مشاعره ملونة بألوانها ، غازلا  منه كل صوره  صانعا منها لغته المتشحة بالألم والوجع والقلق  ،  و نستطيع أن نفهم كيف سرى القلق لهذا الفتى فانتشر في ديوانه  من قوله :

 

«تفتح أمي الصباح

كآلهة

ثم تحنو إلى الله

تقرأ،

سورة القلق»(ص7)

 

هذا القلق الذي حفظه من أمه / الطبيعة هو موزع في كل صورة وكل كلمة في الديوان ، يمسك بيدك متجولا .. قلقٌ لا يبعث على الكآبة بل على التأمل والسؤال   والمتعة.. نعم المتعة التي يولدها تجاور الحسي والمعنوي في ألفة يشكلها(أنا) محمد المتصل / المنفصل عنه في حوار يخفت صوته حينا ويرتفع أحيانا لندخل في جدل معهما منتصرين للجدل أكثر منه لأحدهما !

هذه الأم التي«صمتها المزهر في الأغصان، و وشوشات أصابعها» ، هي نفسها الطبيعة التي أقام لها محمد أعراسا تنطلق من رؤيا رومانسية  غير حالمة لأنها واقعية جدا فمحمد لا يصنع عالما متوهما يعيش فيه بعيد عنا لأنه ملتحم بنا بوجعه.

يقول :

 

«أأنا

وقلبي الصخرة،

و العشبة ،

والماء

قلبي الله يبتسم،ضياء سماء»

وهو هو محمد«…المتناثر شجرا ،

…المنتشر.»

 

فلا غرابة أن يخاطب بعد ذلك أباه يعلمه كيف يتصرف:

 

«مثل جريد النخل حفاة ، كي تفهمنا الأرض

وتفهمنا الكلمات…!

علينا مثل صغار ، أن نتعلم

ـ حين تعلمنا الأسماء كآدم ـ

سر اللوح!

 علينا يا أبتي،

أن نجمع صلصال الحقل ، ونلم كروم الليل »

 

إنه يعرف أن  (أناه) وهو يبحث (عنه )، أو هو وهو يبحث عن( أناه) قد انطلقا من نفس النقطة .. الطبيعة . فمحمد في طبيعته يتوحد.. يغير فيها لتتغير فيه ينطلق من قلبه متجها له يحمل بين يديه طفلا  شكل صورته «كعصافير فوق غسيل الصبح » «يتسلى بالشمس» لكنه لا يكف عن طرح الأسئلة وهو يتحسس فيها أوجاعه الباردة  مخاطبا أناه  :

«من أين يعرق العشب يا صاحبي ، لولا احتضار يديك؟

ومن أين تأتي الجهات ،

لولا وراءك!

تنبت تلك الخدوش الصغيرة في الظهر ،

كالطعنة ،أو كالزناد؟»

 

ويقول له :

«وحيدا تخاف الأعالي ،وصوت المطر »

«تظل تخيط الغيوم وحيدا ،وتذرف أوجاعها الباردات!»

 «أنا لا أراك،

انتظرت طويلا ، لأسمع أصواتها الماء»

لكن الماء لم يغسل شيء بقيت العتمة رغم البياض الذي شكله الحمام  

«الظلام الظلام

حمام يحط على الماء ، ينقر في اسمك !

كلاما بنصفين ، من جهة الموت،يسطع هذا

الصرااااخ…

وتنسل أنت الأنا ،والمخبأ في الظل ،

صوب الضباب.»

 

محمد وهو ينسج كل هذه الصور المعتمة في عرس الطبيعة  التي لا تحيل لغير العراء يبحث عن السبب :

«لم نكن طيبين!

لنرى الله اقرب من بعضنا،

أو ربما في الوداع الأخير ، لم نكن طيبين ،لنرى بعضنا !»

لذلك :

«في الوراء العراء يدي ،

امسح!

لم يكن في التفتت مني ، سوى ما يعود الحمام ،

لا جهة لأظل هناك ، ولا ما تبقى لأخمد!»

هكذا تكون أوجاعه باردة كبرودة المشي في ظلام الحياة وحيدا بلا جهة «خطاها الخطيئة كالظل في الجهتين »

هكذا تكون أوجاعه الباردة:

«غريب

وأرغب عريكِ نجمه،

ضوءكِ العظمي ، في آخر الليل!

ظلكِ.

لا بر يفصلنا أعلى ،ولا بحر»

محمد وهو يخاطب /يتأمل أناه المتوحدة في الطبيعة لا يمل من معانقة الظلال والليل وحيدا إلا من البرد.  لذلك ليس غريبا أن تكون أمنيته :

 

«لو أنك الآن معي

طرفين لآنٍ

وصوبٍ

لضوء وظل في فراش العبارة!

لمنحت الحقيقة

يا قطتي ,

هدهدات يدي !»

 

ذلك أن الوحيد يتمنى آخر معه ، والداجي يتمنى ضوء ينير  دجاه !!

لكن من أين له ذلك والليل يترصده

 

«الليل المعسوس ،

بمسامير

في الأحداق،

الليل الممسوس ، بأعواد النهدين

الليل الحافي !…

يصلب في أرض الغيب

كالصبار!»؟

 

أنى له ذلك و

«ووجهه

ساحة من غبار ،

كلما حط في جهة

طار

يشرب فنجانه اللولبي جناح حمام !»؟

 

أنى يكون له ذلك و

«دبيب من النمل يسلك شارع كفيه .

لا ضوء في الغيب

يا صاحبيا

يؤدي إلى رمق في جيب سليمان

ولا إخوة لي

في عراء الجب!

فأخرج كما أنت أنت ، وحيد ذراعك والصخر

واضرب ..!»؟

 

إن محمد لا يكف عن الشكوى من الوحدة لا شيء معه سوى الطبيعة بكل مكوناتها وبكل غنجها ودلالها ، لكنه غنج عاصف ودلال جارح !!

 

لذلك يتحسس فيها حياته «…مثل جريد النخل،

مثل الجلد ,

ومثل الماء،

مثل الثلج على الأرض،

ظهر الخطوات ، وعهر الخطوات!

….»

 

أو يبحث عنها  وهي هنا استفهام كبير لكنها (هي)كي يبكي ظله القصي

«قلت سأمشي قليلا

إليك,

فأفرغ ظل السحابة فيك،

وأمطر خوفي العتيّ !

قلت سأصرخ،

أكسر ماء المشيمة في أول الضوء

عند انتشاء الهواء

وأبكي ظلي القصي!»

 

ومع ذلك فلن تكون أبهى ولا أحلى إن وجدها  إلا من خلال توحده بها وعندها لن تجد فيه شيء  فما أشقاها (هي)!!

«قلت تصيرين أبهى،

فيسقط وجهي خفيفا مع الطلع, يصنع ماء

ويشرب!

قلت تصيرين أحلى

وأعذب !

عند امتنان  الهواء ، وعند تعرُّقك الرطب»

 

فكل شيء معلق برضا ورغبة وجمال الطبيعة ، هو لا يستطيع أن ينفك عنها ومنها ،كل شيء معلق بما تريد ..

«أحاول …

والخريف يحني يدي ياسمينه

والندى حجر ,

نحت قلبي»

«كي تحط العصافير

أحاول

رسم يدي ،

ولكنها في الخريف ، تأخذ شكل يدي!»

 

محمد في هذا الديوان يقيم للطبيعة أعراسها تبرد أوجاعه،تستفز البكور ، وتوقظ الليل ، وتغري المطر ، وتدفع الهواء للامتنان وتنسرب في أعشاب الحقل ، وتتوكأ على ظل السحاب في محاولة لإغراء الفرحة المطلة من عينيها كي تكمل طريقها لقلبه.لذلك يطلب محمد من أناه المبتهل في محرابه بعد أن قال : «سأكبر كالعشب ،حتى اصفرار البقية فيّ، وأشرب ماء القصيدة حينا، وحينا لأقرأ قدح المنية!»

«خذني

ـ وأنت تعضّ قروش الرجاء،

وأنت تعد

لظلي ,

لخوفي المتكرر مثل النداء،

لموتي

أنا لا أحبك موتي!

حين أراك وحيدا تمر بوجهي!

«ليلى التي

تغسل وردَ الله

تدور بفكري مثل فراشة الشهادة»».

 

إن  قصائد   (أوجاع باردة)مشاهد في لوحة واحدة شكلتها (أنا) محمد الموغلة في الحزن والوجع تحاول التخلص من ذلك من خلال  التماهي  مع الطبيعة في تقلباتها وتلونها وأشكالها،  الثابت الوحيد أوجاع محمد التي بردت من كثرة ما مشت في جنح الظلام تحت إيقاع البرد بلا جهة ولا وجهة.

 

سيدي عون في : 19/04/2013

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*محمد بن جلول , ديوان  أوجاع باردة صادر عن دار ميم للنشر ط1الجزائر 2010

 

* أحمد مكاوي ( شاعر جزائري )

 

 

 

اترك تعليقا