ألــق القلــق في (كيمـا أهبـط الأرض مـرتين*…) – بقلم : أحمد مكاوي*
بواسطة مسارب بتاريخ 25 أبريل, 2013 في 04:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2053.

 

 

 

«ضياع الوحدة يمتد مدى

بسراب فضيع

وحدي ..ولماذا..؟؟

يا رب..إني أتعذب هل من مزيد؟!!»

(كيما أهبط الأرض مرتين…ص30 )

 

ما يميز الشاعر الجزائري موسى توامه  قدرته على التلاعب باللغة ونسج جمل شعرية ملغمة  بالمعاني ، محلقة في المجاز ، لا تشعر وأنت تقرأها بالغرابة رغم قدرتها على حملك بعيدا عن واقعك لتعود بك ومعك إلى داخل ذاتك تتجول فيها بين النشوة والحزن ، بين الدهشة والفرح ، بين الظن واليقين ، بين القلق والقلق .. إنها لغة  لا تعترف  بمحاذاة  الأشياء فقط إنها تحاورها في الصمت وفي الكلام ..

 

«الصمت زير الكلام

لذلك أغار عنك من بحته …!!!

لأن حديثك محض هراء..!!

وكل البلاغة ما تقوله أشياؤك الصامتة..!!»

 

وزير الكلام هذا هو نفسه الذي يخدش المعنى عند موسى:

 

 «للكلام مخالب ..!! فاحذري الثرثرة

ولا تعبري كأي  امرأه..

لأن أظافر الصمت أحيانا تخدش المعنى..!!»

 

لذلك نجد ديوانه (كيما اهبط الأرض مرتين…) شجرة سامقة من ثمر المجاز ،أرضها بين المنتهى ورحم الانتماء

 

«بنينا بيوتا من الدمع ، تم البناء

إن قلبي يراوح بين الإقامة في المنتهى..

وبين الإقامة في رحم الانتماء»

 

  وبينهما يكمن القلق الذي هو موسى :

 

«هو ذا (….)أعرفه !!؟؟ ينام عند عتبة القلب …

يتلصص عن غيابك كي يفتح الباب أمام الأسئلة المرة ..!!

يسمي نفسه بأسماء كثيرة ..؟؟ الغياب ..الشوق.. الشك.. الوحشة …الـ …الـ …

الـ .. أما أنا فمذ عَرَفُتُنِي سَمَّيْتُهُ (قلقي)»

 

هذا القلق هو الذي يحملنا لغواية اللغة المندفعة نحو الخطيئة التي ما تاب عنها شاعر في حياته ، خطيئة الحلم المجنح في سماء لا تعترف بغير الحب والحزن والأماني والرؤى .. هذا القلق الذي يجعل من الجرح غابة تظلل البشرية بالود والرحمة  لأن  صاحبه يمنعه عن الناس وهو المبتلى به

 

«أنا( الجيم) في الجرح ، و(الحاء) في الحرف ، و(الباء) في الإغتراب».

 

إنه بداية الجرح وبداية الحرف ومن كانت هذه بدايته لا بد أن يصل لمنتهى الإغتراب ، وبين الجرح والحرف و الإغتراب مسافة يظللها القلق..وقلق الشاعر أو الكاتب هو الذي يجعله متوهج متألق ينتمي لعالم جميل يصنعه للناس ..فيه كل ما يبهجهم حتى ولو كان ذلك سباحة في مستحيل الحلم ،  يتعمد فيها الشاعر بماء التحدي الذي يديم توتره فيدوم إبداعه!!

  هذا القلق يقول موسى :

 

«لا اكتفي …

قبلة على شفاه الذهول..!!

لقاء مستحيل

رسالة طارئة لا يقرأها هاتفي

وردة بوجه واحد تخدش وجه المسنجر

سلام بروايات مختلفة متباعدة

مكالمة هشة يحددها الرصيد

قلق ..قلق..قلق….!!؟؟»

 

قد يتبادر للذهن أن موسى قَلِقٌ من هذا القلق.. يشكو منه  ويتوجع.. لكن الحقيقة أن موسى قَلِقٌ على القلق خائف من غيابه  يترصّده في كل زاوية  ، يعبأه بما عن له من صور يصنعها ويتخيلها ، ليحمله القلق إلى روحه الممتنة له /المتيمة به .. فتخرج القصيدة عروسا تتغنج في عين قارئها بعد أن جلاها موسى في أبهى حلة !!

هذا القلق :

 

«تنحتني من رغوة الخجل

صنما كيما تلقي كاملها بين ذراعيه

تطفئ لهفتها … وتتركني احترق ..!! »

هذا القلق : «أفتش في يقين السراب

عن يقين جامح..لبلوغ الماء»

 

هذا القلق الذي يعبث في مسامات لغة الشاعر لم ينتبه فـ «تسرب حلم الحكاية بين أصابعها/ البقاء استحال إلى نجمة أفله ../ المسير استحال إلى هاوية  » لكن الشاعر في كل هذا متماهٍ في هذا الغياب (تسرب/استحال/ أفلة / مسير / هاوية) لأنه جزء من ماهيته يغيب ليحضر فيها و بها ولها. 

هذا القلق تحول عند الشاعر إلى (محطات ) «تتشابك العقد الموبوءة بالصمت ، وفي أقصى بؤر السؤال تتفجر الغياهب المنسية …/تتكسر الموجة الشاردة على شرفة القلب ../يتقلص كل امتداد على صخب الرؤية العابرة ../ تستحم الحروف …بحرقة وحدتها القاتله …/تستحيل حوافرها دقة من رذاذ الأبد… »

    لكن محطات الشاعر ليست مجرد استراحات إنها عمر يتدفق بكل ما يأثث الحياة  ..إنها ولع بالسفر الذي لا تستطيع هذه المحطات أن تمنعه ..ولا يستطيع السفر رغم متعه أن يمْحُها !!إنه التعاقب الذي يبقي للقلق  ألقه!!

القلق يدفع موسى كي يتمنى :

 

«لو مرة يفهمني الريح..

يسوق قواربي سدرة المشتهى…

أمنحه ما مضى

وحاضري..

وما سيأتي ..والمنتهى ..»

 

لكن هذا التمني مجرد أمنية لا يريد لها الشاعر أن تتحقق ، لأنها لو تحققت لانتهت القصيدة معها ، أنه تمنى بطعم التأفف من الألفة .. بطعم البحث عن حال أخرى تدفع لحالة شعرية مختلفة ..لقصيدة تقول ما لم يقله .. وهكذا تدوم الأمنية ، ولا يحصل الشاعر  منها إلا على مزيد من القلق .

القلق يدفع موسى كي يتورط :

 

«تورطت حين البداية كانت

وكان الجنون يداعب طقطقة العمر في خفية وعذاب

حين بدأت .. وحين اتكأت إلى جذع أمنية من سراب

لماذا نسافر للحب في وله ؟؟

ونمشي إلى الموت … دون سؤال ودون عتاب »

 

وهل يستطيع الشاعر أن لا يسافر في الحب ؟ وأن لا يفكر في الموت (الغياب)وبين الحب والموت قلق يرسم ألاف الطرق  ..لكن ليس صحيح دون سؤال ودون عتاب !! لأن القصيدة سؤال الحب وعتابه !!والقصيدة سؤال الموت وعتابه!!والقصيدة تعلو  كل الطرق التي تعودها  الناس!! إلا أن موسى هنا تبع السراب فما سأل ولا عاتب!!

والقلق هو الذي يدفع موسى إلى الهستيريا :

 

 «كنت أرقبه..

تدغدغ لحيته يده

يحدث امرأة لا أراها…

ربما يبصرها تبصره

فجأة صرته ..!!

بكى …بكيت

ضحك … ضحكت

عاد لروعته ..فكان

غير أني ما استطعت أن أكون..!!

خانني لم أعده.. فانغمست في الجنون..!!»

 

لكنها هيستيريا تولد الجمال ، ضحك الشاعر وبكاؤه ،بحثه عن نفسه في الآخر،كل ما حوله يجعل منه يتجه لداخله، وعندها يبدأ الحوار الصعب/اللذيذ ..هادئا حينا..وصاخبا أحيانا ..إنه يتوحد مع ذاته وينفصل في ذات الوقت..يوفي وعوده لها ويخونها في الأغلب ..لكن الخيانة هنا جميلة تحملنا على جناح المتعة لدنيا تصنعها اللغة بكل ما لها من سطوة ..ويسميها الشاعر هيستيريا .. ونسميها نحن الجمال!!

   هذا القلق يرسل السراب يرعى في دروب موسى :

 

 «قال لي صاحبي..

حين استوت على ضفة الجرح أحلامنا

هل ترى ما أرى ..؟؟

قلت: بعض السراب

ربما قد تكون امرأه

ربما فارس قد أضل الطريق

قال : إني أراك إلى جانبي

أما السراب الذي قد رأيت

فذاك أنا ..!!

فاحترس ظلمة الليل

أنت  وحيد …

والجراحات رفيق الممر …»

 

ودروب موسى الملأ بكل ما يبهج ، بكل ما يثير ، بكل ما يجعل من الشعر حقل للمشاعر ، تتفرع لتصل بنا لكل مكان وتعبر بنا كل الأزمنة  حاملة معها لنا الدهشة والمتعة ،  إنها دروب لا ينقطع فيها لنا نفس ، ولا يرتد عنها منا أحد ، ورغم كل ما يتوجسه  موسى ورغم ظلمة  الليل  والجراحات والوحدة  إلا  أنه هنا أدار حوارا شعريا مفعم بالجمال زاده الربط بين المرأة والفارس الذي أضل الطريق  كسراب ترائ  له ،ليكون في النهاية هو  هو موسى الذي انتمى لدرب لا رفيق فيه سوى الجراحات !!لذا نجد أن هذا القلق يولد الفكرة الطائشة تلك الفكرة التي تتربصنا كلما أوغلنا في حلمنا و  أمانينا  ، كلما همنا على وجوهنا نبحث عنها هي هي :

 

«تتربص بي فكرة طائشة ..!!

ما بال  الهوة كلما اقتربت مني لأفهمني تتسع

أيها الظل تعال ولو مرة نخالف الشمس سويا

يدي في يديك..!!»

 

أن موسى يصنع من قلقه جمالا  يرفض أن يأسره المكان أو الزمان ، يرفض التراجع أو البقاء لا خيار لديه سوى  التقدم ، هذا التقدم لا يرى له معنى سوى البلوغ لهدفه وليس له سواها ..امرأة .. فكرة..  حلم ..أمنية ..هدفه لا حد له ..لا هوية .. هدفه أكبر من أن تحيط به اللغة ..

 

«لذلك يوجعني أن أعود..!!

لم أعد كما كنت …!!

لم أعد أنا ..!!

لا حيلة لي في الرجوع …

لا قوة لي في البقاء..

أنا مثل الرصاصة لا أشتهي أن أسقط فارغا ..

ولا مرغما تنفثني فوهة النار نحو الفضاء »

 

فلا غرابة أن يولّد القلق هشاشة الشاعر إذا، هذه الهشاشة التي احتوت ضياع الحلم / الحب /الوطن ..هذه التحكي الخيبة المضمخة بالصمت المعطرة بالعطب  غير المفهوم التي أضاعت العمر ولم يبق له إلا القول :

 

«دعيني أقولها ..ليس بيني وبينك غير الهشاشة هذا  الإرث…!

أضعنا العمر في لهاث مرير … !!

لا حلم هنا … !!ولا حب .. !!ولا وطن.. !!

هنا يكفي أن تبكي دونما سبب …؟؟أن تتكئ لوحدة مرة ، وتحكي في صمت خيبتك المستديمة …هنا عطب لا افهمه ربما في ذهن التاريخ… !!»

 

إن (كيما أهبط الأرض مرتين ..) إيقاع شعري للقلق المثمر الذي ينداح في درب الغواية ، يقود مسيرته الجمال المنبعث من جمل موسى الشعرية،  ومن عادة القلب الوحيدة التي لا يرغب موسى التخلص منها .. عادة الحب  التي «كلما خبت أشواقنا نفخ الحنين جمرها كي تتهج من جديد.. » فمن يقرأ هذا الديوان عليه أن يتسلح بالحب ليجابه القلق المتألق  في مجادلة لن تكون إلا رقيقة كنسمة ، وعذبة كرشفة ماء في قيض صيف حار ..

إن الهبوط هنا علو   ينسجه قلق لا يعترف بغير الإبداع نتيجة له   .. الأرض بهذا الهبوط /لهذا الهبوط أخذت كل زينتها .. وقالت للشاعر .. قالت لموسى :هيت لك !!

 

 

سيدي عون:24/04/2013

  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*موسى توامه، كيما أهبط الأرض مرتين…ط1 الوادي الجزائر 2012  

 

 

 

*أحمد مكاوي ( شاعر جزائري)

 

 

 

 

.

 

اترك تعليقا