نبيل علقم .. ” فارس التراث الفلسطيني ” …/ بورتريه : ناردين دمون *
بواسطة مسارب بتاريخ 2 مايو, 2013 في 09:07 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2467.

 


 في قرية فلسطينية صغيرة تدعى ” ترمسعيا ” ولد نبيل علقم قبل أشهر قليلة من وضع الحرب العالمية الثانية لأوزارها ،كان ذلك ذات يوم من أيام يونيو ـ حزيران ـ من سنة 1945 م بالضبط يوم 21 منه ، ليحذو حذو أقرانه في اللّعب في حقول الزيتون ويحظى  بطفولة هادئة في مكان  يخال فيه المرء أن اللوز و التين و الزيتون بمذاق ثمار الجنة .

و سرعان ما يلتحق بمدارس المنطقة ليتلقى حروفه الأولى و معارفه الأولوية في مدرسة مسقط رأسه و يحتك بزملاء شكلوا عالمه الأول في بداية الأمر ، لكن خلال دراسته الثانوية تعلق بفتى من عمره و اسمه ” فارس ربيع ” و الذي عرفه بأخيه الأكبر ” وليد ربيع ” الشاب اليافع الذي حمل مثله مثل من في سنه ثقل النكبة بكل مآسيها ، فكان الوعي السياسي المبكر سمة مشتركة بين وليد و صديقه نبيل ومعا سيحاولان سبر أغوار السياسة و يتبلج في أذهانهما أول أنوار الفكر الذي سيحملانه معا لرده من الزمن …فيناقشان أهم الأحداث التي مرت بهما و عاصروها فاختلفا حينا عن أسباب النكبة و تجرعا معا مرارة النكسة و اتفقا على فكرة الوحدة العربية و ضرورة توحيد الصف العربي لتحقيق التحرر و الانعتاق من قيود الاستدمارات الأوروبية التي نخرت جسد الأمة العربية في أقطار كثيرة …و هتفا لتحرر الجزائر  و عظّما انجازات جمال عبد الناصر و قضوا فترة طويلة يتبادلون الرأي و يدلي كل واحد منهم بدلوه حول قضايا الساعة أنذاك…فيغلب على حواراتهم طابع المهاترة و المناكفة حينا و طابع التحليل و الاقناع حينا آخر…و كان وليد ربيع ميالا لحزب البعث العربي و مؤمن بطروحاته و انتهى الأمر بانضمام صديقه نبيل إلى ذات الحزب ـ و إن كان حزبا ممنوعا من النشاط في فلسطين وقتها ـ لاعجابه الشديد بالزعيم المصري ” جمال عبد الناصر و كذا لوصول البعثيين لسدة الحكم في سوريا عما 1966 م ، مع ما قدمه بعض زعماء البعث للثورة الجزائرية من مساندة في البداية لتصبح نضالا و كفاحا فيما بعد و القدوة كانت ” نور الدين الأتاسي ” الطبيب في جبهة التحرير خلال الثورة التحريرية الجزائرية و الذي سيترأس جمهورية سوريا بعد عودته لبلاده.

و كانت صدمة الاحتلال الإسرائيلي سببا في تفكير نبيل علقم و أصدقائه في تغيير الأمور و عدم الاكتفاء بالحوارات و المناكفات و العمل على هيكلة النضال من خلال تأسيس شعبة لحزب البعث العربي في ” تمرسعيا”  التي ينشطون فيها لكثرة المنتسبين لهذا الحزب الذي كان من حملة الفكر التحرري النضالي و الرافض للوجود الصهيوني ، و اختير وليد ربيع ليمثل القرية في رام الله باسم هذا الحزب.

كما عمل نبيل علقم رفقة زملائه على نشر الوعي بين سكان الضفة الغربية من خلال التوعية و الدعوة للإضرابات و عن طريق الاتصال المباشر بالسكان ،و بث روح الصمود بين المواطنين و رفع معنوياتهم و طرد الآثار السلبية التي خلفتها النكسة في نفوس العامة.

و  بتخرجه من الثانوية امتهن التعليم بداية من 1963 م لتتحقق بذلك نبوءة والدته إذ جاءت إليه يوما و هو في السنة الثالثة ثانوي تقول بثقة و سرور :” ستكون معلما !” و عندما استفسر ابنها عن السبب قالت له أنها رأت الأستاذ وليد ـ وليد ربيع صديق نبيل ـ وهو :” قايم على حيله و مبسوط للأولاد الصغار ،و هم بضحكوا مبسوطين ، بمشي من أول الصف إلى آخره ، وقايس عقله إلهم عن جدّ ” فعرفت أن المعلمين عقلهم صغير ،و أنت مثلهم عقلك صغير بتصير معلم !”…

 و تنقل بين مدارس محافظة القدس و رام الله ، ليختار الانتساب بعد سنة من ذلك إلى جامعة دمشق و اختار التاريخ كتخصص لدراسته ،و جمع مثله مثل صديقه وليد بين الدراسة عن بعد في الجامعة و التدريس فدرّس الرياضيات و العلوم كما علّم أطفال فلسطين قواعد اللغة و التربية الاسلامية …درّس كل المواد باستثناء اللغة الانجليزية ، وتتلمذ على يديه آلاف الطلبة بين سنتي 1963 م و 1987 م حيث أحيل على التقاعد القسري ( الأمني )…

أما فيما يخص دراسته الجامعية فلقد نجح في التخرج بشهادة ليسانس آداب ـ قسم تاريخ ـ عام 1974 م  من جامعة دمشق سوريا بالموازاة مع عمله كمعلم في إحدى المدارس التابعة لمديرية التربية و التعليم في أقضية القدس و رام الله و بيت لحم و أريحا ، ليشرع عام 1976 م في العمل كمحرر في مجلة ” التراث و المجتمع ” ( المجلة الوحيدة المتخصصة في التراث الشعبي الفلسطيني ) و يكتب مئات المقالات و يجري بحوثا كثيرة مستغلا أوقات فراغه القليلة خلال الموسم الدراسي و مانحا كل عطله لعمله هذا ، و الذي كان يراه من وسائل النضال و بيدقا من بيادق الحفاظ على الهوية الفلسطينية ، التي بدونها لا يستطيع الشعب الفلسطيني استعادة حريته و الحفاظ على كيانه و منع المستدمر من الاستيلاء على إرثه الحضاري كما استولى قبلا على أرضه و ممتلكاته.

كما لم يتوانى  في المشاركة في تأسيس اتحاد المعلمين ـ تنظيم سري في البداية ـ و المثابرة لتفعيل دوره خاصة مع محاولة الاحتلال الصهيوني تغيير المناهج الدراسية الأردنية بمناهج جديدة تخدم مصالحها ، فشارك في إضراب استمر لشهرين كاملين ،توج بتراجع المحتل عن خططه ، و إن نجا من الاعتقال بسب نشاطه في إطار اتحاد المعلمين فإنه عرف زنزانة السجن في كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1969 م رفقة مجموعة من النشطين من بينهم صديقه و ليد و عمر حمدان  ، لافي عوض الله ، و كل من توفيق تفاحة و محمد عبد الله الأسمر ، و مدير مدرسة ” سنجل ” ـ حيث كان نبيل علقم يعمل ـ و الأستاذ إسماعيل نبيل أيضا ، للتحقيق معهم حزل علاقتهم بحزب البعث أو بتنظيمات أو أشخاص محددين عرفوا بعدائهم لقوى الاحتلال.

و بعد إطلاق سراحه انضم لحركة فتح بغية النشاط فيها لإيمانه بجدوى النضال للحصول على الاستقلال ،و كان ذلك في النصف الثاني من عام 1968 م و عمل في مجال التوعية و التحذير من الوقوع في براثن مخططات الاحتلال ،و ظل ينشط في إطار هذه المنظمة لسنوات طويلة دون اهمال لنشاطه الفكري ـ الثقافي حيث التزم بالكتابة ” مجلة التراث و المجتمع ” خلال الفترة الممتدة من  1976 م إلى 1986 م .

و لقد عمل مع صديقيه ” وليد ربيع ” و ” عمر حمدان ” على تأليف إعداد كتاب عن الزجل و الزجالين في منطقة ” جنين ” عام 1975 م ـ طول فترة عطلة الصيف ـ لكن التفاءهم بكبار الزجالين من جنين و قراها مثل : أبو جمال العجاوي ، أبو الأمين الرقيني ، أبو جاسر الحفيري ، كايد الياموني ، أبو بسام الجلماوي ، أبو هشام الجلماوي ، و أبو سمير محمد مرعي أبو فرحة ، و أبو توفيق الجبعي و غيرهم تبلورت لدى الأصدقاء الثلاث فكرة  تنظيم أول مهرجان وطني للتراث الفلسطيني و أقيم فعلا في شهر آب ـ أغسطس ـ أوت ـ عام 1975 م ، ما جعلهم يهملون المؤلف عن الزجل لإنجاح المهرجان ، الذي لم يقم إلا مرة واحدة إذ منع الاحتلال تكرار المهرجان في العامين التالين .

كما ساهم نبيل علقم ضمن فريق من كتاب التاريخ في التصدر لمحاولات الاحتلال سرقة التراث الفلسطيني و نسبه لنفسه برئاسة الدكتور ” شريف كناعنة ” و ليصدر كتاب عنوّن ” الملابس الشعبية الفلسطينية ” عام 1982 م إثر تجرأ الكيان الصهيوني السطو على الثوب الفلسطيني الذي ارتدته مضيفات الطيران لشركة إلعال الإسرائيلية للطيران على أنه من التراث اليهودي ، فكان الكتاب بمثابة إجابة تاريخية دقيقة تدحض  ذلك الادعاء الباطل و طريقة لتوقيف نزيف السرقات الفكرية التي طالت كل معنوي و مادي للفلسطينيين.و ألّف كتابا ثانيا بالاشتراك مع صديقه ” ربيع وليد ” بعد اندلاع انتفاضة عام 1987 م عن الهجرة و التهجير و لاستحالة طبعه في الدول العربية لعدة ظروف تكفلا بطباعته على حسابهما في الولايات المتحدة الأمريكية حفاظا على الجهد الذي بذلاه و خدمة للوطن .

و يعتبر الأستاذ نبيل علقم من أشهر المؤرخين الفلسطينيين الذين جمعوا بين التواضع  و البراعة في التحليل و القدرة على الابداع و التأليف بأسلوب ممتع بعيد عن الملل و التكرار ، من خلال اشتراكه في تأليف عدة كتب سواء مع الدكتور شريف كناعنة  ـ شيخ المؤرخين الفلسطينيين عن التراث ـ أو وليد ربيع أو غيرهما ، إذ ألف معهم المؤلفات الآتية :

ـ الملابس الشعبية الفلسطينية

ـ الانجاب و الطفولة

ـ دراسة في الثقافة و المجتمع الفلسطيني

ـ الحوار

ـ شروط النهوض الاسلامي

ـ الحواجز العسكرية الإسرائيلية

ـ دراسة تحليلية لدور الحواجز في الاخضاع و الاقتلاع

ـ ليش الشتوح طلّق عزيزة

ـ دراسة في النكت السياسية و الأساطير و الاشاعات

و عندما ينفرد بدراسة موضوع أو تحليل قضية أو موقف منفردا يجمع بين سلاسة الأدباء في عباراتهم و دقة المؤرخ في معلوماته و قدرة مذهلة على العمل المنظم ،و التميز في استخلاص النتائج و الوصول إلى معالجة المواضيع التي اختارها بموضوعية المؤرخ الذي يتروى في استخلاص العبّر ، فجادت قريحته بمؤلفات قيّمة منها:

ـ مدخل لدراسة الفلكلور

ـ الثقافة العربية و التجديد الاسلامي

ـ انتفاضة الأقصى : الحقائق و الوثائق ( في جزأين )

ـ انتفاضة الأقصى بين العقل و العقل المقاوم

ـ الانتداب في ذاكرة الشعب الفلسطيني

ـ تاريخ الحركة الوطنية و دور المرأة فيها .

بالإضافة إلى تأليفه لعشرات المقالات  و الأبحاث المنشورة في المجلات و الصحف الفلسطينية و العربية في فلسطين و الولايات المتحدة الأمريكية في مواضيع ثقافية و فكرية و سياسية و اجتماعية و دينية ، كما شارك و ما زال يشارك في عدد كبير من المؤتمرات و المهرجانات و الندوات التي تهتم بالتراث الفلسطيني الشعبي و المجتمع الفلسطيني .

و غير بعيد عن الأعمال التراثية و الدينية شغل الأستاذ نبيل علقم منصب مدير للمركز الاسلامي المستقل للدراسات و النشر في كاليفورنيا بين عامي 1999م ـ 2001 م ، و أسّس مع الدكتور شريف كناعنة مركز فلسطين للدراسات و النشر في رام الله بين عام 2001 م ـ 2003 م ، و صمم لجمعية إنعاش الأسرة ـ التي عمل فيها لسنوات طويلة ـ برنامج أرشفة الوثائق و تصنيفها على الحاسوب  (2003 ـ 2004 ) ، كما كان مديرا لفرع الضفة الغربية لمؤسسة القلوب الرحيمة التي يقع مقرها الرئيس في أوهايو في الولايات المتحدة الأمريكية المتحدة ( 2004 ـ 2004 )،  و عضو خبير في مركز دراسات التراث و المجتمع الفلسطيني في جمعية إنعاش الأسرة منذ عام 1974 م ، و المحرر المساعد لمجلة ” التراث و المجتمع “، وكذا عضو مجلس خبراء التراث الشعبي في مشروع تدوين الحكاية الشعبية الفلسطينية برعاية اليونسكو و وزارة الثقافة و عضو في عدد من اللجان التحضيرية لمؤتمرات أكاديمية متنوعة.

الأستاذ نبيل علقم معلم تخرجت على يديه أجيال متعاقبة ، حرص على نشر الوعي في أذهان طلبته من خلال المحافظة على هويتهم و تاريخهم ، و عندما اعتبرته سلطات الاحتلال خطرا على تواجدها أحالته على التقاعد القسري فاستبدل الطبشور بالقلم من خلال النشاط الدؤوب في تدوين التراث الفلسطيني و الكتابة الذاكرة الجمعية الوطنية الفلسطينية ، و نتقل كفارس متمرس على جواد التاريخ و التراث لتكون مؤلفاته لبنة من لبنات المحافظة على الوجود الفلسطيني و على الهوية الخاصة بهذا الشعب المقاوم و سلاح آخر ستستعمله الأجيال القادمة للذود عن وجودها و حقها في استعادة حريتها و أرضها .

الأستاذ نبيل شجرة سنديان شامخة معمرة يستظل بها الباحث عن تاريخ فلسطين الممتد لجذور التاريخ الأعمق ،و موسوعة تراثية تخدم الذاكرة الجماعية ليس لشعبه فحسب بل لكل الشعوب الفلسطينية لتشابه الإرث التاريخي بين البلدان العربية …و ما زال عطاؤه مستمرا فهو حارس من حراس الذاكرة و فارس يجوب مدن التاريخ ليحفظ التراث و يلملم شتات مجمتع يرزح تحت نير الاستدمار.

—————————————————————————————-

* ناردين دمون ( كاتبة من الجزائر )

اترك تعليقا