يموتون كبارا …/ رتيبة كحلان *
بواسطة مسارب بتاريخ 3 مايو, 2013 في 12:26 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1452.

يموتون كبارا ( أطفال ابتلعهم السرطان ) ..

إلى أسماء واحدة منهم : نامي غدا يطلع فجرك فينا ..

————————————————————————–

صمنا على الحزن وأفطرنا عليه ثم أتى العيد ولم تفتحي خزانتك لتجربي ملابسك الجديدة وتطلبي أن يخبروك مرارا أنك بها أجمل .. ولم تبقي حتى تزرعي الفراشات الزاهية بين خصلات شعرك الأسود .. هاجرت مثل الفراش إلى دفء الغياب وتركت لقلوبنا الصقيع تركن إليه .. وفي حزن فراقك سبات أبدي لا فرح ينتشلنا منه.

أتى العيد .. ها هي العيون تفتّش عن عينيك التي تعوّدت همسها حين تسرّب لغة الفرح البريء .. أتى العيد وكفّيك غائبتين فلمن تُربط الحنّاء بعدك في هذا البيت يا صغيرتي ؟

أتى العيد وشهقة الفقد لا ترحم أفئدة أحبة يتأملون شرفتك الملأى ألعابا، يدحرجونها بعيدا عن أنظارهم لكنّ العيون تصطاد طيفك الرّاقص على ذلك  البلاط وترسم ظلالك حين تنحنين لالتقاط دُماك وتجهش حزنا.

ها هو الغياب يا أسماء لا يخبئك جيدا .. تختارين شقوق المحبة لتسرّبي عطرك لنشمك أيتها الفقيدة مسكا بعبق آلاف الغصّات التي خلّفها رحيلك على فراش السرطان .. آه من طفولتك التي ماتت باكرا يا أسماء ثم آه .. تركت القلب ملتهبا فتلبي الذاكرة نداء حريقه إنها تأبى التنازل عن استحضار صورك الأخيرة .. جسمك المتمادي في النحول .. صوت صراخك الذي يشكو الألم .. خوفك من الذهاب بعيدا وحدك .. كلماتك الأخيرة حين نطقت:

- موتوا معي .. لا تتركوني أموت وحدي . من سيغطيني هناك ؟

آه يا أسماء رحلت في ندى العمر لنكتشف أن السعادة من دونك لا تليق بنا وأننا لا نختار إلا الدروب التي تأتي بنا إلى قبرك الصغير .. لازلنا نذكر تاريخ ميلادك .. لازلنا نحسب عمرك بعد الموت فمن يغطي القلب بعدك بطبقات المرح ؟ أين كفك الصغيرة التي تتسلل إلى خيوطه فتخلف فيه التشابك وبين كل عقد تلك الخيوط أثر لك يدل أنك مررت من هنا فيختلط الدمع بالابتسام حين نفقد وعينا بحاضر الفجيعة ونعود إلى أحضانك وأنت تمسكين جيدا بأكف الاهتمام .. لن يفلتك نبض هذه القلوب أبدا. 

كنتِ وكانت مأساة السرطان وكان ثالثكما الموت ورابعكما طعم المأساة وأعداد وأرقام أخرى تحصي معنا مراسيم رحيلك .. إنه السرطان من يخلل أصابعنا بأكوام المناديل ويجرح القلب بأنات ورثناها منك .. لمن تتركين هذا الفؤاد ؟ كنت الأنس يا أسماء ..  كنت الفرح وكنت الأمل  

آه من سمعة السرطان اجتث الحياة من جسدك واختار خلاياك اليافعة .. ابتلعها واحدة بعد أخرى دون أن يقتصد قوته .. كنت أراك بين أنيابه تتخبطين .. رأيت مرارا طيف الموت -الذي كان آخر علاج لآلامك-يقف عند سريرك متأهبا .. وفجأة انقض عليك لتموتي كبيرة بأوجاعك ..  

11/09/2012

حين يحل هذا التاريخ ستمر سنة بعد أخرى على رحيل أسماء، ملابسها لا تزال في الخزانة .. كتبها وأدواتها المدرسية لا تزال في المحفظة .. المئزر الوردي لا يزال معلقا خلف الباب .. وفي القلب لا تزال أسماء متشبثة بالحياة .. إنها تعيش فينا معلّقة بالذاكرة. 

————————————————————————

* رتيبة كحلان ( كاتبة من الجزائر )

اترك تعليقا