هزيمة الفلسفة في وجه البله .. قراءة في ديوان ” ما لم أبح به لكم ” للشاعرة الجزائرية صليحة نعيجة …/ مروة متولي *
بواسطة مسارب بتاريخ 3 مايو, 2013 في 03:30 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3560.

من منابت الصمت تكتب الشاعرة الجزائرية صليحة نعيجة أشعار ديوانها الصادر مؤخراً بعنوان “ما لم أبح به لكم” بأسلوب شعري يستنفر إمكانيات اللغة المختبئة ويكشف عن وجد باللغة وبما تتضمنه من نسيج شعري موسيقي، إلا أنها تكتب أشعارها وهي مسكونة بسؤال ..
ثقيل يخترق عقلها ويثقل عليها الرؤية وهو ما يتجلى في قصائد الديوان المتعددة التي جوهرها الشغف والحلم بملامسة المستحيل بعد أن مزقت الحياة اليومية البليدة أوصالها إلى مزق متناثرة وكأنها صارت امرأة متوهمة لا وجود لها، لذا تأتي أشعارها مليئة بكم هائل من المشاعر والأفكار والرؤى والتصورات، فما بين الغضب والسخرية، والإحساس بالغربة وسط زيف الحياة،والرفض المطلق للخضوع، ومعانقة الأرض والكون والأزمنة،وممارسة النسيان تارة، والقلق والتذكر تارة أخرى، والاهتمام بإبراز الأجواء ذات الصلة بالذكريات، والاختراق والمداهمة، واقتحام مفاوز ما تحت الوعي،هكذا يبدو الديوان تصوراً ذاتياً للعالم، إلا أن ذاتية الشاعرة إنما هي ذاتية متوجهة إلى الخارج، تستخدم فيها الشاعرة صيغة الأنا بينما تسعى إلى مشاركة حميمية تتجاوز الأنا إلى تواصل جماعي على مستوى النفس والعالم معا، تواصل يجتمع فيه التناقض ويلتئم فيه الشتات، وهي هنا لا تبحث عن المطلق بل تجعل من ضياعه موضوعاً لها.
يمثل الماضي عنصراً مهماً في قصائد الشاعرة، فهي تحن إلى أزمنة فارقتها وإلي أزمنة لم تعشها وكذلك إلى الرموز التي تربطها بذلك الماضي البعيد،فنرى اتحاد الشاعرة بالرموز المثقلة بالفلسفة كتعبير عن محبتها للحكمة، وكأنما سكنتها روح قدماء الفلاسفة ممن تأنس بكلماتهم وتستضئ بأفكارهم..

” وكونفوشيوس يعي حكمته
وأنا أيضاً أدعي أنني أحفظ كل حكم أبيقور
وكل الفلاسفة العقلاء “

كما تعبر الشاعرة عن حربها الخاسرة وتعترف بهزيمتها أمام المفارقة القائمة بين حكمة الفلسفة وشروطها وبين ما يقتضيه الواقع من شروط مغايرة تماماً…

ثم نجد الشاعرة وقد استبدت بها الحكمة تسعى إلى حوار مع الفلاسفة ومع أسئلتهم الخالدة، كأنها تريد أن تشاركهم العقاب الذي طالها جراء انقيادها خلف حكمتهم، فهي تود أن تستحضر هؤلاء إلى عالمها، أن تريهم هذا العالم الذي تعيش فيه، تتحدى فلسفتهم وحكمتهم أمام كل هذا الجنون وقلق الإنسان أمام الوجود، تريد أن تخضعهم لما تختبره هي وحدها دون أي مساعدة نافعة مما حفظته عنهم وعن فلسفتهم التي لم تساعدها في القبض على الحقيقة المنشودة.

” أيه كونفوشيوس.. أيه أبيقور
أيها الحكماء
انهضوا من سبات القرون لأبثكم وحدة مرعبة “

وفي الماضي أيضاً تواصل الشاعرة تجوالها مع رموز الماضي بحثاً عن كل ما هو مفتقد، ففي مزاوجة بين الرثاء والسخرية، تتوق الشاعرة إلى بشر كالأبطال لذا ترجع إلى أزمنة انقضت فتستحضر الأبطال طامحة إلى بطل قديم/جديد، وتحضر الأسماء هنا كمشاجب تعلق عليها الأمنيات المستحيلة في زمن فقير إنسانياً.


” لازال هناك المعتصم
صباح اليوم ألفيته
قد كفكف الدمع وأوصد أبواب الفتنة
فهناك السموأل
والمعتصم
وهارون
وهناك كل الذين ماتوا ولم يتركوا غير الحلم “

تتوق الشاعرة إلى القبض على الحقيقة، لتجد نفسها وقد أحاط العجز بها من كل ناحية هاربة محاطة بكافة أنواع الخرافات والأساطير، والخرافات والأساطير في عالم الشاعرة هي المبادئ والأمنيات بما تحمله من خير وشر وحب ومقت، هي كل معاني الحياة التي باتت خالية من كل معنى، هي كل ما هو غير موجود..

” كل الأساطير
عن الخير والشر
عن الحب والمقت
عن المبادئ والأمنيات
كل الخرافات التي أهرب إليها “

تبدو الوحدة متكأ أثيراً لدى الشاعرة حيث تعيش آلامها بوجد مأساوي، وهي وحدة تعيشها لا تتجرعها فحسب، هي وحدة تتأملها وتتقوى بتأملها على البقاء.
“بقلب ينشرح مجدداً إلى وحدة مذهلة”
كما يسيطر حديث الغياب على أشعار الديوان فهناك دائماً ذلك الغائب الأبدي سواء كان شخصاً أو معنى أو فكرة أو حلم أو زمان أو مكان ما..
تعبر الشاعرة عن عمق الإحساس بالغربة والضياع والنفي واليأس الغالب والسأم من متابعة الحياة، حيث تضيق بها الأمكنة ولا يتسع سوى الحزن المثقل بالخسارة والأحلام الهاربة المفتتة والمكابدة والفقدان المقيم.

” المدن ترجمنا بالرثاء
على تراجم أحلامنا البائسة “

سعت الشاعرة المأخوذة بالفلسفة وباندفاع الشعر إلى تخليق لغة نقية تطمح إلى قهر سطوة اللاوعي وتحطيم طغيانه، فكانت اللغة التي تستنطق الروح، كما سعت إلى خلق فضاء شعري يتجاوز ذاتيتها حيث يقبض الديوان في جملته على تجربة غير محدودة تغوي بالحوار والمساءلة.

 

 

 

 

 

 

 

——————————————————————————————

* مروة متولي ( ناقدة مصرية مقيمة بالكويت )

اترك تعليقا