1
كُنْتُ وَحْدِي
حِينَ دَهَسَتْنِي العَرَبَاتُ،
مَغْمِيًّا عَلَيَّ.. وَسَطَ جَمْعٍ غَفِيرٍ..
لاَ أَرَى غَيْرَ عَيْنيَّ
وَ هُمَا تَتَسَلَّقَانِ حُقُولاً مِنَ الطَّمَاطِم المُعَدّلَةِ الجِينَاتِ..
وَ حَاوِيَاتٍ مِنْ الحُزْنِ المُعَالَجِ..
2
بِكَثِيرٍ مِنَ الدَّهْشَةِ، وَ قَلِيلٍ مِنْ الاكْتِرَاثِ..أَسْتَطِيعُ الآنَ..أَنْ أَرْوِي لَكُمْ نَزِيفَ الإشَارَاتِ.. أَنْ أَكُونَ شَاهِدًا عَلَى مَوتِي البَطِيءِ.. فِي دَهَالِيزِ المِيتْرُو الأَخْضَرِ..المَحْفُورِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ..فِي رَحِمِ السَيِّدَةِ العَاقِرِ..كَأنّهَا الوَطَنُ المُؤَدِّي إِلَى طَابُورِ الانْتِظَارِ..مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى لُقْمَةِ عَيْشٍ سَوْدَاءَ..أَسْتَطِيعُ الآنَ..أَنْ أَكُونَ شَاهِدًا عَلَى مَوتِي البَطِيءِ..لَعَلِّي أَحْصُلُ عَلَى نَفْسِي الأمَّارَةِ بِالوَهْمِ..وَ أنْتَهِزُ فُرْصَةَ الظِلِّ النَّائمِِ فِي غَابَاتِ الطَّرِيقِ الوَارِفَةِ..
3
غَابَاتٌ مِنْ النَّاسِ المُتَدَافِعِينَ كَأَعْقَابِ السَّجَائِرِ..
رُؤُوسُهُمْ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ،
أَنْصَافُهُمْ بَيْضَاءُ يُزَيِّنُهَا غُبَارٌ أَدْهَمُ،
قَوَاعِدُهُمْ الخَلْفِيةُ مَائِلَةٌ إِلَى الاحْمِرَارِ ..
وَ كَمَا جَرَتِ العَادَةُ..
مِنْهُمْ المَتْرُوكُونَ بِدُخَانِهِمِ الآفِلِ..
وَ مِنْهُمْ المَسْحُوقُونَ تَحْتَ الأَقْدَامِ..
وَ مِنْهُمْ المُسْتَلْقُونَ تَحْتَ العَجَلاَتِ..
كَأَنّهُمْ سَوَاسِيَةٌ..
أَمَامَ اللَّحْظَةِ المُلْقَاةِ فِي وَجْهِ التَّاريخِ
كَحَبّةِ طَمَاطِمٍ فَاسِدَةٍ..
4
بَالُونَةُ اخْتِبَارٍ..
فِي مَهَبِّ الرِّيحِ
يَتَزَحْلَقُ فَوْقَ تَمَوُّجَاتِهَا
جَمِيعُ الواقِفِينَ عَلَى أَلْسِنَةٍ مِنْ لَهَبٍ أَبْيَضَ
وَ حَمَأ خَاثِرٍ..
وَ دِمَاءٍ مَائِلَةٍ إِلَى الاحْتِقَانِ..
5
فِي الجِهَةِ المُحَاذِيَةِ لِلبَحْرِ.. ثِمَّةَ شَحَّاذُون يَمْلَئُونَ أَرْصِفَةَ الفِطْنَةِ، وَ غُرَبَاءُ يَتَسَكَّعُونَ فِي أَقْبِيَةِ الاِنْزِلاَقَاتِ، وَ عَلَى وُجُوهِ بَعْضِهِمْ..شَارَاتٌ سَوْدَاءُ..تَتَحَيَّنُ مَوْعِدَ الغُرُوبِ..لِكَيْ تَتَدَثَّرَ بِارْتِجَاجاَتِ اللَّحْظَةِ..وَ أُنَاسٌ يَهْرَعُونَ فِي كُلِّ الاتِّجَاهَاتِ..بَعْدَ انْبِلاَجِ نُقْطَةِ الصِّفْرِ التِي حَدَّدَهَا المُنَظِّرُونَ.. فِي المَكَاتِبِ المُغَلَّفَةِ بِالخَشَبِ الأَبْنَوسِيِّ المَغْرُورِ..كَقَمَرٍ فِي أَوْجِ الكَمَالِ، مِنْ بَيْنِ جُدْرَانِ الفَايْسْبُوكْ..
6
جُثَثٌ مَقْطُوعَةُ الأَلْسِنَةِ ..
تَتَوَجَّسُ مِنْ جُمْهُورٍ صَامِتٍ
مَخَافَةَ الاِرْتِطَامِ بِوَاقِعٍ
لاَ يَعِدُ بِغَيْرِ مَا فِيهِ..
7
أَلْسِنَةٌ مُلْتَصِقَةٌ بِرُؤُوسٍ حَيَّةٍ
تُرَدِّدُ تَعَاوِيذَ
هِيَ أَشْبَهُ بِالغِنَاءِ البَاكِي
عَلَى أَمَلٍ ضَاعَ فِي زَحْمَةِ المُوَاصَلاَتِ..
8
رُؤُوسٌ تَتَحَسَّسُ مَوْعِدَ القَطْفِ
فِي زُرْقَةِ الشِّفَاهِ المُرْتَجِفَةِ..
وَ امْرَأَةً تَبْحثُ عَنْ جَسَدٍ غَائِرٍ
تَقُولُ إنَّهُ فَلذَةُ حُلْمِهَا المَتْرُوكُ ..
فِي هَامِشِ التَّأْوِيلِ..
9
..وَ عَلَى يَسَارِ الطَّرِيقِ..ثَمَّةَ رَجُلٌ أَعْمَى..يُلَوِّحُ بِيَدِهِ اليُمِْنَى..لِسَيَّارَةِ أُجْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالمُتَأَخِّرِينَ عَنْ الوُصُولِ..إِلَى مَنَازِلِهِمْ الدَّافِئَةِ..هَلْ كَانَ يَرَاهُمْ فِعْلاً..؟ وَ هَلْ كَانُوا يَسْمَعُونَهُ..؟ فِي قُعْرِ اللَّحْظَةِ..أَشْلاَءٌ آدَمِيَّةً تَتَطَايَرُ عَلَى عَتَبَاتِ الصَّبَاحِ البَاكِرِ..فَتُحِيطُ بِهَا الكِلاَبُ الضَّالَّةُ..وَ تَوَارِيخُ تَدْخُلُ فِي أَجَنْدَةِ المَجَازِ.. وَ مَرَاسِيمُ مُعْفَاةٌ مِنَ الضَّرِيبَةِ ..تَتَحَوَّلُ إِلَى أَيْقُونَاتٍ تِذْكََارِيَّةِ..يَتَبَاهَى بِهَا هُوَاةُ جَمْعِ اللَّوَحَاتِ الشَّبِيهَةِ بِالغُورْنِيكَا..
10
دَفَاتِرُ مَنْسُوبَةٌ لِتَلاَمِيذِ الصَفِّ الأَوَّلِ..
تَأْخُذُ طَرِيقَهَا إِلَى السَّمَاءِ..
يَتَسَاقَطُ مَطَرٌ أَزْرَقُ
تَنْبُتٌ حُقُولٌ دَامِسَةٌ
فِي بَرِيَّةِ اللَّيْلِ الدَّاهِمِ
كَانَتْ الأَوْرَاقُ صَفَّارَاتِ إِنْذَارٍ
تُذَكِّرُ بِتَرَاتِِيلِ النَّسَقِ الدَّامِي..
كَانَ فِي السَّاحَةِ هَلَعٌ وَ صَمْتٌ وَ زُجَاجُ نَوَافِذ..
11
عَسَسٌ يَأْتُونَ..وَ عَسَسٌ يَذْهَبُونَ..يُؤَدُّونَ حَرَكَاتٍ مُنْتَظَمَةً..وَ يَدُورُونَ حَوْلَ المَكَانِ..بِقُدْسِيَّةِ النُسَّاكِ..كَأَنَّهُمْ عَقَارِبُ الوَقْتِ النَّازِفِ..يَحْمِلُونَ صَحَائِفَ بَيْضَاءَ..وَ يُسَجِّلُونَ أُمُورًا لاَ أَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَهَا..وَ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُمْ..كَانَ الأُفُقُ المُطِلُّ عَلَى البَحْرِ.. يَزْبُدُ مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ..وَ المَوْجُ الأَزْرَقُ المَفْتُونُ.. يُخَلِّفُ تَدَاعِيَاتٍ خَرْقَاءَ..فِي مَضَامِينِ افْتِتَاحِيَّاتِ الجَرَائِدِ ..
12
بَاعَةٌ مُتَجَوِّلُونَ..
يَتَرَنَّحُونَ فِي شَارِعِ الأَمَلِ الغَائِبِ..
يَحْمِلُونَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بُرْتُقَالاَتٍ
جَاهِزَةً لِتَلقَِّي السِّهَامِ الجَارِحَةِ..
تَنْتَظِرُ البُرْتُقَالاَتُ التّصَْوِيبَ ..
تَتَفَجَّرُ مِنْ جَمَاجِمِ البَاعَةِ
يَنَابِيعُ الفِيتَامِينْ..
و يَتَدَلَّى العَصِيرُ الخَاثِرُ بِشَعْرِهِمْ الأَشْعَثِ
عَلَى شِفَاهِهِمْ الزَّرْقَاءِ..
عَطْشَى كَانَتْ الحَمَامَاتُ
وَ عَطْشَى كَانَتْ الأَطْبَاقُ المُحْتَرِقَةُ..
13
طَوَابِيرُ طَويِلََةٌ..يَتَخَاصَمُ رُوَّادُهَا عَلَى شَيْءٍ سَائِلٍ ..مُعَبَّأ فِي قَارُوراتٍ بلاَسْتِيكِيَّةٍ.. هِيَ أَشْبَهُ بِقَارُورَاتِ زَيْتٍ..رُبّمَا كَانَ زَيْتَ مُحَرِّكَاتٍ..أَوْ شَيئاً مِنْ هَذَا القَبِيلِ..كَانَتْ الطَّوَابِيرُ مُسْتَقِيمَةً..كَأَنَّهَا تُؤَدِّي وَاجِبَ العَزَاءِ..أَوْ كَأَنَّ الوَاقِفِينَ فِيهَا.. مُبَرمَجُونَ عَلَى مَوْجَةٍ صَمَّاء ..
14
حَوَاجِزُ الإسْمَنْتِ..
يَصْطَفُّ بِجِوَارِهَا المَحْظُوظُونَ
فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ..
كَأَنّهَا المَسَاقُ الأخْرَسُ
إِلَى اللَّيْلِ الآخَرِ..
15
خَطَأٌ فَادِحٌ مَا انْفَكَّ يُرَدِّدُهُ أَخُوكَ ..قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الحَيَاةِ..مَفَادُهُ أَنَّ الدُّنْيَا لاَزَالَتْ بِخَيْرٍ..وَ أَنَّ هَذَا الـ(أَ)خِير..- عَلَى عَكْسِ الحَبْلِ السُرِّي-..لاَ يَنْقَطِعُ بَيْنَ أَخَوَيْنِ.. فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا أُمُّهُمَا الأَرْضُ..وَ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ..هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ حُبًّا..وَ لَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ.. عَلَى قَبْرٍ لاَئِقٍ فِي حَيِّ المَخْدُوعِينَ..حَيْثُ تَنْحَدِرُ جَمِيعُ الأَجْيَالِ المُتَعَاقِبَةِ..مِنَ سُلاَلَةِ الذُّبَابِ الأَزْرَقِ..
16
رَائِحَةُ السَّمَاءِ زَرْقَاءُ..
مَوْجُ البَحْرِ أَزْرَقٌ..
شِفَاهُ الرَّجُلِ النّافِذِ زَرْقَاءُ..
أَجْنِحَةُ الذُّبَابِ زَرْقَاءُ..
يَمُوتُ الوِاقِفُ عَلَى أَشْلاَئِهِ..
بَيْنَ الفِينَةِ وَ الأُخْرَى..
كَمَا تَمُوتُ الارْتِجَاجَاتُ
فِي سَائِلِ فِيزِيَاءِ اللَّحْظَةِ..
17
- أَتَعْرِفُ مَا اللَّحْظَةُ..؟
مَا الحُكْمُ؟
مَا العَرْشُ؟
مَا المَاءُ؟
18
- عَفْوًا..أَنَا لاَ أعْرِفُ شَيْئًا.. كُنْتُ وَحْدِي حِينَ دَهَسَتْنِي العَرَبَاتُ.. وَ كَانَ لَدَيَّ الكَثيرُ مِنَ الوَقْتِ..كَيْ أُكْمِلَ الشَّهْرَ التَّاسِعَ..فِي حَدَائِقِ المَلِكِ المَأْجُورِ.. وَ لاَ أرِيدُ العَوْدَةَ بِمُجَرَّدِ انْتِهَائِهِ..إِلَى بَطْنِ الأَرْضِ..بَطْنُ المِيتْرُو..أُوْ بَطْنُ الأَرْضِ..كِلاَهُمَا مُظْلِمٌ..وَ أَنَا أُحِبُّ مَبَاهِجَ الضَّوْءِ الصَّارِخِ..أجْوَاءَ السَّاحِلِ المُزَرْكَشِ بِلَآلِئِ الأَجْسَادِ المَنْحُوتَةِ.. مِنْ ذَهَبٍ أَشْقَرَ..لَمْ أَرَ شَيْئًا فِي حَيَاتِي..غَيْرَ الْتِقَاءِ السَّاكِنِ بِمُنْذِرَاتِ الإِسْعَافِ..المَاءِِ بِالتُّرْبَةِ، الجُرْحِ بِالغُرْبَةِ، البَطِّيخَةِ الصَّيْفِيَّةِ بِالسِكِّينِ اللاَّمِعِ، السَيَّارَةِ العَرْجَاءِ بِالجَمَاجِمِ المَنْقُولَةِ بَرًّا..عَلَى جَنَاحِ السُّرْعَةِ..إِلَى مَشْفَى المَجَانِينِ..كَأَنَّ للسُّرْعَةِ جَنَاحًا..كَأَنّ للَمَجَانِينِ مَشْفَى..
20
زَرِيبَةُ قُطْنٍ هَذِهِ اليَرَقَةُ العَمْيَاءُ..
أَمْ جُمّيْزَةُ سِنْجَابٍ يَتِيمٍ..
تَلْعَبُ بِرُؤُوسِ أَمْثَالِي..
مِنَ الوَاقِفِينَ فِي الطّابُورِ..
فِي انْتِظَارِ اللَّحْظَةِ..
لَعَلَّ ذُبَابَةً زَرْقَاءَ..
تَدْخُلُ فِي رَأْسِ الرَّجُلِ النّافِذِ..
مِنْ أنْفِهِ طَبْعًا..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سعيدة في 10/01/2012





سعيد جدا ان اقرا للاديب الكبير عبد القادر رابحي هنا..
تقديري .