شاعرية العتبات…وانفتاح النهايات قراءة في المجموعة القصصية ” عصي على النسيان ” للقاصة لامية بلخضر … / دلال عبابسية *
بواسطة مسارب بتاريخ 20 مايو, 2013 في 06:55 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2209.

تهرب منا الحكمة عندما نطاردها، لكنها –أحيانا- و في غفلة منا تأتينا طوعا، تتكشف لنا في كلمة تختصر الكلام..و حكمة تستوقفنا”الشعر رقص ، النثر مشي”. لكن ماذا لو أن النثر أصبح راقصا؟؟ ماذا لو استطاعت مبدعة أن تمزج بينهما و بسحر غريب تلقي القصة فتنقلب قصيدة ترقص من الوجع؟؟؟.
قال “فرويد” بأن المبدعين في معرفة النفس البشرية “هم أساتذتنا” و كم توقفت عند هذه المقولة و بحثت كثيرا في سر الإبداع…و في تلك الهدية الربانية…ذلك العبء الالاهي المسمى ” موهبة”.
كنت افتعل أنني أطبق المنهج النفسي على الأدب و الحقيقة أن الأدب يطبق ذاته على المنهج النفسي…لذا قد تهرب منا المنهجية…قد يتماهى المنهج في بحر ذات الكتابة…فهل نستطيع ؟؟ هل يمكننا يوما الطمع في اكتشاف سر أو حقيقة مبدع هو في أصالته- حسب قول ميلان كونديرا-” مستكشف للوجود”؟؟.
تهاجمني هذه الأسئلة وأنا ألج عالم “لامية بلخضر” القصصي أحاول خلخلته أو مباغتته لأجد السر..”عصي على النسيان” : بوح أنثوي..حكاية أخرى من حكايا شهرزاد أمام جلادها…بين جمالها و جبروته…كلمتها و سيفه…موتها و حياته” هل عليك أن تقتلني لتكون رجلا؟؟؟” ربما هكذا تساءلت كل أنثى غذت رجلا من ضعفها…من تضحيتها..أنثى خلقت من ضلع أعوج لتقيم الوجود..خلقت لتمنح الحياة و بالمقابل تتألم دائما…عليها أن تحتضر عند كل حياة..عليها أن تجرب الموت عند كل ميلاد..عليها أن تنسى عند كل خيانة..
حول ذلك دارت المجموعة القصصية لتعري وجعا أنثويا يكاد يكون أزليا..قصة تقول ببساطة “رجل فارق امرأة” ووجع يصرخ بهمس” وجود تغادره شمس”؟؟؟. لا..لن أكون ناقدة لأن “لامية” لم تكن قاصة بل شاعرة قاصة بالحجم نفسه و بوزن أثقل كانت إنسانة في قصتها، فهل يمكنني أن أكون قارئة شاعرة؟؟ إنها عدوى الإبداع..تطفل قلم..محاولة تأ طير لجمال لا يؤطر.
من أين ابدأ؟؟؟
العنوانالاسم: عصي على النسيان عنوان مركب..لجملة ناقصة على القارئ تكملتها..ففي لعبة الحداثة يتشارك المبدع و القارئ في العملية الإبداعية..اذ ما عادت غاية الكتابة الإمتاع..بل الإزعاج..و الاستفزاز..الدعوة الملحة للتفكير…
ّ أنت عصي على النسيان
ّ هو عصي على النسيان
ّ أنا عصي على النسيان
ما أ كثرما تخبرنا به القاصة..في عنوانها:
أنت ..نعم أنا أخاطبك- عفوا القصة تخاطبك- كم يصعب نسيانك ، كم تخونني الذاكرة باستحضارك..أنت هنا..لم تبتعد..أنت حاضر..ذكراك حاضرة..وجودي مثقل بحضورك.
هو..كان هنا ثم رحل…أيها الغائب لم تغب ذكراك..لازال حضورك يلغي غيابك..
أنا..لن تقدر على نسياني أبدا.
إذن..أنت …هو و أنا تمردنا على النسيان ، أعلنا العصيان..و الخروج عن القاعدة ” كل ما مضى يمكننا نسيانه” إن كان النسيان حيلة دفاعية يوظفها الدماغ –أحيانا- ليحمي صاحبه فهو هنا أمنية بعيدة لا يمكن تحققها لان المعادلة يقف طرفاها على محك المحاولة و الكبرياء…هي مفجوعة بغيابه…مرهونة بعودته..هو معاقب بذاكرتها…لا يمكنه التراجع.
هما يقفان في نفس الاتجاه…لكن بمكانين مختلفين فهل يلتقيان؟؟؟
العتبات:
إن صعوبة النسيان تتحول إلى صعوبة تطارد كل قصص المجموعة، فبعد النهاية أصعب الأسئلة” كيف أبدأ؟؟؟…من أين ابدأ؟؟”. و العتبات خاصية جمالية …رسالة مشفرة تختزل النص في بضع كلمات..لكنها هنا تأتي لوظيفة نفسية – إن جاز القول- لتأخذ دور الخطوات التشجيعية..هتاف يشجع الذاكرة و يغريها بالنسيان…عملية تشريحية للجرح…و رش للملح…صوت الخيبة تردد” تذكري …لتنسي” ربما لهذا تبدأ القاصة مجموعتها و تنهيها بالشعر ذاته- أقصد بالهتاف ذاته:
” باكية سفني في المرفأ تبكيني…
….
فلماذا تعذبني؟؟
…فلماذا اليوم تقتلني…
…لو كان فيها ما ينسيني”
لا تتوقف العتبات هنا بل تجتاح القصص جميعها، تشتتها و تجمعها بجمالية و دقة…فهذا هو التفكير الأنثوي( الحلزوني) تتوالد عندها الأفكار و المشاعر و الذكريات…تهجم عليها دفعة واحدة و بخبث المبدع طوعت “لامية” فوضاها و رتبت أوجاعها في شكل فواصل : المدخل الاضطراري- الفرضية- اللوحة الأولى-بداية إلزامية….فهل هذا تشتت؟؟ربما لكنها فاجعة الكتابة –آن تكتب على النسيان- أن تطارد على الورق حبا تريد أن يخرج منك..الكتابة على النسيان هي لحظة احتضار.
نهاية إلزامية:”كم شكوت اليأس يأسي؟؟
و ارتعبت ألا تعود…لكننا لن نعود”
قصة أم قصيدة:
أتعبتني “لامية بلخضر”..أتعبتني مجموعتها..كنت اقرأها بنهم و أحس بفوضى الأجناس الأدبية.. لغة شاعرة…وسرد قصصي…لوحة تجريدية…مشهد مسرحي…صورة خاطفة..ما كنت اقرأها …كنت أعيشها…أجدها تشبهني…تشبهنا. قصة تهرب من الورق إلى الشارع لتعكس أحداثا بسيطة تتكرر كل يوم، تلك البساطة التي تؤذينا و تأخذ منا العمر- ببساطة-… ذلك البرود الذي يسكننا…و الجري المستمر وراء ما نريد…أو ما نظنه حلم..”عصي على النسيان” قصص تتزاحم فيها محطات الانتظار و هذا الأخير أزمة وجودية أقساها “أن هذه الحياة محطة انتظار للموت”…و أجملها” أننا ننتظر دائما أملا قادما من بعيد…ولا نيأس” لان الله عز وجل عندما اخبر الملائكة بأنه كتب على الإنسان الموت اهتزت الملائكة من مصيرنا المشؤوم فكانت الرحمة الربانية” إني جاعل مع الموت أملا”.
” تعج الحافلة بالركاب
كلهم يكتوون بألم الرحيل…وفي كل وجه عاشق كنت أرى نفسي”( عصي غلى النسيان ص:73)
ومن رحم القصة تولد قصيدة هاربة من قوانين الشعر..تتخفى في ثوب حكاية تمنحها شرعية العبور” أتدري…؟
الفرق بيني و بينك… انك تعرف كيف تموت
أنت الذي احترفت واد الأماني في مهدها…حين تهيم تبيع الوفاء…و لا تهدي الأسى..وتقتات بعض فتات النزق”( عصي على النسيان ص:39).
ومن خيبتها- تلك الأنثى- تهرب من قوانين العقل لتستجدي في قصة ترقص وجعا( البصارة)” كنت امرأة تخاف السحر…تهاب التنجيم و الغيب.
ورحت اقصد بصارة؟؟؟
أتمايل في السير…أتردد…و طرقت باب البصارة”( عصي على النسيان ص:53).
قصة راقصة؟؟؟..نعم رقص فوق الجرح الذي بات يطلب دواءه من عند الشيطان؟؟
نعم أغنية ساخرة…تضحك من صاحبها…تلك الابتسامة الباكية.
الجنون:
تقول قاعدة في التحليل النفسي أن كل مبدع هو مريض عصابي، يعاني الذهان و الهذيان…و هي في اعتقادي محاولة مريضة لتفسير سر الإبداع…و أفضل القول أن كل مبدع يمتلك عينا ثالثة يرى بها مالا يراه غيره…أما الجنون فهو رفيق الكتابة الحميم..و ليس غريبا ان تعاني بعض شخصيات القصص من الجنون،ربما لأن هناك خيط رفيع بين العبقرية و الجنون…ور بما لانه و عبر العصور ادعى العقلاء الجنون لقول الحقيقة فهو حيلة دفاعية ذكية…وحيلة كتابية جميلة.
لكنه في ” عصي على النسيان” ضريبة العشق…اذ عليك في الحب أن تقدم عقلك قربانا…عليك أن تشتعل…و تهذي” لا تتهموني بالجنون..”( عصي على النسيان ص:47)
” لكم اهتز قلبه…و هو يتحدث عن جبران
لكم ثار..و هو يبرئ مي من تهمة الجنون
لكم ردد:
أن السكوت الذي يحدثه الملل ليس كالذي يوجده الألم”( عصي على النسيان ص:48).
النهايات:
الكتابة للنسيان نهاية حزينة..غصة و حرقة ، وجع أنثوي خاص سجلته القاصة في محطات للعبور…بالقرب من مدفأة تزيدك صقيعا…بين طرقات متفارقة…أمام محكمة ظالمة…في لحظة احتضار قاسية…كتبته و عجزت أن تنهيه.
بدت القاصة عاجزة عن وضع نقطة النهاية لذا لم تنتهي القصص..بل معظمها إشارة انتباه..تحذرك من خطر مجهول…أو قادم مجهول يحمل الأمل و الألم في كف واحدة…كل القصص تقول لقد حاولت لكني عجزت…نسياني محاولة هبوط اضطراري فاشلة…سفني تقف في عرض البحر ترفض أن ترسو بمينا آخر…طائرتي معلقة بين المغادرة و العودة…محطة للنزول و أخرى للانتظار…كلها تقول” أنا لم أضع نقطة النهاية بعد…لماذا؟؟؟ لأنك عصي على النسيان…لأنه عصي على النسيان…لأنني عصي على النسيان”.

 

 

 

 

 

———————————————————————————–

* دلال عبابسية ( أستاذة جامعية من من لجزائر )

اترك تعليقا