في ذكرى اغتياله .. بختي بن عودة ” الأيقونة ووزر الحداثة ” …/ ملف مسارب*
بواسطة مسارب بتاريخ 28 مايو, 2013 في 01:33 صباح | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 4376.

بعد ثمانية عشر سنة من رحيله ..
تشكل مسارات أسئلة الكتابة والترجمة والتفكيك والإختلاف

عند بختي بن عودة ../ قلولي بن ساعد*

لا يزال الناقد والشاعر المرحوم بختي بن عودة بعد ثمانية عشر سنة من رحيله مثيرا للجدل والنقاش بل وأكثر حضورا وتميزا إبداعا ونقدا من الكثير من الأحياء الأموات ومؤثرا في الذائقة النقدية الجزائرية لجيل جديد من النقاد والمثقفين المشتغلين بالقيم المعرفية التي آمن بها بختي بعودة وأخلص لها وكرس لها جهده خلال مسيرته الفكرية والإبداعية القصيرة ..قيم وقضايا “الكتابة والإختلاف” والغيرية و” النقد المزدوج” بتعبير الخطيبي والتفكيك وغيرها بإنتباهه المبكر لضرورة الإنفتاح على الفتوحات المعرفية والفلسفية المنبثقة عن علوم الإنسان والمجتمع والوجود والكينونة والتاريخ إيمانا منه بأن هناك قطيعة إبستمولوجية كبيرة بين النص الأدبي الجزائري والتحولات التي عرفتها المعرفة في العلوم الإنسانية في عالمنا المعاصر دون أن يتناسى شروط خصوبة هذه المعرفة النقدية “وتبئتها ” أي تبيئة المفهوم كما يعبر عن ذلك محمد عابد الجابري أي تهيئة الظروف المناسبة لأي يحيا فيها المفهوم متخلصا من مركزيته ليعيش معنا مشاهد حيوية النص ومشاغل عصرنا في مرونته وإستقلاليته وفرادته الإجرائية وقابليته لأن يمد النص الإبداعي الجزائري بأشعته الكفيلة بإضاءة مضمراته وجوانبه الداجية أو “إنتاجيته النصية ” بتعبير جوليا كريستيفا ويزداد الأمر تفاقما حين نتأمل لغة بختي بن عودة الإصطلاحية العميقة الغائرة التي ينبني عليها مفهوم ” الكتابة والإختلاف “عند جاك ديريدا وغيره من فلاسفة الإختلاف كجيل دولوز وميشال فوكو خاصة ديريدا على إعتبار أن “هذا العالم أصبح دريديا ” في منظور أليزابيث رودينسكو في كتابها المشترك مع ديريدا “ماذا عن غد” /” التفكيك الذي كان يشكل رؤيا معرفية لدى بختي بن عودة خاصة فيما يتصل “باللوغوس ” الدليل الواحد الذي أقامت عليه العقلانية الغربية في مركزيتها المتعالية عبر ملفوظات الكليانية وعقدة التفوق الغربي التي شحنت مضامينها منذ أرسطو وإلى الآن عبر مسارها النقدي والأنطولوجي والتي ناهضها ديريدا عبر ما ترسب في مخياله الفكري من قراءاته لمفكرين نافذي التأثير على غرار نيتشة وهايدغر وفرويد ولاكان وأدموند هوسرل ومما بقي قابلا للقراءة المنتجة من نصوص الدرس الماركسي في أواخر عطاءاته خاصة نصوص غرامشي التي أقرت جميعها على التصدي لهيمنة الدليل الواحد في سرديات العقلانية الغربية المقيدة لأحادية المعنى على ما سواها من الهوامش والثقافات الأخرى نسبيا ودون أن تذهب في ذلك بعيدا يضاف إلى ذالك أيضا تأثيرات جذوره اليهودية كهامش من الهوامش الشرقية ومخياله التربوي والنفسي الذي يدين إلى موطن مولده و طفولته “الجزائر” بالكثير مثله في ذالك مثل مواطنه المفكر اليهودي الأصل الجزائري المولد هيلين سكسو وفي هذا السياق يشير الدكتور أحمد عبد الحليم عطية في دراسته ” ديريدا وحقوق المستقبل / ماذا عن غد ” المنشورة ضمن كتاب جماعي أشرف عليه المفكر الجزائري محمد شوقي الزين “أن الشاعر أزراج عمر إعتبر أن مفهوم الإختلاف ومفهوم الغيرية عند جاك ديريدا وهيلين سكسو ليسا نتاجا لتجربتهما المعرفية فحسب وإنما أيضا لسنوات التكوين الأولى في الجزائر ونتاج ذالك الإحساس بالوجود والإنتماء إلى الأثنية اليهودية في ظل المجتمع الجزائري المستعمر /صحيح أن إحساسه كيهودي موزع ومهمش له تأثير في تشكيل فلسفته ولكن هذا الإحساس تشكل أيضا من من صدامه مع المستعمر الفرنسي في الجزائر وليس من علاقته مع الإنسان الجزائري الذي كان يحارب الإستعمار والخلاصة التي يراها أزراج أن فلسفة ديريدا في عمقها هي نقد لميتافيزيقا الغرب وأن هذه الميتافيزيقا أخذت بعدها الأقصى في اللحظة الإستعمارية لأن الإستعمار ذاته هو نفي للحوار ونفي الحوار هو ميتافيزيقا بإمتياز وعلى هذا فإن نظرية ما بعد البنيوية كبعد من أبعاد نظرية ما بعد الحداثة في فرنسا لا يمكن أن تدرس بدون الخلفية الإستعمارية للجزائر ” (01 ) و دريدا نفسه لا ينفي ذالك بل يعلن صراحة في كتابه ” أحادية الآخر اللغوية ” قائلا ” هذه الأنا التي أختصرها في كلمة واحدة هي في حقيقة الأمر ذلك الشخص الذي فيما أتذكر منع في الجزائر من إيجاد منفذ إلى لغة أخرى غير الفرنسية كالعربية الدارجة والفصحى أو البربرية “( 02)ويضيف ” أنا لا أملك إلا لغة واحدة ومع ذلك فهي ليست لغتي فلغتي الخاصة هي لغة لم ترقى بعد إلى مستوى اللغة التي يمكن تمثلها ولغتي هي اللغة الوحيدة التي أنوي التحدث ومن ثم التفاهم بها هي في واقع الأمر لغة الآخر” (03 ) كل هذه الإحالات والمصادر تشكل المرجعية الكبرى لإنبثاق مفهوم الإختلاف لدى ديريدا الكفيلة بمناهضة تجربة” اللوغوس “أو الدليل الواحد في آلياته المركزية عن طريق ما يسميه دريدا “الضيافة الغير مشروطة ” أو ” إمتياز الضيافة ” بتعبير الخطيبي في سياق التجاوز المنتج للوعي النقدي السائد الذي يركز على ما هو سياقي وخارج نصي وأحيانا إيديولوجي أرثوذسكي والقطع مع كل ثوابت و قيم الإنصياع الأعمى لنسق الدليل الواحد في العقلانية الغربية بإتجاه عملية هي أشبه “بإقتسام الفهم ” بتعبير ميشال فوكو من خلال تسلح هذا الباحث والناقد المتميزأعني هنا بختي بن عودة رغم عمره القصير بفلسفات نيتشة وهايدغر وديريدا وموريس بلانشو وفيليب سولزر في مزج إبداعي يستحيل أن نجد له مثيلا ضمن حقول البحث والدراسة في الثقافة الجزائرية إلا في ما ندر مستحضرا في ذاته الثقافية كل ما يخص ثورية النقد التفكيكي في إعتداده بنسبية المعرفة ورفضه المطلق وجود قراءة صحيحة وإعتبار أن كل القراءات هي نوع من “إساءة القراءة” كما يقر يذالك دريدا ومناهضته لأوهام العلمية والصرامة مثلما تبدوا أشد وضوحا في التراث الفلسفي لمدرسة الشكلايين الروس والمناهج النسقية المغلقة التي تتعامل مع النص بوصفه بنية لغوية مغلقة في نفي مباشر للصيرورة التاريخية وللقارئ بإعتباره منتجا للمعنى المعنى المنفتح على تعدد منافذ النص التأويلية طالما أن التفكيكية ليست نظرية بل هي مجرد تصور أو رؤية نلمس ذالك في دراساته سواء ذات المسحة الفلسفية النظرية أو تلك التي خص بها نصوص إبداعية لمبدعين جزائريين ولم يتوقف جهد بن عودة النقدي عند هذا الحد بل لامس أيضا تحولات المجتمع والسياسة فكتب عن الراهن العبثي الجزائري أو ما سماه ” اللحظة الجزائرية ” في مقاله الشهير الذي نشره أياما قليلة قبل إغتياله ” اللحظة الجزائرية بين قدر المعنى وواجب المفهوم” اللحظة الجزائرية … بكل دلالاتها الثقافية والإجتماعية والسياسية بنفس الدهشة التي أوقعته في “علامية ” بارت وغريماس وجوزيف كورتيس لإستقراء المحمول العلاماتي ” للتبيين “بالعودة إلى مفهوم ” السمة ” عند الجاحظ كمعادل موضوعي لما أصبح يسمى بعلم العلامات أو ” العلامية ” وهذا ما نلمسه في إفتتاحية مجلة التبيين وهو يرأس تحريرها ثم ذالك القلق الأنطولوجي وهو يقرأ ” الجزائر الجديدة ” كما يقول “كمدونة ثقافية وتاريخية وسوسيولوجية من وهم الدولنة إلى رج الكبوتات ” مثلما يرى فيما يسميه “التأزم البنيوي للمجتمع وهو محتار في شؤونه وظلال المعارك الفاصلة بين دور العقل/ النخبة / الإيديولوجيا” (04)خاصة وأنه كتب هذه المقالات في عز الأزمة الأمنية من تسعينيات القرن المنصرم حيث إنسحاب مؤسسات الدولة الشبه كلي من الحياة العامة ولذالك ظل سؤال “الكينونة والوجود” والتاريخ المنسي يسكنه كالوجع المزمن وليس من شك في أننا حين نعيد قراءة المنجز النقدي لبختي بن عودة الذي نشر بعضه والبعض الآخر لايزال متناثرا ومتباعدا في بطون المجلات والدوريات العربية فإننا نقرأ مقدمات أو نواة لمشروع نقدي كان يمكن له أن يرمم بعض فجوات النص الإبداعي الجزائري ومساحات تمفصله السردية منها أو الشعرية ومن ثم إكتشاف قواعد “إنتاجية نصية ” بتعبير جوليا كريستيفا لا على شكل متتاليات أو إضاءات ماقبلية على النص كوصفة جاهزة وإنما في صورة إعادة إنتاج “وإمحاء إيجابي ” بالمعنى الذي أشار إليه دريدا أو ” كتابة محو ” بتعبير محمد بنيس تعمل على فتح منافذ النص والإبقاء عليه قابلا للقراءة المستمرة المتعددة الأبعاد والمستويات بماهي ” قراءة مزدوجة” على رأي عبد الكبير الخطيبي لا نتمكن قط من الإنتهاء منها وإستنفاذ أسئلتنا اللاشعورية حولها ضمن دائرة “التعاضد التأويلي للنصوص ” مثلما يسميها أمبيرتو إيكو التي أصبحت الموجه الأساسي لتيارات التفكيك والتأويل في النقد الذي كرس له بن عودة كل جهوده بواسطة “إزدواجية الرؤية ” لولا أنه طموح إنتهى به المطاف وهو في أول الطريق و لم يكتب له التجسيد والديمومة هذا فضلا عن جهوده في حقلي الترجمة والشعر/ الترجمة التي أولاها أيضا أهمية كبرى وقدم بشأنها في السياق العربي دراسة مهمة بعنوان ” الترجمة ونسق التطابق ” مفككا كعادته وهم التطابق والتماثل السائد في الفعل الترجمي من حيث يرى هذا التطابق ” يتموقع كشبح إضافي مرعب وملتبس ضد إستقلالية ما تتوخاه ترجمة إختلافية وليس كبيان ثقافي أو فلسفي وإنما كتجربة لا تكرس المهادنة مع الحضور ولا إعادة تأسيسه بدعوى الواجب وآنية هذا الواجب فهي تتحمل عندئذ مجموعة مخلفات وآثار وإجتراحات تزخر بها النصوص بماهي طبقات وطيات “(05) وقد إنخرط فيها لينقل إلى لعتنا العربية دراسات ومقالات عديدة منها دراسة للروائي مولود معمري عن ” الشفوية / الخطاب والبربرية ” ودراسة أخرى للشاعر محمد سحابة عن ” الشعر الجزائري ذي اللسان الفرنسي بعد الإستقلال” نشرهما بمجلة الفكر الديمقراطي السورية في عددها الحادي عشر سنة 1990ودراسات أخرى لديريدا وعبد الكبير الخطيبي نشرها بمجلات عربية مرموقة / الخطيبي الذي خصه أيضا بدراسة جامعية تحدث فيها عن ” ظاهرة الكتابة في النقد الجديد / مقاربة تأويلية / الخطيبي / نموذجا ” الخطيبي الذي وجد فيه بن عودة النموذج الأمثل بإتجاه إنزياح منظورات الكتابة النقدية عن جاهزية الوعي النقدي السائد والمطمئن والتوصيف القار لدورة الحقول المعرفية الأخرى المجاورة للنقد مثل التحليل النفسي والنقد السوسولوجي المعرفي كجزر كانت إلى عهد قريب وفي مكونات النقد الإيديولوجي التاريخي غير قابلة لشروط الضيافة النقدية أو “إمتياز امتياز الضيافة ” بتعبير الخطيبي وهو يعلن حين يتوخى مساءلة ظاهرة الكتابة عند الخطيبي “أننا لسنا أمام نقد خالص بل أمام إنتشارغير منتظم داخل فضاء يجمع التجريبي والباطني والمفهومي واللغوي مكسرا الأحلام القديمة لدى ممثلي الحداثة العربية والغربية للمقولة الخاصة بالنقد ” (06 )الكتابة التي يراها بن عودة “صيرورة وليس مدرسة وهي فاعلية وليست قوة إرادة وهي مناهضة جذريا ضمن النص وخارجه للتراتبية المطمئنة والتي تعمل على تمرير ما ليست له أية تاريخية “07 “الخطيبي الذي ينفلت من أي تصنيف أو معيارية وهو القائل “يريد الآخرون أن يؤطروني داخل خانة واحدة والحال أني الممتهن لقياس المساحات ” فهو الشاعر في ” مناضل طبقي على الطريقة التاوية ” وهو الروائي الذي كتب ” الذاكرة الموشومة ” وهو الناقد الذي وضع أول دراسة للرواية المغاربية ذات اللسان الفرنسي في كتابه الرائد والتأسيسي ” في الكتابة والتجربة ” الناقد المسكون بقضايا الهوية والإختلاف وهو ما عبر عنه في كتابه ” النقد المزدوج ” أي نقد الأنا والآخر وفي الإسم العربي الجريح ” الذي أعاد فيه قراءة ظاهرة الوشم على الجسد مستخدما آليات نقدية متعددة ومنفلتة من أسر المركز وهيمنة المنهج وهو الكتاب الذي ساءل فيه أيضا المنطوقات السردية والحكائية الملتبسة بالطابو الإجتماعي والديني لكتاب النفزاوي الشهير الروض العطر في نزهة الخاطر ” وغيرها من أعماله النقدية التي يعبر فيها عن إزدواجية رؤياه لمسار الثقافة العربية في لقاءها المتوتر والتاريخي بالثقافة الغازية ممثلة في المحمول الإبداعي والفلسفي للغة الفرنسية وهو ما يسميه ” بالعشق المزدوج للسان” الذي هو نتيجة حتمية للقاء تم بين لغتين وثقافتين ” لغة العقل الباروكي الذي يقر كتابة تتجاوز أية دلالة وأي شكل مسبقين ولغة الفتنة بالإختلاف الذي يرسخ الحنين ..الشحنة المتدفقة حاملة الإسم في بحر كتابة تحول مجرى اللغة بتحريرها من الفخ الميتافيزيقي الذي لم تنج منه أيضا الدراسات اللسانية لتوظيفها الدليل الواحد الذي هو مفهوم يحيل على اللوغوس الغربي “(08 ) ولاشك أن هذا ما جعل بختي بن عودة يرى في ظاهرة الكتابة عند الخطيبي مادة خصبة وفضاءا نقديا جديرا بالتناول النقدي والمساءلة الفلسفية الأنطولوجية إنها تجربة يقول بن عودة ” ذات طاقة توزيعية وهذه الطاقة ليست في الأصل سوى ذلك الولع بوضع مقدمات إبستمولوجية تراهن على تعدد الدلالة ” (09) مبتعدا قدر الإحكام عن ثقافة الحسم والنهائية فيما لا يقبل الحسم والأحكام المطلقة والأوهام العلمية مقدما بعض التساؤلات الوجيهة منها ” كيف يتحول الإختلاف إلى ظاهرة ..كيف نتحايل على الموانع الأكاديمية …لنفجر غبطة الشكل ونقترب من طرح السؤال وهو سؤال النص ” (10) للفرار من جاهزية التناول المدرسي والطرح الدوغمائي ومما يسميه بن عودة نفسه ” المتعاليات البحثية أي الدورة المغلقة لسفر القراءة ” (11)من أجل الولوج بتعبير دريدا في ” البنية الغير متجانسة للنص ” طالما أن الخطيبي نفسه موضوع الدراسة لا يرغب أصلا في حصره داخل بوتقة واحدة وفي زاوية واحدة فرغم كونه مفكرا وباحثا سوسيولوجيا ومحللا نفسانيا وناقدا وروائيا وشاعرا الأمر الذي وعاه بن عودة جيدا ليصبغ عليه صفة الكاتب الصفة التي يراها محدودي التكوين أقل من ذواتهم المتميزة جدا في النوع البشري ومن حضورهم الزائف وهي التي يفضلها الخطيبي لشموليتها ..” الصفة التي تحتفظ بفكرة الهامش ولن تمثل أي توصيف مدرسي يورطها في حسابات قد تجاوزها النقد الجديد الذي فتح أبوابه لحساسيات عديدة نعثر فيها على أجوبة التجريب والمتعدد واللانهائي ” (12) معلنا أنه لا يريد أن يقترح نظرية بقدرما يريد أن يفتح سؤال النقد على آفاق جديدة بموضعة تجربة الخطيبي في سياق النقد الجديد المسلح كما يراه بختي بن عودة “بحمولة منتجة ضمن أنظمة معرفية تنتمي إلى الآخر وهي تمزج في أثناء مساراتها بين المتغير كثابت منتظم وبين القوة التاريخية التي تصنعها ليس العلوم وحدها بل الأنساق الغير أدبية من واقع وسياسة ومجتمع ” (13) ولا بأس في النهاية أن أسجل في هذه الورقة /ما سبق وأن أشرت إليه في أكثر من مناسبة أن بختي بن عودة /الإنسان كما يعلم كل من عرفه عن قرب كان مثقفا متواضعا إلى أبعد الحدود وكريما وسخيا حتى مع أولئك الذين كان يختلف معهم إيديولوجيا وثقافيا أو الذين ناصبوه الخصومات المجانية ورجلا بالغ النخوة والكرامة التي إكتسبها من جذوروالده عمي سليمان أطال الله في عمره البدوية لتمسكه بقناعاته الشخصية والفكرية فقد تسنى لي شخصيا أن أقرأ في بيته بأعالي عمارة سان شارل بوهران رفقة الصديقان عبدالله الهامل ومحمد بن زيان عددا من العناوين المهمة لرموز فكرية إكتشفتها لأول مرة على غرار الخطيبي وديريدا وجيل دولوز وميشال فوكو ولولاه ماكان يمكن لي أن أتعرف عليها أو على المحمول الفلسفي لهذه الرموز والأيقونات الفكرية أو أن أتخلص من هيمنة ” المؤسسة الذوقية ” “للمركز التراثي ” من حيث رفضها لثقافة الآخرومنجزه الإبداعي والفكري الإجرائي جملة وتفصيلا لدرجة الوهم بالإكتفاء الذاتي ضمن مدارات أفقها مسدود في سياق ” الولع بالأصل ” بتعبير أدموند جابيس أو ما يشبهه لا يحقق مما نريد من تأصيل إلا بعض الإسقاطات الهزيلة ذات الوجه الإنتقائي المقصود من عيون تراثنا البلاغي والنقدي الذي نعتقد أنه في حاجة ماسة إلى جهود مخلصة تعيد قراءة جوانبه المضيئة بآليات جديدة تجعله يعيش معنا هموم ومشاغل عصرنا بما يستجيب لأسئلة الكتابة والنقد والإختلاف والمثاقفة بعيدا عن ردود الفعل النفسية والتسطيح والتراكم والمنطق الإستعراضي السائد على أكثر من صعيد.

إحالات
01) ديريدا وحقوق المستقبل ماذا عن غد – أحمد عبد الحليم عطية – ضمن كتاب جماعي بعنوان “جاك ديريدا ما الآن .. ماذا عن غد ..الحدث الخطاب .. التفكيك”..ص 290 291 أشرف عليه محمد شوقي الزين –منشورات الإختلاف الجزائر – دار الفارابي بيروت – 2011
02) أحادية الآخر اللغوية – جاك دريدا –ترجمة وتقديم عمر مهيبل – ص 55 منشورات الإختلاف الجزائر والدار العربية للعلوم – بيروت 2008
03) نفس المصدر ص 64
04) رنين الحداثة – بختي بن عودة – ص 139
منشورات الإختلاف – الجزائر 1999
05)هذه المقاطع من مقال بختي بن عودة ” الترجمة ونسق التطابق ” مأخوذ من مقال محمد شوقي الزين ” الترجمة والإختلاف آثار بختي بن عودة ..الهامشي والعدمي مرة أخرى” – مجلة كتابات معاصرة – بيروت العدد 34 ص 08 1998
06 )ظاهرة الكتابة في النقد الجديد مقاربة تأويلية الخطيبي نموذجا – بختي بن عودة- ص 13 منشورات مديرية الثقافة لولاية معسكر ودار الأديب بوهران 2005
07) نفس المصدر ص 13
08)الفتنة أو إختلاف الحب الذي لا يمكن تذويبه – كريستين بوسي غلوسكمان – منشور ضمن المجموعة الشعرية ” مناضل طبقي على الطريقة التاوية ” للخطيبي – ترجمة كاظم جهاد – دار توبقال الدار البيضاء – 1986
09 ) ظاهرة الكتابة في النقد الجديد مقاربة تأويلية الخطيبي نموذجا – مرجع مذكور – ص 12
10 ) نفس المصدر ص 11
11)نفس المصدر ص 12
12)نفس المصدر ص12
13) نفس المصدر ص 17

——————————————————

* قلولي بن ساعد (قاص وناقد من الجزائر )

 

 

ما تبقى لنا من بختي..؟؟

                                                أحمد عبد الكريم *

من الصعب استعادة بختي بن عودة (1961- 1995 ) في ذكرى وفاته الثامنةعشر، بالشكل الذي نتمناه جميعا، ذلك أن بختي كان كاتبا ومثقفا إشكاليا من الطراز العالي، متعدد الاهتمامات وزوايا النظر إلى الأشياء، منفتحا على العديد من اللغات و الحقول المعرفية والنقدية والإبداعية، ما يصعب عملية الإحاطة بكل هذه الجوانب في شخصيته..
إن صعوبة الأمر لاتعفينا بأي حال من الأحوال من فعل المحاولة، لا بالشكل الأكمل بالتأكيد، ولكن بالشكل الممكن والمتاح. لذلك فإنني أعتقد أنه أصبح من الأهمية بمكان استعادة بختي بهذا الشكل أو بأي شكل آخر، على الأقل في مرحلة أولى، وحين يحدث ما يحدث من تراكم يمكننا من غربلة هذه الاستعادة نوعيا، حينها يمكن أن نتكلم عن مسألة كيف نستعيد بختي بن عودة؟ أما أن يحاط هذا الرمز الثقافي والعلامة الفارقة التي علمت في المشهد الثقافي خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات بكل هذا الصمت والجهود والتعتيم، فهو أمر لا يمكن قبوله تحت أي مسمي أو أي ذريعة، لأن الرجل لم يكن نكرة، ولكن كان مثيرا للجدل ممتلئا بحرقة الأسئلة التي مازالت معلقة إلى اليوم، تزيد السياقات الجديدة من حدتها..
بعد ثمانيةعشر عاما من اغتياله، مساء ذات اثنين كهذا اليوم بتاريخ 22 ماي 1995.. مرات قليلة، ومناسبات نادرة هي التي استعدنا فيها شخص بختي بن عودة، ربما يعود آخرها إلى الملتقى الذي عقد له بمدينة معسكر بمبادرة من مديرية الثقافة التي كان على رأسها صديقه جمال فوغالي..
كيف تبخر كل ذلك الحماس الذي أبداه كثير من أصدقائه؟ في ما يتعلق بجمع كتاباته ونشرها، ولولا أن الأصدقاء في منشورات الاختلاف أسرعوا بنشر كتابه “رنين الحداثة” لما تم الالتفات إليه.. ألا يتحمل أصدقاؤه من الإعلاميين والجامعيين والكتاب مسؤولية هذا النسيان..؟ وهل ذاكرتنا قصيرة إلى هذا الحد الذي يجعلنا ننسى واجب الوفاء لذاكرة كاتب ومثقف من طرازه، تحمل وزر الحداثة بحلوها ومرها واكتوى بنارها مثل الفراشة العاشقة.. ملأ الدنيا وشغل الناس بأفكاره التنويرية التي كانت أفكارا استشرافية سابقة لسياقاتها، أفكار كانت تنبجس انبجاس الماء من الصخر الصلد في الأرض اليباب، أشبه ما يكون بالإشراقات الصوفية التي جعلت منه “عرّاب الحداثة” في الجزائر، وزعيم الحداثيين الذي كان يشار إليه بالبنان، بنان الغيرة من قبل أصدقائه من الحداثيين، وبنان الاتهام من قبل أعداء الحداثة ومناوئيه من ذوي الأفكار الأصولية..
أستغرب كثيرا حين أسمع أحدهم يتكلم عن الإرهاب الأعمى الذي طال بختي في ريعان الشباب، وفي بلد لا يولي للثقافة أي اهتمام، بل يصنفها في أدنى درجات سلم القيم.. ليقيني بأن الإرهاب الذي استهدف بختي بن عودة لم يكن كذلك، بل كان بصيرا لأنه كان يدرك أنه يصيب في مقتل، بما كان لبختي من تأثير كبير وعميق على منظومة الفكر عندنا عامة، وعلى أبناء جيله فكرا وإبداعا بدليل ما آل إلى مشروع هذا الجيل من هجرة وشتات وانتحار رمزي وصمت شعري بعد اغتيال بختي بن عودة، ولم يبلغ بعد الخامسة والثلاثين من عمره، لكن عقله كان بعمر أبدي يمتد إلى ما لا نهاية..

—————————————————————–

* أحمد عبد الكريم ( شاعر وروائي من الجزائر )

عشية استذكار الراحل بختي بن عودة ؟

                                                               جمال غلاب *

لم يسبق لي و أن دلوت بدلوي في فكر و ابداع الراحل بختي بن عودة . لأسباب كثيرة و متعددة ؟إ و هذا ليس مرده عدم الاعتراف بفكر الرجل و ابداعه ؟إ و انما خلاصة خلاصات عزوفي أن أغلب الكتابات التي تناولته في الملاحق الثقافية للجرائد كانت في معظمها خاطئة وكما هو متعارف عليه من دآب على الاشتغال على الخطأ لا يمكنه قبول من يخالفه ؟إ

وتصحيحا لما سلف ذكره يجب اعادة قراءة كل ما كتب الراحل بختي بن عودة قراءة صابرة و متأنية ومن باب الاحتياط نسأل السؤال التالي :من يكون بختي بن عودة فكريا و ابداعيا ؟ و ماذا يريد من المتلقي ؟ و الجواب الراحل بختي بن عودة لم يأت بجديد و الحداثة التي كان يروج لها لم تكن تعني الانسلاخ و لا ارتماء في احضان الآخر ؟ ,,, الحداثة التي نادى اليها الراحل بختي بن عودة أنه اشترط حضور السؤال أمام أي جديد متجدد قصد الدخول فيه بعقل واعي من أجل خلق المعنى وهو عمل اجرائي فقط حسب تفسير فقهاء القانون ؟إ ..

ومن الرؤى التي جسدها في كتاباته أنه توصل الى جمع بعض الفرضيات لحل اشكال القائم بين السياسي و المثقف ؟إ و خلص الى اقتراح مبدأ اعتماد السياسي على المثقف في تنويره و ترشيده ـ و يعني هنا بالمثقف العلوم الانسانية ـ فعلى حد تقديره السياسي يمكن أن يمتلك الحقيقة لكنه لا يمكن أن يمتلك كل الحقائق ؟

و ما يعجبك في فكر و ابداع الشاب بختي بن عودة أن مبعثه أصيل و يعي ما يقول وما يفعل و ما ينادي اليه ؟ فمثلا حينما تجالسه تحس أنك أمام منظومة فكرية تستند على مصادر و مراجع يغلب عليها طابع التنوع و التعدد ؟ و هنا تحضرني حادثة مدهشة : فعندما سئل عن النص الناضج أجاب : النص الناضج هو النص المهاجر بين ثقافات العالم ؟ اجابة تختصر التفتح في أوضح معانيها ؟إ و عن النص المقدس بالنسبة له أجاب : النص المقدس هو المستوحى من القرآن الكريم ؟ و السؤال الذي يطرح نفسه : هل الحداثة التي نادى اليها بختي بن عودة تنطوي على الضرر ؟ ,,, حداثة تجمع بين الاصالة و التفتح ؟ إ

أخيرا و ليس آخرا الراحل بختي بن عودة اشتغل على السؤال لانتاج الكثيرمن الأسئلة محاولا تصحيح الكثير من المسارات الاجتماعية و الثقافية و الادبية و السياسية و عليه أي حراك فكري حول الراحل و ابداعه يجب ان ينطلق من أرضية السؤال لاعادة نقد ما تراكم في اذهاننا لمواكبة الواقع و المتوقع .

 

——————————————————

* جمال غلاب (ناقد من الجزائر )

اترك تعليقا