كم أحببتُ شجرة التفاح … / عادل بلغيث *
بواسطة مسارب بتاريخ 8 يونيو, 2013 في 11:22 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2158.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من مذكّرات صابر شهيد
—————————
كم أحببتُ شجرة التفاح”
******************
(( كم أحببتُ شجرة التفاح)) هذه المعسولة الصوتية ،وكأنني لا أشبع منها،هي تماما تحبّ شجرة التفاح ،ولا تدري ماحجم هذه الشجرة في الروح ،،بل قد ابتدأ نماؤها من البذرة الكبيرة التي اسمها قلبي،،فهل هي تحبني ، أو على الأكثر الفسيح ( ت…حبّ قلبي)
كم أحببتُ شجرة التفاح” ، هي تقصد لوحة كاميل بيسارو ،،ذلك الفنان الإيطالي ، ضبابيّ الأصابع ،لم يقتنع باللون وهو بريّ المذاق ولأجل أن تشربه العيون بانبساط ،كان يلفّه كالكيميائيّ في عاصفة زيتية بين الأبيض والأسود ،،ليقدّمه خفيفا طفيفا لعيون الحالمين ،،،،
وأن أيضا أحبّك ،وأحبّ شجرة بيسارو ، البيضاء بالزهور ، والخالية من التفاح ،،
كلّ التفاح الـــذي لم يُثبَّت على شجرة بيسارو لك ،،،ترتفعين الآن إليها بيديك اليافعتين ولا غير عصافير “الشاردون” ،تقفز بين الأغصان ،بأصوات تشبه طعم التفاح الحامض ،في الأوائل
بل كلّما يأتي من غيب الثّمار على الشجرة ،،لك ،، ،،فانتظريها فعادة الهدايا أن تُغلّف ، وبيسارو غلّف السلال ،،والأسواق ،،ووجوه ملايين الفتية من قاطفي الغروس ،،وغلّف ثمار الشجرة ذاته ليهدينا أجمل الغيب منها ،،وأقاصي الحصول
ولكي لا يسرق أحد شيئا منك ،وأنت غائبة ، غيّب ما يمكن ُ أن يكون لك ،،تماماكما تفعلين الآن معي ،،تسرقينني من أحد ما ،ربما مِن أنا ،،أو مِن هي “ذات هي من أنا”
**
“كم أحببتُ شجرة التفاح”
وأنا مثلك محتار في هذا الحزن الذي يأكلني،كل مساء ،،لكنني لا أبكي ،،بل أحسّ بملوحة دمعي ،،فمنذ أيام أقلعت على التدخين ،،
لكنني أدخن دائما في مسائي الداخليّ المليء ،بصنوبر المقابر ،،وصنوبر المدارس ، و بصنوبر الذكريات، أعود ل “سارة” ،أجل “سارة” هناك فأراها ، متكئة على سور الحياة ،بانتظاري، ترطن بنغم انجليزي للسود ،،كانت تهوى الجاز الذي صنعته أعنف القلوب ضعفا ،،وتهواني أنا لأنني الرجل الوحيد الذي أسمح للنساء دائما بأن “يحاولن” ،،،وأن يكتبن اسمي كما يشأن على مسودّة القدر ،،لم أهتم للاجابة يوما ،،لذا كانت سارة جديرة بالحياة ،التي صنعناها على سورها ،،دون دخولها ،،لم أكترث للجواب يوما ،،ولن أكترث ،،أكتفي دائما بما أقرؤه على مسودّة القدر،،فإن أتى القدر عكس ما أظنّ من فرح ،،أكون بعيدا عنه دائما بمسافة من فرح

“كم أحببت شجرة التفاح”
وأنا كذا أحببت كلما سيأتي ،،لأنّه سيكون خارج النّصّ ،،وخارج اللوحة ،،دائما ،،ففي إحدى الليلات نامت “سارة” ولم ينته حلمها إلى الآن ،،اختارت الحياة بكل الألوان التي كان خيالها يرسمها ،،
“ماذا ما بعد احمرار التفاح ،،واصفرار القمح” ،كانت دائما تسألني هذا السؤال ، وهي تداعب أرنبة أنفي ،،وتضحك حدّ الغناء
كنت أجيبها ،،: تفاح أحمر، وقمح أصفر بعد عام ،،،،بعد عام
تقول : لا ،،أنت مخطىء ،،،،لو تركنا التفاح ينتقل بأمان من غصن الشجرة إلى غصن السماء ،،سيحبّ أن يكون أزرق ،،،أزرق ،،أزرق
تستند إلى كتفي ،،ثم تقف ، وتبدأ بالرقص ،،،
مابك سارة؟
أنا أهضم قبلاتك ،،
كيف وجدتها
وجدتها بطعم التفاح الأزرق
**لم أشأ أن أتمرّس في التأويل ،،منذ أن انتقلت سارة من غصن الحياة إلى شجرة الغياب الكثيفة المظلمة،،كنت دائما أكرر الايمان بالألوان ،،بعد الأحمر ،أحمر ،،،،بعد الزهري زهري،،،وهكذا
كم أحببتُ شجرة التفاح

معسولة صوتية أعشقها ،،هي تشبه الرغبة في اقتسام سرير مسائي ،،بين رجل وامرأة ،،لا يستطيعان النوم بقلبين منفصلين ،على حالة حبّ يحاول أن يسقط كالظلام على أشجار الحدائق ،،
التفاح أسود في الليل يا حبيبتي ،،لكنّك لو فكرت في خدش سواده بأظافر الضوء ،،ستولد منه نافذة حمراء ،،تماما كالفجر

في لوحة بيسارو ،،هناك بيت ،،بيت لمن سيكبر في عهده التفاح ،،وهناك غائبان : صاحب الشجرة و ثمارها ،،لكن الفرق بينهما وبين كلّ الغائبين ، أنّ لهما مكان ،،لكنّ سارة التي هي نائمة حتى أواخر هذا المساء ،،ليس لها غير سور المكان….وهي الآن تتسلقه ، ظانة أنني دخلتُ دونها ،،لكنني خلفها تماما ، وأرصد نقطة وجهها حين تلتفت ، لكنني لا أراه إلا كنقطة زيتية شقراء على ريشة بيسارو تدلّ على وجه بعيد تكتنفه الأنوار الغاربة
المدرسة التنقيطية “أو “الانطباعية الجديدة” pointellisme،،كانت تحاول أن تغطي وجع الملامح ،،،لكنها جعلت اللوحة كلها وجعا ،،،أمّا العجوز بيسارو ،، فقد رسم بهذه التقنية الأطفال ، وأشجار التفاح ،،وترك ل ” سورا” و”بول سينياك” ،،أوجاع رسم البحار بنقاط
عديدة،،وبعيدة ،،،،،طبعا خبرة العجوز بالألم ،،جعلته دائما ينحاز إلى التفاح قبل أن يولد ليُقطَف،، وللغيوم قبل أن تُمطر لترحل وللقاء و هو يرتسم بقلم الكاربون على غيوب الساحات والدروب الليلية ،قبل أن ترجمه الورود ذات يوم بكل ألوانها الواهجة
كم أحببت شجرة التفاح ،،
آآآه ،،بلليني بصوتك الذي يثير فيّ غريزة الحياة ،،كأن أقول “لا أريد أن أرحل عنك” ثم أقول “لقد رحلت مكرها” ،،تماما أريد أن أعيشك كما يعيش طفل صغير مع شَعره الكث الملىء كل ليلة بالمطر ورياح القمم المثلجة ، ويقاوم مقص حلاقته الأولى بكلّ ما ينحدر على ذاكرته من نسيم لمس خصلاته المضيئة في كل مكان ،،،،كل هذه الأحزان الثمينة التي يمتلىء بها قدري ،،هي ثروتي التي تجعلني أفرح لأنني ( حزنتُ دون قصد ،لكن بإرادة الخروج من الحزن ) ، هي أحزان مختلفة ، لأنها دون قصد،،سقطت على أيامي كما يسقط “الميتيوريت” الكريم ،،من حواف كواكب الرب الكريم ، على سقف بيت فقير ،،يهشم قرميده، ليرمم لاحقا معاشه ،،هي كلماتي أنا ، التي حاربت بها الصمت لأجلي ،،وحتى لا أموت قبل أن أقول ” إذا كانت المقابر سليمة الأجساد بفعل الموت فهي مريضة بحياة الشّجر في أنحائها ” ،،لا أحد يمكن أن يكون سليما تماما من الحياة ،،،لذا لا بدّ من الحديث عن هذا المرض الخافق حتّى الموت.

 

 

 

 

 

 

 

———————————————————————————————

* عادل بلغيث ( كاتب من الجزائر )

 

اترك تعليقا