المثقف ” المُهَيْكَلُ ” و الحداثة ” المُطَيْوَنَةُ “.. مأساة التعريف بالضدّ …/ عبد القادر رابحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 19 يونيو, 2013 في 04:14 مساء | مصنفة في حفريات | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 609.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-1-

      سبق و أن استعمل العديد من المفكرين و الدارسين توصيفات مضافة لكلمة الحداثة للتعبير عمّا يمكن أن يعتري مفهومها النظري كما تأسس في الخطاب الفلسفي الغربي، من انتقاص من قيمته الفكرية، وكذلك للتعبير عما يمكن أن يعتري جانبها التطبيقي من تشويه أو تحريف أو تحوير متعمّد أو ساذج ناتج عن سوء فهمٍ، عن مفهومها الأصلي- و هل بإمكانها أن نجزم بوجود مفهوم أصليّ لها؟-، فتحدثوا بموجب ذلك عن الحداثة المأزومة، و عن الحداثة المؤجلة، و عن الحداثة المعطوبة، و عن غيرها من الحداثات وفقا لما يراه الدارسون، كلٌّ من زاوية منظوره الفكري و قناعته الإيديولوجية، انتقاصا من قيمتها المعرفية الكامنة في مفهومها الأصليّ ممّا يمكن التعبير عنه باللغة الفرنسية بـ(Concept original).

     و بغض النظر عن الإشكال الكبير الذي تطرحه كلمة (الحداثة) من مغمضات دلالية أنتجت العديد من التخطيئات التي غطّت عموما على مفهومها الأصلي نظرا لما أنتجته هذه التخطيئات من تداخلات في مستوى استقبالها من طرف غير المنتجين لها، بين الحداثة (Modernité) الدالة على حالة الاندراج في ما تقدمه اللحظة الآنية من منظورات فكرية و سياسية واجتماعية تنعكس على المعاش اليومي للإنسان الموصوف في هذه الحالة بالحديث (Moderne)، و بين (المودرنيزم) (Modernisme)مترجمةً في هذه الحالة إلى (الحداثوية) على اعتبار ترجمة (الإيزمات) (ismes)إلى (ويّات) في اللغة العربية للتدليل على تمركز المفهوم تاريخيا و إيديولوجيا، و الدّالة في هذه الحالة على مفهوم فلسفيّ واضح في دلالاته و في علاماته و في تمركز رؤية مُنتِجيه في تاريخية الممارسة الفلسفية الغربية، و في مَأْسَسَةِ مفهومه ضمن تطوّر الخطاب الفلسفي الغربي بالنظر إلى ما أنتجه الغرب من رؤية تنعكس مباشرة على الواقع فتغيّره و تعيد إنتاج أبعاد جديدة له مرتبطة بهذا الواقع.

     و بغض النظر كذلك عمّا يمكن أن يدلّ عليه هذان المفهومان من سيرورة زمنية غير منقطعة للحداثة، على اعتبار أنها ضد القدم في زمنية مفهوميهما، و من انتماء مذهبيّ للحداثوية ، باعتبارها مذهبا فلسفيا ساد في فترة تاريخية محددة و انتهت مدّة صلاحيته بانتهاء دواعي قيامها وصيرورتها فلسفيا و جماليا، فإن ما يمكن أن يثير انتباه القارئ للخطاب الثقافي لدى العديد من المثقفين الجزائريين و هم يتحدثون عن الحداثة، أو يدْعون إليها، أو ينافحون عن مبادئها، هو وجود شيء ما من هذا التداخل بين المفهومين المُخطِّئَيْن اللذين يندرجان شيئا فشيئا، بحكم الاستعمال المكرر و بحكم الاستسهال، في  عمق بنية خطاباتهم الثقافية إبداعا ونقدا فتتأصل بموجب هذا الاستعمال صورة مفهوميةٌ تؤدي بالعديد من خطابات هؤلاء المثقفين إلى استنباط أحكام استعجالية، وفق ما تمليه ضرورة الحديث أو الدفاع أو المنافحة، حول واقع الحياة الثقافية للجزائر الآنية، أو حول حراك الحياة الاجتماعية للجزائر التسعينية، أو حول واقع الحياة التاريخية لجزائر ماسينيسا أو سانت أوغستين أو طارق بن زياد.

-2-

      لا شك أن أي ممارسة فكرية و ثقافية جديرة بتأصيل المنحى المفهوميّ الصحيح في بنية الخطاب الثقافي الجزائري المعاصر، حرِيٌّ بها أن تتعرض، وفق وجهة نظرها و وفق قناعاتها، إلى ما تراه مناسبا لخدمة رؤيتها التي تتحجج بها و تنافح عنها. و لا شك كذلك في أن أيّ عمل ثقافي يطمح للدخول في المنجز الفكري للخطاب الثقافي الجزائري المعاصر، من المفروض أن يراعي استحضار النظرة الشاملة التي تتحرى الرؤية العقلانية غير الاقصائية الكفيلة بضمان تصور حِكْمِيٍّ منفتحٍ على مجمل ما يمكن أن تحمله صورة الذات الجمعية من تناقضات تاريخية و سياسية و اجتماعية هي من الأهمية بما يجعل تغييبها كليا أو جزئيا مؤثرا على نتيجة التصور الذي تريد هذه الخطابات أن ترسخه في هذا المنجز الفكري و تضمن الحد الأدنى من الموضوعية التي تؤثر على منطقية الأحكام و عدم انحيازها.

     و بناء عليه، فهل يمكن اعتبار ما يكتبه هؤلاء المثقفين الجزائريين حول الحداثة مفهوما و واقعا، منطلِقاً من صميم الفهم العميق للمنجز الحداثي الغربي كما أنتجه الفكر الغربي و كما تحقق على مستوى الأفكار و في أرض الواقع أثناء فترة الانتقال الغربي من قروسطية القرون الوسطى و ظلاميتها إلى عقلانية القرن الثامن عشر و تنويريته؟ و هل يحمل الخطاب الثقافي الحداثي، كما يدعو له المثقف الجزائري، في طيات بنياته المعرفية كلّ ما يمكن أن يساعده على تأصيل النظرة العقلانية الشاملة التي تراعي استحضار تناقضات الرؤية الفكرية والثقافية في المجتمع الجزائري و في بنية خطابه الحداثي؟

      أسئلةٌ تبدو في صميم المساءلة الجوهرية التي تحيل إلى مُجزّآت إجابةٍ تعكس حالة الذات الثقافية الجزائرية المتشظية و هي تلّح إلحاحا غريبا على وصف نفسها بالحداثية. ويبدو هذا التوصيف نابعا من مخزونات ما يَكْبُتَهَ المثقف الجزائري بمختلف اتجاهاته الفكرية و الإيديولوجية من تصوّرات ندّيّة يكون المثقف مضطرا من خلالها إلى توصيف نفسه- أي تعريفها-، لا انطلاقا من الذات في صورتها الأناني أو صورتها الجمعية، و لكن انطلاقا ممّا يتصور أنه ضدّه. و يصبح (التعريف بالضد) عبارة عن ممارسة وطنية عامة على عموم المثقفين الحاملين لهموم المسألة الثقافية في عمق ما تطرحه من إكراهات حول الهواجس المنطلقة من بقايا إشكالات التاريخ واهتزاز الحاضر و غموض ما يتصورونه من غموض حول المستقبل القريب أو البعيد.

-3-

      و لا شك أن التعريف بالضد لا ينطلق مما تحبه (الأنا) لنفسها على الأقل، و لكن مما تكرهه في (الآخر)، مما قد يحيل إلى غياب (أنا جمعية) بإمكانها أن تعي فظاعة المفارقة التي يحملها الخطاب الثقافي الحداثي عن الذات/ الأنا و كأنها ذات /أخرى، و من ثمة، غياب إمكانية البحث عن مخرج جمعيّ يتجاوز أنانية التصوّر المتشنج الذي يحمله المثقف الجزائري عن نفسه الأخرى التي هي ليست في نهاية الأمر غير نفسه الأنانية إذا ما حاول أن يُقلب الأمر على كلّ أوجهه الظاهرة و الخفية.

    هل يكفي إذَنْ، لكي نكون حداثيين، أن نقول (نحن العكس)؟ أي لسنا مع ما لا يتوافق مع النظرة الحداثية كما أنجزها الإنسان الغربي في تشعب زوايا أطروحات مشروعه الفلسفي، و في تعقد مسارات تحقق هذا المشروع، و في تحوّله فيما بعد، و بعد لأْيٍ علميٍّ و تجريبيٍّ مُضْنٍ، إلى حقيقة مادية تؤثر في الفرد و في المجتمع و تغيّر بنياته القديمة إلى واقع جديد. سيكون الأمر سهلا جدا عندئذ. و سنصف أنفسنا جميعا بالحداثيّين. و سنمارس جميعا (الحداثة بالفم).

     و ماذا لو أن الأمر لا يعدو كونه متعلقا فقط بالحب و بالكراهية، ولا يتعدّاهما إلى عمق المساءلة الحداثية و عمق ما يكتنف دواخل المثقف الجزائري، و هو يحاول سبر أغوارها، من توجسات مرجعية غير مُدرَكَة الأبعاد؟ و هل يمكننا القول عندها إن المسألة برمّتها لا تتعدى، في تصور المثقف الجزائري، موقفا إفضائيا عاطفيّا يحمل بعدا رومانسيا في صياغة مفهومه الخاص للحداثة، و في محاولة الدفاع عنه بما يكره لا بما يحب؟ و هل الحداثة حبّ وكراهية أصلا، و ليست منحى وجوديا عقلانيّا منفتحا على العالم و قادرا، بحكم وعيه بالشرط التاريخي، على استيعاب التناقضات و تيسير المرور المتنور في ظلماء ما يقدّمه التاريخ من دهاليز سياسية  و اجتماعية هي عوارض و منغصات و ممهلات ضرورية بالنسبة للمثقف من أجل فهم ذاتهو مرحلته و عصره؟

-4-

     لا تعكس العديد من الكتابات الثقافية الموصوفة بالحداثية، سواء أكانت فكرية أو نقدية أو إبداعية، وكما يحققها العديد من المثقفين الجزائريين في واقع الكتابة الراهن، ما يمكن أن يُطمئِن القارئ الأنموذجي بوجود رؤية مؤسسة في طرحها للحداثة كما يدافعون عنها في هذه الكتابات. كما لا يمكن أن يغيب عن القارئ الواعي حدّة التمركز الموقفي في استغلال الأطروحات الحداثية، لا بوصف هذا التمركز أداة إقناع معرفية تتحرى الحقيقة من خلال ممارسة الحجاج العقلاني الهادئ ، و لكن بوصفه ممارسة لفظية صاخبة تتزلج بسرعة فائقة فوق فراش وثير من المصطلحات و التعابير المستعارة من موجة المتن الحداثي و المستعملة بطرق عشوائية للبرهنة على اندراج الخطاب الثقافي الجزائري الراهن، وكما يمارسه العديد من هؤلاء المثقفين، في عمق المنظور الفلسفي الغربي الذي أنتج هذه المصطلحات بعد أن بلور مفاهيمها الفلسفية.

      و قد لا تخرج هذه الكتابات، و بعد تمحيص و تدقيق، عمّا يمكن أن يحمله (التعريف بالضد) من مسارب تخييلية تتولد عنها مجمل الأفكار التي يتشكل منها موقفهم المبدئي، و التي أصبحت مستشرية في أوصال هذه الكتابات، لا يجد أصحابها في تعريف هذا الموقف الموصوف بالفلسفي غير هذه الصورة التي يحملونها عن (الضدّ) ليجعلوه سببا في كل ما ينخر المجتمع الذي يعيشون فيه من عيوب. و لعله من هنا، لا يجد القارئ الواعي صعوبة كبيرة في إحصاء سقطات هذه الكتابات في سهولة التوصيف، و سهولة التحديد، و سهولة التوجيه، و سهولة التمركز، انطلاقا فقط مما يمكن أن تحمله صورة المثقف الحداثي من انعكاس للضدّ في بنية التعريف الذي يتبناه، و الذي يلح في كل الحالات على أن يعرّف به نفسه، و كأن الضدّ ليس دافعاً رمزيا و واقعيا لتحديد مساحات الذات فحسب، و إنما هو المؤسس الوحيد لبنية الذات و المُكوّن الأوحد لمفهومها الحداثي، و من ثمّة ، فإن (الضد) يصبح المُشَكِّلَ الحقيقي لما يجب أن يكون عليه المثقف الحداثي حصرا و تحديدا، و بالتالي فهو الصورة المعكوسة لما يجب أن تكون عليها الحداثة أصلا، لا في تمظهراتها الحقيقية في حياة المثقف  و في واقعه فحسب، و لكن كذلك في وجوب ما يحمله هذا المثقف من توجسات مبررة تاريخيا نظرا لمأساوية التجربة الجزائرية في مرحلة التسعينيات خاصة، و توغلها الدراماتيكي في تقديم صورة الحداثة المأسورة مفهوماً و واقعاً بين  فكّيّ كلاّبة صارخة في تطرفها و تضييقها على الأفق المعرفي، و التي لا يغيب عن هذا المثقف تسميتها تحديداً، و وضع علاماتها منهجاً، و توثيق أحداثها تاريخاً، في المدونة الثقافية الجزائرية. حتى لكأنّ هذا المثقف، ولكثرة إلحاحه على البيات السرمدي في الصورة الراسخة، يريد أن يؤسس  لجمالية الوقوف الندّي في وجه الصورة المضادة و كأنها صورة معكوسة لما يجب أن يتفاداه لاحقا في تعاملاته الثقافية، من دون قدرته على طرح المساءلات الجوهرية المتعلقة بمصيره الثقافي بالنظر إلى مستويين اثنين:

- مستوى اتخاذه لصورة (الضدّ) علامة ثابتة و فارقة في الوقت نفسه، في تحديد معالم صورته أولا، و كأن (الضدّ) هو مرآة عاكسة لتشوّهاته،

- ومستوى اتخاذه للأيقونات الحداثية الغربية علامةً مسجّلة حصريا باسمه هو دون غيره، و خاصة دون (الضد)، و كأن الغرب الذي أنتج الحداثة قد أنتجها خصيصا له و بطلب استعجاليّ منه، يستطيع بها و من خلالها استيراد ما يلزمه من مئونة اصطلاحية و ألسنية شكلية داعمة استيرادا مُطَيْوَنًا، و يستعملها طاقية إخفاء لعبور مناطق الحرن التي يتعرض لها عند مواجهة المفاهيم الحدَاثية الغربية له مواجهةً حقيقية أثناء اصطدامه الواقعي أو النظري بها.

       و بناء على هذا الاستعمال المصلحي، فإن الكتابات الثقافية الموصوفة بالحداثية تبدو أمام واقعين اثنين متناقضين يعكسان تصرفات كاتبيها و ممارساتهم الثقافية. فبقدر ما تبدو هذه الكتابات عنيفة و قوية و واثقة و متعصبة في الوقوف في وجه (الضد)، بقدر ما تبدو مسالمةو ضعيفة و مترددة و مطواعةً في تعاملها مع  المرجعية الحداثية الغربية و مع روادها. و لعلها منطقة الحرن نفسها التي يفضلُ العديدُ من هؤلاء المثقفين أن يمكثوا فيها من خلال عدم قدرتهم على استيعاب المُنتج الحداثي كما تنتجه المرجعيات الغربية التي تواجهه بمستويات عالية من التحدي الذي يخلخل بنياتهم المعرفية الهشّة، و يكشف عن الصعوبة التي يلاقيها هذا المثقف عموما في أَقْلَمَةِ فهمه الشخصي للحداثة – كما يلحّ على فهمها و على تصورها- مع الواقع المرير الذي يعيشه بكل تناقضاته، و الذي يتخذه مجالا تطبيقيا لإفراغ شحنات ما تنتجه هذه الصعوبة من تشنجات تبدو ظاهرة في شكل إكراهات تيمية مفروضة عليه فرضا من أجل تجديد الصورة التي يستمدّ دقّة (بيكسالاتها) من حدّة ما يُنتِجُهُ من خطاب (ضد ضد حداثيّ)، و كأنه يواجه واقع المجتمع المتخلف الذي يعيش فيه، لا بخطاب حداثيّ كما أنتجته المرجعية الغربية مع محاولة أَقْلَمَتِهِ مع واقع هذا المجتمع، و لكن بخطاب (ضد ضد حداثيّ) ينمّ عن حالة لا هي بالحداثية الحقيقية، و لا هي بالموقف الساعي إلى فهم هذه الحداثة فهما متأصلا  في الذات و متطلبات ما تفرضه عليه  من نداءات داخلية يواجهها بصمم معرفي متناهٍ، متجاوزا عيوبها الجوهرية  التي يمليها – في نظره- ما تحمله ( ضد الحداثة)  من معوقات تقف حجر عثرة في طريق تأصيله للكيان الحداثي، رؤيةً و واقعا ملموساً، من أجل الخروج من سجن الحداثة المأسورة داخل ثنائية الذات المنقسمة و هي تتخذ من نصفها الآخر ندًّا مُزمِناً لها، و تحوّله إلى مجرّد ناقل لداء حداثة مزورة و مشوهة.

-5-

      و لعل هذا التصور المشوّه للحداثة هو الذي يلاحظه القارئ للكتابات الثقافية للمثقفين الجزائريين، كما يلاحظ إصرارهم الكبير على إنتاج صورة نمطية مملّة، لكثرها تكرارها، تعكس حجم السعة التي يحملها هذا المثقف عن الذات، و عن الضد، و عن الآخر، و عن فاعلية الحراك الذي بإمكانه أن ينجم عن الاصطدام الضروري بين هذه العناصر . و هو تصوّرٌ لا يخرج في عموم أطروحاته الفلسفية – هل هي موجودة فعلا؟-، أو النقدية أو الأدبية أو في الصورة الحميمية التي تعكسها مواقف هؤلاء المثقفين في ما يعبّرون به عن ذواتهم الثقافية في المنتديات الالكترونية و شبكات التواصل الاجتماعي حيث تأخذ تعرية المثقف لمواقفه والتعبير عنها بطريقة واضحة طابعا عنيفا و ساخنا يعكس مقدار  ما يحمله هذا المثقف من مكبوتات لا تجد الطريق العقلانية في التفريج عمّا تحتويه من صورة مشوّهة وبريئة في عدائها (للضد) لمجرد كونه ضد الحداثة و ضد ما يتصوره هذا المثقف من مشروع حداثيّ تنوء بحمله الجبال و لكنه يحمله عبئا وجوديا و لا ينتظر إلا اختفاء (الضد) الذي يقف في طريقه لكي يحققه على أرض المجتمع المتخلّف .

   قد يكون الضد رؤية دوغمائية مغلقة، أو تصورا سياسيا مفروضا، أو مشروعا تنمويا لا يجد فيه ضالته، أو مخطوطاً معرفيّا عُرفيا لا يجد نسخته الورقية من أجل تحقيقها. كما قد يكون (الضد) ممارسة سياسية متعفنة، أو تكدّسا بشريّا غير متمدن، أو نزوةً تقليدية تسبب عسر الهضم، أو تسلّطا نظريّا قابعا في سلفوية الممارسة الطقوسية، أو غير ذلك من الحالات التوصيفية التي تعكس انسراب (الضد) في كل ما لا يحبه المثقف المنتج للخطابات الثقافية الموصوفة بالحداثية.

     كما قد تتحقق ثنائية الصراع بين الأنا و الآخر في ما يمكن أن يخزنه النص الأدبي، الروائي خاصة و لكن الشعريّ كذلك، من صورة واضحة عمّا يحمله هذا المثقف عن الحداثة كما يفهمها و عمّن يعيق تحقّق هذه الحداثة على مستوى النص الأدبي، فتتجلّى صورة البطل الحداثي (الأنا) ممثلا في الذات الفردية التي تبحث عن صورتها في الصورة المُناقضة التي يحملها البطل المضاد، أي (الضد) الذي يلعب دور الشّاحن السّاذج لحركية السرد الرتيبة لكثرة ما يحمله من طاقات معطلّة، من خلال ملئه للفراغات المعرفية للبطل/ المثقف/ المنتصر دائماً، إما واقعيا أو رمزيا على الصورة المضادّة  السلبية المتخلفة المعقدة كما يلحّ على تصويرها دائما، كأنْ ليسَ هناك من مخرجٍ إبداعيّ أو فكري أو جماليّ لتأصيل الذات المثقفة في راهنية الفعل الحداثي و في معاصرتها لما ينتجه الغرب في مساره المتواصل،  غير ما تحمله هذه الصورة المكرّرة في النص الأدبي، و الروائي خاصة، و التي فقدت حدّتها و فاعلية حضور تيمتها، لا لنفاد ما تحمله من قيم إبداعية حقيقية تبقى في نظرنا غير مستغلة بطريقة إبداعية عميقة إلى الآن، و لكن لنمطية طريقة الاستعمال و سذاجة التوظيف الفكري و الإيديولوجي وحتى الجمالي لهذه التيمات، و الذي انعكس في نهاية الأمر على مستوى النصوص الإبداعية بطريقة سلبية.

     غير أنه يجب الاعتراف بأن نمطية مكوث الكتابات الثقافية الموصوفة بالحداثية في البيت الذي يبنيه المثقف الجزائري للضدّ، إنما يعكس نمطية أخرى أكثر عمقا في البنية التكوينية للمثقف الموصوف بالحداثيّ- وهو في هذه الحالة يشترك مع المثقف (الضد)، و هي عدم تمكّنه ، ربما، من تجاوز هذه الصورة ( صورة الضد التي صنعها بنفسه)، نظرا لعدم قدرته على اقتراح بديل مرجعيّ لها يراعي متطلّبات ما يقدّمه المجتمع الجزائري من حراك مستمرّ نابع من قدرته الطبيعية المستمدة من مناعته التاريخية التي ينكرها كثير من المثقفين، على تجاوز كلّ الإكراهات، ومن ضمنها خاصة إكراهات المثقفين أولا، بما يتيح له  التعامل بما لديه من إمكانات واقعية، مع الحداثة الحقيقية، لا بوصفها هاجسا نديّا  لحرنِ النصف الآخر للذات المعطّلة، و لكن لرغبة معرفية  ملحّة و ضرورية في تصويب مسارات  المثقف في اتجاه أكثر عقلانية و أكثر انفتاحا على مغمضات المرحلة التاريخية التي يقطعها، مما يمكن أن يشفع له الدخول في ممارسة حداثية حقيقية.

-6-

    لقد استطاع المجتمع الجزائري الموصوف بـ(المتخلف) من طرف العديد من المثقفين الجزائريين  الآن و في الماضي القريب، بل و في أشدّ اللحظات التي كان فيها هذا المجتمع بحاجةً ماسّة إلى هؤلاء المثقفين لكي ينيروا له الطريق-حتى أن بعضهم بحث عنه في مزابل التاريخ ولم يجده، و بعضهم الآخر أخطأ فيه، و البعض الثالث اعتبره مجرد (غاشي)-، أن يكون أكثر عمقا في فهمه للحداثة و أكثر استيعابا لأبعادها و هو يعبُر مرحلة حساسة و حرجة من تاريخه المعاصر، فأنتج مصطلحات غاية في الدقة لم يستطع هؤلاء المثقفون أن ينتجوها نظرا لما يفصلهم عنه من هوّة واقعية، فأطلق هذا المجتمع (المتخلّف) مفهوم (الإنسان المُهْيْكَلُ) للتعبير عن حالة التردّي التي بلغها المجتمع الجزائري و هو يخرج منهوك القوى و مخرّب العزيمة من تجربة استيراد حداثة اشتراكية قسرية جمّعته بطريقة عشوائية في غيتوهات (الخولكوزات) المزيفة، فلم تراع أدنى الظروف التاريخية و الاجتماعية التي تحيط بوجود الفرد وتؤسس لواقعه، ثم باعته بعد إفلاس المشروع إلى الذئب الليبيرالي المتوحش ليعيد (هيكلته) بطريقة أبشع من التحديث القسري الذي خضع له في السبعينيات من القرن الماضي. ثم سرعان ما أطلق هذا المجتمع مفهوم (المنتوج المُطَيْوَن)  للتعبير عن حالة الزيف المعمّم التي طالت حالة مجتمع ما بعد الاشتراكية في تفسخ الذات و انحلال القيم و سيادة البضاعة المزيفة بدل البضاعة الحقيقية الأصيلة بوصفهما قيمتين بدأ يفتقدهما الإنسان الجزائري في ظل غياب التحديدات الفكرية المعرفية الآخذة بعين الاعتبار مجموع المعالم التي تساعده على عبور منطقة الحرن التي وضعه فيها السياسيون المتثيقفون و المثقفون المتسيِّسون طيلة مرحلة مرور ذاته الجمعية  بالتاريخ الذي  تتحمّل نُخَبُهُ المتنوّرة مسؤوليةَ ما حدث له نظرا لمشاركتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في صياغة مشروع الدولة الوطنية المستقلّة صياغة ذاتية لم تعط الاعتبار بما فيه الكفاية للانفتاح على جميع مكونات الذات الجمعية الجزائرية، الشيء الذي سبّب بطريقة أو بأخرى إنتاج نوع من (المثقف المُهيكل)، و إنتاج ما يناسبه ممّا يكمن استعارته من عبقرية ما تبدعه الذات الجمعية بـ(الحداثة المُطَيْوَنَة).  فهل الحداثة في مفهومها العميق، و كما حققها الغرب في رحلته بحثه عن الذات وليس عن الضد، غير إنسان حقيقي و منتوج أصيل؟

.

.

———————————————————————————————-

* عبد القادر رابحي ( كاتب وأستاذ جامعي من الجزائر )

   

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. عادل سلطاني قال:

    مقال نقدي أكاديمي متزن يتسم بعمق الطرح والتناول الراقيين امتطينا من خلاله صهوات الفكر لننطلق في سياحة فكرية مقاربين عن كثب الحداثة كبنية مفهومية مستقلة عن الحداثوية المرتبطة إبيستيمولوجيا وبراديغميا بالمذهب الفلسفي الحداثوي المرتبط بدوره بتاريخ زمني محدد في المجتمعات الغربية المتطورة وأيضا كعملية مستمرة في الفضائين الزماني والمكاني و كظاهرة معرفية بما أنتجته من تراكمات علمية وإشكالات تتراوح بين الإجابة العلمية المقنعة وبين التي لم تزل معلقة إلى حين ما من شك أن هذه البنية المفهومية كظاهرة تتسم بالتعقيد قد أسيل فيها حبر كثير على مدار عقود متتالية شكلت ما يمكن تسميته بالمدونة الحداثية العالمية ولعل العولمة كموجة ثالثة من موجات الرأسمالية حسب تعبير المنظر العولمي الكبير إلفين توفلر تشكل تمظهرا حداثيا متطورا لهذه السيرورة الممتدة ، فالحداثة إذا لايمكن أن نفهمها كمنظومة حياتية في المجتمعات الغربية إلا من خلال ذلك الكل المعرفي والثقافي والفكري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والديني وإن كان العنصر الأخير محيدا ولكنه جوهري أصيل في هذه المنظومة التي بدأت في رحم الاقتصاد لتمتد إلى عمق الحياة الاجتماعية كمنتج أفرزته الظاهرة التصنيعية التي تسمها التغييرات السريعة المتواترة لتصبح ثقافة اجتماعية غربية راسخة في الذات الحداثية التي يروقها النمط الاستهلاكي لمختلف المتع والسلع التي تلبي إشباعات مختلفة لهذه الذات الاستهلاكية بامتياز إذا فالنموذج الحداثي مشروع استهلاكي فرض نفسه ليكون نمطا حياتيا وأسلوبا ثقافيا للعيش لتلبية النزعة الاستهلاكية المتفشية في المجتمعات الغربية المنتجة أين نجد هذه الذات المسحوقة تحت سنابك الاستهلاك الفج تحللت شيئا فشيئا من آدميتها لتلج دائرة القهر الاستهلاكي الإطاري لتعيش التشيؤ القهري ككيانات مسلوبة الإرادة تلهث لإشباع رغبات الجسد في مادية بائسة لتدخل الاغتراب والاستلاب كشعور أفرزته الظاهرة التصنيعية الحداثية المرتبطة بالآلة كقوة وسلطة ولايشذ مثقفو هذه المجتمعات عن هذا الشعور المرتبط بسطوة وقسوة الحياة الغربية المفككة وما فيها من اختلالات تخللت البنى العميقة في المجتمع وعلى رأسها الأسرة التي انقرضت كوحدة محورية في هذه المجتمعات التي شوهها التحديث وحين يدق مثقفو هذه المجتمعات ناقوس الخطر فهم محقون لأنهم شعروا بحجم المشكلة التي تعترض كينونتهم ووجودهم لتبرز بنيات مفهومية على غرار أزمة الحداثة وغيرها من المفاهيم التي تبلورت في مناخات تعكس هذا التأزم أما مثقفونا نحن فقد انطلقوا من صيحات هؤلاء مقلدين لاغير لأن الحداثة في واد ومجتمعاتنا العالم ثالثية في واد آخر لأننا لم نمتلك في عصرنا الراهن ومنذ استقلالنا إلى اليوم مشروعا وطنيا حداثيا ينطلق من النحن الجمعي والاجتماعي يتكئ على الماضي ليخطط للحاضر والمستقبل لأننا حداثيون بالفم دون الفعل ..

  2. أما إذا أردنا أن نكون حداثيين بالفعل فيجب علينا أن نتجاوز مفهوم التأزم الحداثي الغربي لأننا بصراحة نمارس وهما مفهوميا مزيفا على مستوى نخبنا المثقفة لأن هذه البنية المفهومية الغربية مفتعلة مصطنعة واهمة زائفة لامحل لها من الإعراب في جملة النحن والذات فنحن نعيشها جراء التوهم المقلد نعيشها بحالة فصام واهمة تصور لنا الأشياء تصويرا آخر لايمت بصلة رابطة لواقع النحن المزري المتخلف للأسف ، ومن وضع العفونة السائد هذا الذي نعيشه اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا ودينيا ولغويا وتربويا وصحيا عاكسا خللا بنيويا واسع الانتشار فبنانا التحتية بين قوسين إن وجدت حقيقة فهي هشة مورس عليها تمظهر قهري سيء يمكن اختصاره في مظاهر التكديس التحديثي بمعناها الواسع المخزي نحن لاتنقصنا الموارد أو مايسميه مفكرنا فيلسوف الفكر والحضارة والمجتمع مالك بن نبي “عالم الأشياء” ولا “عالم الأفكار” وإنما ينقصنا ربط العالمين ربطا صحيا سليما حتى يتم تفاعل معادلة الحضارة بشكل صحي سليم في شروط ملائمة لقيام الحضارة كممارسة وفعل سلوكي بين أفراد المجتمع أي تفاعل الفكرة والتراب والزمن لتشكل الفرد الجزائري الحضاري المنطلق من تاريخيته الحضارية ومن مقوماته السوسيوهوياتية الصحيحة لإرساء النموذج الماسينيسي في الممالك النوميدية الموحدة والنموذج الموحدي وذلك باستحضار مفهوم التفكيك الأركوني لكل البنى الفكرية والشيئية حتى تتفاعل بشكل سليم عناصر معادلتنا الحضارية الجزائرية لإنتاج منظومة حضارية وطنية راقية ..

  3. سعيد جدا بقراءة مقالك القيم أخي عادل الاستاذ الشاعر..أشكرك كثيرا على مجهودك الكبير الذي بذلته و على العمق الذي طرحت به إشكالية الحداثة كما ينتجها الغرب و كما يحاول العرب أن يطبقوها..لك مني أخي عادل خالص التقدير..

اترك تعليقا