” علامَ تشقى في سبيلِ الألــــم
ما دمتَ تدري أنكَ ابن العـــــدم
الدهرُ لا تجري مقاديــــــرهُ
بأمرنا فارضْ بما قَد حكَــــــم “
* عمر الخيام .تر جمة : أحمد رامي
” عْلَى جَـالْ الضُرّْ وَعْـلاشْ اتْخَمَّـــــــمْ
وانْتَ عَارَفْ رَاكْ لا بُــــدَّ مَعْــــــدُومْ
عُمْرْ الدَّهْرْ اِذَا اِشَاوَرْ كِي يَحْكَـــــمْ
ارْضَ بالـمَكْـتُوبْ يَاكْ انْتَ مَحْتُــــــومْ “
* عمر الخيام .صياغة : بلقاسم الشايب
——————————-
في تقديمه لرباعيات الخيام بترجمة الشاعر العراقي الكبيراحمد الصافي النجفي الصادرة عن” دار ريحانة” يرى الدكتور القاص سعيد بوطاجين أن عمر الخيام كان خياما متعددا حيث نراه مرة زاهدا ومرة عاكفا على الخمرة ومرة ناقما على الدنيا واخرى غارفا من ملذاتها ولعله الشاعر الأكثر اثارة للجدل الوجودي / الفلسفي والديني وهو على ما يبدو ما أثار فضول قاص آخر وشاعر شعبي جزائري هو محمد بلقاسم الشايب فحاول صياغة الرباعيات الى الشعر الشعبي الجزائري منطلقا هذه المرة من ترجمة الشاعر المصري احمد رامي –وسنأتي على ذكر تبريره لهذا الاختيار – وان كنت أميل الى ترجمة النجفي المتسمة بالعمق لكنه ربما اطمأن الى جاهزية خطاب رامي من خلال ترجمة فوقية مائلة الى التسطيح تجنبا لحساسية المقدس الديني التي اعتمدها النجفي والا كيف سيتقبل المتلقي الشعبي محدود الخلفيات الفلسفية مثل قول الخيام في ترجمة النجفي:
اذا كنت تجزي الذنب مني بمثله ** فما الفرق مابيني وبينك يا ربي
الذي يمكن صياغته -اجتهادا – على هذا النحو
اذا تجزي كل مذنب بالذنوب ** عدت معا الإنسان في كفه وحْدَا
فبلا شك سيرمى ” الصائغ ” كما رمي الشاعر من قبل بالكفر دون النظر الى ضرورة الأمانة في الترجمة والى ما ساد حتى في التراكم الديني المعرفي وفي الإعتقاد ونقول ِ أخبار الملل من مثل قولهم ” ناقل الكفر ليس بكافر ” وان كان هذا القول ايضا لم يسلم من الشرط بل ذهب أحد المتشددين من معاصرينا الى تبيين شروط نقل الكفر وهي – حسبه – :
1) نسبة القول إلى قائله معينا أو مبهما كقال فلان أو قال الكافرون أو بعض الكافرين ، حتى يبرأ القائل من عهدة الكلام ويعلم أنه ناقل فحسب .
2) أن تدعو الحاجة إلى نقله .
3) أن يكون كارها لهذا القول الذي يحكيه مظهرا بلسان حاله أو مقاله عدم رضاه عن هذا القول ، لا كما يفعل بعض الروائيين الزنادقة من حكاية أقوال كفرية على لسان أبطال القصة ، ولسان حاله أنه راض بها مقر لها ، ويظهر ذلك في فلتات لسانهم .
4) ألا تترتب مفسدة على نقله كأن يكون القول الكفري مغمورا وفي نقله إشهار له وربما لم ينقل معه ما يدحضه وربما افتتن به الناس وانطلت عليهم الشبهة ونحو ذلك ، وانما أردنا الإشارة الى هذا نظرا لطبيعة النص الأصلي المصاغ الى الشعر الشعبي ولو انتهجنا نهج هؤلاء لامتطينا النوق وسابقنا بها مركبات الفضاء وهو هنا يدين الأعمال الأدبية بالذات ويشير بوضوح الى الشخوص الروائية فلا علم لهؤلاء بنظرية موت الكاتب لرولان بارت بل من السهل قولهم ان الحاجة لا تستدعي نقل هذه الصياغة وأن المفسدة تترتب عن ذلك وتنطلي الشبهة ومثل هذه العبارات الراكنة في جهات العقل النمطي المتكلس والتي جعلت أمثال المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري يفرد كتبا ل ” نقد العقل العربي ” . وبالرجوع الى كتابنا محل القراءة أحببنا تقديمه الى القارئ بنوع من المشاركة في تفعيل التلقي دون مصادرة وانما هي ملاحظات رافقت قراءتنا الأولى لهذا العمل النادر في المتن الشعبي الجزائري وهو لا يخلو من جرأة ..
1-ملاحظات حول “صياغة ” رباعيات الخيام الى الشعر الشعبي الجزائري :
- اختار “الصائغ” – وهو كما أسلفنا شاعر شعبي قبل كونه ساردا –أن تكون الاحالة على صدر الكتاب الى “الصياغة “بدل الترجمة والصياغة لغة تحويل الشيئ الموجود سلفا الى اشكال تخالف وضعه الاول والصائغ من يفعل ذلك أما صياغة المعاني –وهي مراد الكاتب –فلها انزياحات بلاغية تحيلنا الى جملة من المصطلحات ذات العلاقة كمقام المعنى وسياقه والبنية الاسنادية لعنوان الكتاب وسيتجذر بنا التفصيل الى تفكيك المفهوم الحاصل بعد ادراج كلمة صياغة ” نقول صاغ يصوغ فهو صائغ وصواغ وفي لغة الحجاز يصح صياغ بالياء وفي الحديث الشريف : ” أكذب الناس الصواغون ” قيل لانهم يزينون مصوغاتهم من الحلي والجواهر … ” والحال كما لا يخفى انها تختلف عن الترجمة التي تختص بنقل النصوص من لغة الى أخرى فالعنوان من البداية يحاول ان يشير الى أن اللهجة الجزائرية ليست لغة وانما خليط لغات كالفرنسية والتركية والعربية ولهجات أخرى متداخلة قد تغلب عليها الأمازيغية و رغم ما لنا من ملاحظات سنوردها تباعا الا أن فرادة هذا العمل وتميزه هو ما حدا بنا أصلا الى متابعته باهتمام فقد تبادر للوهلة الأولى أن المتن الشعري الشعبي لا يسع عوالم الخيام الغامضة والمرتبكة وآفاقه الوجودية والفلسفية وأول ما يشعر به أي قارئ لعنوان الكتاب هو ذلك الفضول والشغف الملازم للسؤال الكبير كيف يمكن ذلك؟..وهو سؤال طبيعي نظرا للنظرة الدونية الى تراثنا الشعبي والتي رسخها بعض النخبة للأسف.. أما عن تلك الملاحظات وإن كانت لا تقلل من قيمة العمل فهي تفتح شهية القارئ والباحث لمتابعات أخرى ..ومما خطر لنا أول ما اقتنينا هذا العمل :
- عبارة “صياغة أولى “هي تملص ذكي من اشكاليات المصطلح مع اثبات أن هذه المحاولة هي –للتاريخ –الأولى في الجزائر وربما المغرب العربي .
- رغم هذا وقع “الصائغ” ضحية تكوينه اذ لم يسلم المتن من الاشتغال المستمر على الجملة العربية الفصيحة بل كادت بعض الرباعيات تكون ترجمة فصيحة لترجمة أحمد رامي الفصيحة وهناك أمثلة كثيرة منها :
يقول رامي في ترجمته :
خلقتني يا رب ماء وطين ** وصغتني ما شئت عزا وهون
ويقول محمد بلقاسم الشايب في صياغة هذا البيت :
يا ربي يا خالقي من الماو الطين ** ويا زارع فيا العز مع الهوان. .. ص83
وفي ترجمة رامي :
كنا فصرنا قطرة من عباب ** عشنا وعدنا ذرة في التراب
وفي الصياغة :
صرنا قطرة من بحر بعد العدم ** وعشنا عدنا كي الذرة ف التراب … ص95
يقول رامي في ترجمته .. ص06 :
جهلتِ يا نفسي سرّ الوجـــــــــود
وغبتِ في غورِ القضاء البعيـــــد
فصوَّري مِن نشوتي جنّـــــــــــــةً
فربما أُحرمَ دار الخلــــــــــــــــــــود
يقول بلقاسم الشايب في صياغته :
يانَفْسِي يَا جَاهْلَه سرّْ الوُجُـــــــــــــودْ
راكِي غبت في الفضَا بين اسْتَــــــارُو
منْ زَهْوِي دِيرِي النّعْمَه والـخُلُـــــــــودْ
بَلاكْ المَكْتُــــــــوبْ يَحْرَمْنَـــــــتـا دَارُوا
وفي ترجمة رامي:
الخمَرُ في الكأسِ خيالٌ ظريــــف
وهي بجوفِ الدنّ روحٌ لطيـــــف
أبعد ثقيل الظَّل عن مجلســــــــــي
فإنَّما للخمَر ظلٌ خفيــــــــــــــــف
ويصيغها الشايب هكذا :
الخَمْرَه فَ الكَــــاسْ تَشْبَهْ للْخيَـــــــالْ
وُفي وسْطُـــو كِيمَـــا الرُّوحْ لْـمُولاهَــــــا
بَعَّدْ منَّـــكْ كِي نُقْعــــدْ نَاسْ ثْقَــــــــالْ
يَاكْ الـخَمْرْ اخْفِيفْ كِيمَا مُـــــــــولاهَا
- وربما برر ذلك بالقول ان عامية الجلفة هي أقرب اللهجات الى العربية الفصحى وهنا سيكون الاشكال منهجيا بحيث ينطرح السؤال هل عا مية الجلفة هي عامية الجزائر بما أن العنوان يحيل الى العموم “…صياغة .الى الشعر الشعبي الجزائري ” ؟ ثم نلمح ما يمكن ان يكون تبريرا لذلك في مقدمة الكتاب والقصد هنا اختيار الوزن السائد والاكثر شيوعا حيث يقول ان هذا “القالب ” هوالأقرب الى ذوق عموم الناس وأنه لم يزد عن نقلها” من بحر الى بحر” موردا بعض المطالع الشهيرة لشعراء شعبيين أمثال “عبد الله بن كريو ” و “الشيخ السماتي ” وقد عمد الى نماذج تتجلى فيها العربية الفصحى المندسة في فضاء شعبي
يقول بن كريو :
قمر الليل اخواطري تتونس بيه
فصيحها :
قمر الليل تستأنس به خواطري
يقول “الشيخ السماتي “
يا سامع قول السماتي قول آمين
فصيحها :
يا سامعا قول السماتي قل آمين
والحقيقة أنه اورد الامثلة السابقة في سياق تبريره للوزن “القطع” المختار الا اننا رأينا فيها تلميحا الى الفصحى
الطاغية على الشعبي فأدرجناها ضمن ما يمكن أن يتكأ عليه حجاجيا أمام الرأي السابق والمتعلق بتفصيح العامي الذي نلحظه حتى عند الشعراء الشعبيين الأوائل ولنا في اتكائه على جماهيرية الوزن عبر الغناء ملاحظتان :
-الأولى أن المحمول الفلسفي لرباعيات الخيام هو بالأساس غير جماهيري بل يكاد يكون نخبويا خالصا ومن هنا قد تنتفي أهمية تقريبه للعامة ويدخل فيما يسميه التراث العربي الصوفي “ما يضن به عن العامة”.
- والثانية أن الوزن المختار الذي هو أقرب الى بحر الطويل الخليلي من حيث الثقل يتضاد مع محاولة تيسيره للناس فالغنائية الشعبية تتجلى في بحور أخرى ..ومثالها قول الشاعر:
قلبي اتفكر لوطان والهاله*** راني امهول مانيش في حالي
ولاابلاصي نهبه لمن والى*** واداه من لا يرضاو بقوالي
وطني اسفيزف وارضي بني تاله ***والحكم في بلعباس يحلالي
أو الرباعيات المعروفة لعبد الرحمان المجذوب وتمكنها في أذهان العامة لسهولة المخارج ورشاقة الإيقاع .
- ثم يورد في المقدمة تبريرا لاختيار ترجمة احمد رامي حيث أنها ” الاقرب الى المتخيل الشعري العامي “وربما القصد هو أنها درجت على العوام “بعد غناء ام كلثوم ” لأن “المتخيل الشعري العامي ” يخص شعراء العامية أنفسهم وهو قفز اصطلاحي على عدة مفاهيم لسنا بصددها الآن مما سيحيلنا الى تفاصيل نظرية التلقي. فما يهمنا هنا هو تلمس دوافع هذه الصياغة وتسجيل أهم الملاحظات غير انه يجب التأكيد على خطورة هذه الاضافة الى المتن الشعبي الجزائري مهما كانت النقائص فليس يسيرا الامساك بعوالم الخيام العائمة بالفصحى ناهيك عن محاورتها بالمحكي الدارج فهي محاولة تأسيسية جادة لو حفت بقليل من التروي وأخذت وقتها في المساءلة والمقارنة كأن يعتمد على أكثر من ترجمة واحدة كما فعل الشاعر المصري حسين مظلوم معتمدا على ترجمتي وديع البستاني ومحمد السباعي سنة 1944 . ونلفت أخيرا الى أن هذه “الصياغة” مدعاة لفضول القارئ والناقد على السواء وجديرة بمكتبة كل مختص في الأدب الشعبي .
*****************
* للموضوع مراجع
————————————————————————————-
* عيسى قارف ( شاعر من الجزائر )




