القلب ينحني أيضا .. ولا يُقدم على ذلك إلا إذا كان يعيش الفقد، فإذا ما اتسعت رقعته الزمنية أقبل على تقويم انحنائه بالبوح حتى يتمكن من معاودة نبض الحياة، ورأيت بعين التاريخ أن الذين يكتبون تجرؤوا على دحرجة الغياب بالرسائل كطريقة للتواصل مع الغائب حيث تحتفظ بانفعالاتهم في ذات اللحظة التي كُتبت فيها لذا حملت المنشورة منها طابع الإثارة إذ تُطلع الآخرين على تفاصيل خاصة متعلقة بأطراف محددة ترتحل من المكان والزمان وتبقى دوما معلقة على صفحات الكتب التي نشرت رسائلها.
في وقت غير بعيد تمكنت من الاطلاع على رسائل أحمد طالب الابراهيمي القادمة من السجن ورسائل جبران لمي زيادة في الشعلة الزرقاء ورسائل غسان كنفاني لغادة السمان المتنقلة عبر تضاريس الأمكنة والأزمنة والمحتفظة لحد الآن بعبق خاص جدا .. إن للقراءة قدر الاطلاع .. فحين وجدت نفسي أمام ثلاثية من أدب الرسائل أقبلت عليها فرأيت أبا يكتب لابن تقف الغربة سورا بينهما يهدمه الوالد الكاتب بمنجنيق السطور مصّرا على وصل من طبيعة خاصة كان خلالها حرصه يرمم مسامات الزمن ويهيئ للحياة عنفوان وجود بأن يقرّب ابنه منه أكثر رغم المسافات كتابةً. إنها ثلاثية عبد القادر رزيق المخادمي من أدب الرسائل.
أن تُوجِد الغائب في ذهنك وتصبّه على الورق حتى يُهيّأ لك أنه قاب قوسين من أناملك التي تخط له لهو الجهد الذي يحقق للنفس العزاء، من هنا يمكنني التقرير بأن ثلاثية عبد القادر رزيق المخادمي إلى ابنه الكندي هي أشبه برواية تحكي فصولها رسائل الأب المنطلقة من الجزائر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر البريد الالكتروني )Email(محشوة في ظرف الرعاية وعليها طابع المحبة. ولها أهمية بالغة نظرا لأنها تتبع مسيرة باحث جزائري فتحت له الجامعة الأجنبية أبوابها فما أكثر أمثاله الذين سقطوا من دفتر الوطن وغابوا في المخابر العلمية دون أن نعثر عليهم من جديد.
تبدأ فصول الحكاية من نقطة العلم تلك التي حملت الكندي للبحث عن الارتواء من نبعه خارج الجزائر بجامعة بيردي بمدينة لافايات بالولايات المتحدة الأمريكية قصد تحضير شهادة الدكتوراة في المعلوماتية فلُسع جناح الأب بإبر غياب لم يتحمله فاختلى بالقلم وسار إلى الكتابة لاجئا بعد أن كان وقته مثقلا بهموم عالم تتحرك فيه الأحداث الدولية على شفا فوهة بركان يغلي.
عبد القادر رزيق المخادمي الصحفي السابق بالصحف الوطنية إبان العشرية السوداء والمتأرجح بين ذبذبات الميكروفون حين كان ينتمي للإذاعة ليفوز به قلم القانون الدولي ويحتكره منذ ربع قرن يتجه من خلال هذه الثلاثية الصادرة عن ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر نحو تدوين تجربة مختلفة بالنسبة له وهي الكتابة إلى ابنه الكندي مخاطبا من خلاله جيلا بأكمله يقف على عتبات الغد. تجربة الكتابة إذن غير خالية من المفاجآت وفي ثلاثية المخادمي التي عمرها بعمر غربة الكندي كُتبت انطلاقا من قضية أزلية هي توسيع آفاق الأجيال القادمة وحثّها على إنصاف نفسها بالعلم.
إن أول رسالة في المجموعة الأولى تنطلق من يوم سفره حيث ينقسم انتباه القارئ إلى جزأين واحد يسافر مع الكندي الذي يسلط والده الضوء عليه رغم غيابه والآخر يبقى مع الأب الكاتب الذي بدأ الشوق وحرقة الفراق يلتهبان فيه منذ اليوم الأول من صيف 2010 حيث يصف بدقة الفراغ الذي تركه الكندي حدّ إثارة عواطفه لنزعة البكاء.
تحمل المجموعة الأولى من الرسائل طابع النصح وفيها ملامح خوف الأب البادية على ابن يترك محيطه ليستقر في آخر غريب عنه، فهي إذن مرجعه في درب الحياة الوعرة وهي أنيسه في غربته، ولم يغفل الكاتب عن وصف قيمة الرسائل له ولابنه من خلال الاستهلال لذا فالمجموعة الأولى هي حصيلة تجارب الأب وكانت حافلة بالذكريات التي سمحت للكاتب أن يقارن ظروفه بظروف ابنه فتوفر الظروف لمن يملك الطموح تؤهله للذهاب بعيدا بقدراته، وتميط الرسالة الحادية عشر اللثام عن مسيرة الكاتب الحقيقية التي خاضها في عراك مع الظروف القاسية عائدا بذلك إلى منابع الألم التي لم تجف بعد في نفسه، وما استقرارها في ذاكرته إلا دليل على أنها الشاهد على انتصاره عليها واستمراره في رحلة العطاء تاركا أثرا يدل عليه.
يشعرنا الكاتب بتغير ايقاع حياته في غياب ابنه الكندي الذي يحظى بمكانة مميزة في نفسه وبدا هذا صريحا في الرسالة الرابعة والثلاثين حين يقول : ) ليس لي غيرك في الحياة، فأنت بالنسبة لي الشجرة التي أتفيأ بها من حرارة الأزمات والملاذ الآمن الذي أحيي به نفسي. ليس بجانبي أحد في هذه الدنيا بعد الله إلا
أنت. أنت بالنسبة لي كل شيء. أنت الأمل الذي أحيا به والرجاء الذي أنتظره.(
ولكن الحياة تستمر مثلما تستمر الرعاية والتربية وقد أفرد لنا الكاتب عبارة أبي الحسن الشاذلي حين يقول )نحن كالسلحفاة التي تربي أبناءها بالنظر (فالكندي )هو الابن الوديع الهادئ، عميق التفكير، سديد الرأي، هادئ الطبع( لذا كانت تربيته بالنظرة بعيدا عن المشقة قريبا من الاثمار ولم تكن الرسائل منعزلة عن هذا المنحى بل بإمكان الكندي أن يدرك إلى أين يشير والده وأن يلتفت إلى الأجراس التي يقرعها قاصدا أُذن وعيه لا غير فتقصّد الأب ذكر الكثير من العصاميين أمثال: أوناسيس، عبد الحميد شومان، جورجي زيدان، وميكيافيلي .. الذين كان للتاريخ شرف الاحتفاظ بمسيرة كفاحهم كما أنه قرّب له صورة الباحثين الجزائريين الناجحين في الخارج أمثال: المخترع حبة بلقاسم، ويوسف تومي والصنهاجي وإلياس زرهوني ) الذين يبنون مجدهم وحدهم ويتحدّون دروب الحياة الصعبة وهم رافعي الهامات (يرمي من خلال هذا جعلهم المثال الذي يحتك به.
يفتح الكاتب ثلاثيته بخمسين رسالة )المجموعة الأولى(قدم لها الأديب والمفكر محمد الصالح الصديق حيث وضعها في ميزان التأمل ليشهد بأن لها دلالات عميقة أهمها الالتفاف على الأبناء لأن مصيرهم هو مصير الوطن، أما المجموعة الثانية فهي مكونة من اثنين وستين رسالة تظهر لنا تغير لهجة الخطاب مما يشي أن الأب قد خرج من دائرة الخوف وانتقل إلى الاطمئنان الذي مكّنه من رصد الكثير من القضايا الراهنة التي تتردد على الساحة الدولية كالقضية الفلسطينية )قافلتي شريان الحياة وأمواج الحرية، قضية جلعاط شاليط وتبادل الأسرى(واستفتاء سكان الجنوب السوداني والخطر الصهيوني ومخاطر الحرب النووية المحتملة ليسيطر اختصاصه في القانون الدولي على السطر انطلاقا من الرسالة الرابعة والخمسين ثم توضح لنا الرسالة الخامسة والخمسين هواجسه بدقة حين يقول : ) إن عالم اليوم يعيش حالة قلق وخوف من انهيار العالم وما فيه من نظم، وأنه على الرغم من كل ما أحرزه الإنسان من تقدم في العلم والتكنولوجيا فإن المستقبل تلفّه تماما سحابة كثيفة جدا من اللايقين وأن هذا اللايقين سوف يظل سيد الموقف للوضع الإنساني في المستقبل المجهول !(.
تتسم المجموعة الثانية باحتوائها على مقتطفات جميلة أهمها خطاب الوداع المرسل من طرف غابرييل غارسيا ماركيز من فراش مرض السرطان لأصدقائه ومقال نفسي موجه للناشئة للدكتور فؤاد الأهواني إضافة لرائعة جاكسون براون و 1560 نصيحة الموجهة لابنه، ورسالة أحمد أمين إلى ولده إضافة إلى مقتطفات من كتاب “سنواتي في أمريكا” لطلحة جبريل مقتربا بذلك من دقائق المجتمع الأمريكي. كما لم تخل هذه المجموعة من نماذج حية لتحدي خطوب الحياة حيث يعد أهم نموذج فيها عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينج الذي تحدى الإعاقة حد المحاضرة بعينيه متفوقا بذلك على زملائه الأصحاء في الجامعة وعالم النفس الأمريكي روبرت ستيرنبرج وغيرها من النماذج التي سكنها الطموح ونسف من دربها كل المثبطات.
يظهر لنا مجهود الأب الواضح في محاولته للإلمام بالتطور العلمي الذي تعرفه الدول في كل المجالات بما فيها الهندسة الجينية والهاتف الخلوي والعقل الإلكتروني والنانوتكنولوجي والحوسبة السحابية حيث يذكر أمثلة حية من طلاب علم مهاجرين استغلوا الفرص التي منحت لهم في الجامعات الأجنبية ليحققوا نتائجا باهرة أمثال جاويد كريم المنحدر من بنغلاديش مؤسس موقع اليوتيوب للفيديو مع صديقيه والذي اشترته مؤسسة Google و صلاح الدين رسول الهندي أستاذ الهندسة الميكانيكية في ليفربول الذي رفضته الجامعات السعودية واحتضنته الجامعات البريطانية. كما أنه ذكر في المقابل نماذج سيئة من بعض الطلاب العرب في الخارج الذين يستغلون عدم فهم الآخرين للغة العربية ليشتموهم بما لا يليق بشعوب وحضارة يمثلونها حيث يؤثر هذا سلبا على سمعة العرب في الخارج بسبب سلوكاتهم وهذا في الرسالة الرابعة والتسعين.
لقد ترك المؤلف لنا عنصر التشويق عالقا في ذهن القارئ من خلال تفصيل صغير ختم به المجموعة الثانية مفتتحا به المجموعة الثالثة بواحد وستين رسالة حيث نضج الكندي وقرر الزواج من ابنة بلده وظهر لنا تفاعل الأب بطريقة مثلى من خلال إعداده لهذا الحدث الهام مزودا ابنه بالعديد من النصائح التي يسترشد بها في حياته الجديدة تلك )وظهر هذا جليا في الرسائل 139، 142، 143، 145(، وقد حملت هذه المجموعة مشاهدا من رحيل شخصيات جزائرية بارزة أمثال: عبد الحميد مهري، أحمد بن بلة، والشاذلي بن جديد وحديثا عميقا عن شخصيات جعل العلم أسماءها ثقيلة أمثال : مهندس البرمجيات السعودي صالح سعد الزيد منتج برنامج أنتايني وتويت إيميل وتويت بيس، العالم المصري أحمد زويل ومشروعه الطموح المسمى “مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا” والشاب السعودي ياسر عصفور صاحب برنامج فانوس العربي الموجه للأطفال وغيرهم.
إن الأجزاء الثلاثة من رسائل إلى ولدي اتفقت في نقطة هامة استطاع الكاتب من خلالها جعل تركيزه على المواضيع نابعا من محيطه الذي يعيش فيه فجاء حديثه عن المناسبات الدينية التي تمر خلال عام وأهميتها في حياة المسلم ذاكرا لطريقة احتفال المجتمع الجزائري بها وخصوصياته كشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، ورأس السنة الهجرية والأعياد الوطنية من خلال الرجوع بنا إلى وقفة تاريخية كعيدي الثورة والاستقلال واليوم الوطني للمجاهد ومظاهرات أكتوبر 1961 بفرنسا وغيرها، إن جعل الجيل الجديد يتكئ على تاريخه يقنعه أنه لم يأت من فراغ بل تقف خلفه أجيالا لا يجب أن يخذلها فجيل لا يعرف تاريخه هو جيل مائع المستقبل دون أن ينسى المناسبات الدولية كاليوم العالمي لحقوق الإنسان واليوم العالمي للسلم معلقا على هامشها بالكثير من الحقائق التي تجعل القارئ يطلع على عدم اعتباطية الاحتفال وتخلصه من ضبابية التواريخ.
ثلاث سنوات إذن من غياب الكندي ووالده يقتسم معه يومياته فيورد الكاتب تفاصيل قد تعد بسيطة وتمر على الفرد يوميا كالمناسبات العائلية التي تؤرخ لدفتر عائلة الكاتب مثل الاحتفال بأعياد ميلاد أفراد الأسرة ومشاعره كجد لأول مرة وزياراته العائلية التي يأخذنا معه فيها ويتحدث بحميمية خالصة كطريقة لاقتسام اللحظات مع قارئ مجهول يفتح له الباب ويتركه يدخل بأريحية تبني علاقة مميزة بينهما.
يمكن لقارئ ارتحل مع المجموعات الثلاث أن يستعير منها مقتطفا لائقا بالخاتمة على لسان الكاتب حين يقول: )رسائلي إليك ولدي هي نصائح ونتائج متواضعة، والنصح أغلى ما يباع ويوهب، تهدف إلى التربية الاستقلالية، ودعم الثقة بالنفس، وتعويدك الصراحة والجرأة والاخلاص والوفاء والتعاون وغيرها من الفضائل التي تقوم عليها الأمم الحية القوية لإخراج أجيال قوية في بنائها الأخلاقي إلى جانب نتاجها العلمي(.
يمكنك أن تقرأ كتابا لتستفيد ويمكنك أن تقرأ كتابا لتفكر وتحلم لكن الكتاب الذي يبث فيك مشاعرا ويدرّ عليك تضامنا إنسانيا لم تكن تعلم أنه كامن فيك فذلك هو الكتاب المثالي فماذا لو كانت ثلاثية تحصّنك من أسى الغد وتفتح لك أبوابه بمقاس أحلامك لا بمقاسك؟.
——————————————————————–
* رتيبة كحلان ( كاتبة من الجزائر )




