تشكــلات الجـوانب الدلالية في قصيدة ” المجد للسيف لا للقلم ” .. للمتنبي …/ شافية طالب *
بواسطة مسارب بتاريخ 30 يونيو, 2013 في 04:03 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2846.

 

تـــمهيــد:

إن فــي كلمـات الشعــر سحـرا وفيها خفاء وإيجاز وإيحاء، وهذا كله يجعلها محددة الدلالة بل يجعل دلالتها تقبل احتمالات كثيرة، فكل يتصورها حسب حالاته الوجدانية، وحسب ما يستطيع أن يستنبط منها، وحسب ماتثيــره أصداؤها في نفسه، وحسب ما تبعثه من عواطف ومشاعر، وكأنها نافذة يطلّ منها على أفق واسع من عالمه الداخلي أو كأنها أداة من أدوات الإشارة (1)
وهذه القصيدة التي نحن بصدد دراستها تقع في تسعة وثلاثين بيت، يصف فيها المتنبي مسيرة من مصر في ستة وعشرين بيتا، ثمان منها في حديث عن هذا الترحال الذي فرضه على نفسه ، وعن شقاء الإبل معه، ثم يتنقل إلى وصف صحبته من الفرسان الذين ذاقــوا ويلات السفر بالليل، وتوقع المخاطر من الإنسان والحيوان، ومن الطبيعــة نفسـها حتى وصلوا إلى الكوفة، ثـم يتلخص في البيت السادس عشر من وصف الــرحلة إلى الرثاء.
وقد انطلق من البيت السابع عشــر إلى البيت العشرين يتحدث عن نفسه وبطولاته ومعاركه، مستخرجا الدروس والعبر عن تلك التجارب التي تعرض لها إلى أن يأتي غلى نهاية القصية ليتحدث عن كافور الإخشيدي.

أ/ اللغــة الشعريــة:

إن الألفـــاظ موجـودة قبل الشعر – كمواد أولية – لكن الشعر ينسقها وينظمها بطريقة ما، حيث يخرجها عن عاديتها مايسمى باللغة الفرنسية la défamillisation ، ليجعلها بالتواشج مع سواها شعرية مميزة وذلك بطريقة التركيب والمساق الذي ترد فيه، وذللك بواسطة الخلق التصويري، الذي يكون معادلا لانفعال الشعر، هذا الانفعال هو الذي يحث الخيال على إعادة تحليل وتركيب البناء اللغوي، وذلك ببث حيوية مخصبة في الحياة الجميلة الدافئة الزاهية، في أعراق تلك العلاقات التي يزيل الشاعر عنها رتابتها وينفض نمطيتها بعد أن فقدت اللغة مجازا اللصيق بها في نشأتها الأولى (2).
ومن بين مظاهر خصوصية اللغة الشعرية الواردة في القصيدة نجد:

1- التقديم و التأخير : ومن ذلك قول الشاعر :

لافاتك آخر في مصر نقصده ****** ولا له خلف في الناس كلهم

لقد أخر هنا الفعل ( نقصده) وقدم عليه الجار والمجرور ( في مصر).

مكعـومة بسياط القوم نضربها ***** عن منبت العشب تبغي منبت الكرم

وهنا قدم الشاعر الجار والمجرور والمضاف ( بسياط القوم) على الفعل ( نضربها)، وهذا ضرب من أجرب التغريب الشكلاني .
وهذه الألفاظ المقدمة توضح شيئا توضّح شيئا من أبعاد الدلالة، ولهذا أثره في شعرية التركيب، ومن ثم في شعرية الخطاب، والتقديم والتأخير من الوسائل التي يلجأ إليها المبدع لنقل الخطاب، من العادي إلى الشعري.

2- الحــــذف :
يشكل الحذف لبنة في بناء الانزياح الأسلوبي عن المستوى التعبيري العادي (3)،لأنه يحدث ما يسميه ريفــاتير بالشعرية الأسلوبية.
والحذف أنواع، ومنه مايكون(4) :
2-1- في الجملة الإسمية، إذ يحذف المسند إليه في الغالب.
2-2- في الجملة الفعلية، حذف المسند والمسند إليه، ومنه حذف في الحروف.
ويمكن أن نجد بعض أضرب الحذف في هذه القصيدة، ومن ذلك قوله:

سبحان خالق نفسي كيف لذتها ****** فيها النفوس تراه غاية الألم

وهنا حذف المسند والمسند إليه واستعان بالمفعول المطلق للتعويض عنهما.

3- الاعــــتراض :
يرد بين عنصرين يكونان متلازمان، من مثل: المسند والمسند إليه، والنعت والمنعوت، والفعل و الفاعل ، والقول ومقوله (5). ومثال ذلك:

طردت من مصر أيديها بأرجلها *********** حتى مرق نبها من جوش والعلم

وكذلك قوله :

ومن اقتضى بسوى الهند حاجته ********** أجاب كل سؤال عن هل بلم

وهنا الاعتراض أفاد التأكيد عندما فصّل بين الفعل و المفعول به بالجار والمجرور والمضاف إليه.

4- الحقول الدلالية :

هو صنف أو عنوان تندرج تحته مجموعة كلمات، والكلمات داخل الحقل الدلالي الواحد، إما أن تكون في حالة تشابه في المعنى وإما أن تكون في حالة اختلاف (6).
إن الحقول الدلالية يمكن أن تعطينا صورة دلالية متكاملة عن طبيعة اللغة، وكلماتها بدلا من قائمة تحتوي، عن مئات الآلاف من الكلمات المتناثرة التي لا يــــربط بينها رابـــط والحقول ذاتها تظهر الروابط الدلالية بين الكلمات لأنها تقوم على التصنيف والتجميع المعتمد على الدالالة والمعنى معا (7).
أ‌- حق الكلمات المترادفة: ومن أمثل ذلك: تبري ، تعارض / بصر ، عين / ناطقة ، صياح / الوفاء ، الصدق.
ب‌- حقل الكلمات المتضادة: سودا ، بيضا / وقيت ، السقم / أيديها ، أرجلها/ العرب، العجم / الأحياء، الأموات.
ت‌- حقل الكلمات المشتقة من جذر واحد: حكم، احتكم، حكم/ سرت، أساري، أسار/ أصنام ، صنم/ وقعت ، مواقع / نفسي ، النفوس / تشك، شكوى/ زيارة، تزورهم/ أتى ، أتيناه.

التهميشات :
(1) شوقي ضيف، النقد الأدبي، ط.4، دار المعارف، القاهرة، ص64.
(2) أحمد جاسم الحسين، الشعرية قراءة في تجربة ابن المعتز العباسي، ط01، الأوائل للنشر والتوزيع ، دمشق، 2000، ص157.
(3) ينظر: أحمد جاسم الحسين، الشعرية قراءة في تجربة ابن المعتز العباسي، ص 161.
(4) ينظر: المرجع نفسه، ص162
(5) المرجع السابق، ص 164.
(6) محمد علي الخولي، علم الدلالة ( علم المعاني) ، دار الفلاح للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن،2001، ص174.
(7) المرجع نفسه، ص 182

 

 

 

 

——————————————————————————

* شافية طالب  ( باحثة أكاديمية جامعة تيزي وزو – الجزائر – )

اترك تعليقا