-1-
لا تريد هذه الورقة أن تلخص ما ورد في محاضرة الأستاذ طه عبد الرحمان، كما لا تدعي الوصول إلى مستوى ما طرحته من أفكار متراص بعضها ببعض تحتاج ممن يلج إليها التسلّح بقراءة ما كتبه الأستاذ طه عبد الرحمان من مدونة لا تنفك تثبت رسوخ مكانتها في الخطاب الفلسفي العربي المعاصر و تميّز الرؤية التي تحملها بالنظر إلى هذا الخطاب.
فتَتِمّةً لما كان قد بدأه في كتبه (اللسان و الميزان) و( الحق العربي في الاختلاف) و خاصة في كتابه (روح الدين)، حاول الفيلسوف المجدد -كما يسميه طلبته المغاربة- الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمان في محاضرة ألقاها بالمكتبة الوطنية بالرباط في الثامن عشر من شهر ماي الفارط تحت عنوان ( أخت العلمانية و فصل الدين عن نفسه) وكان لنا شرف حضورها، أن يوطد الدعائم التي كان قد وضعها في نظريته الائتمانية، و التي حاول من خلال رسم معالمها الفكرية و أسسها الفلسفية أن يعيد للممارسة الفلسفية الإسلامية عمقها الفكري و قوتها الاستدلالية و قدرتها العقلانية على قراءة الفكرة الفلسفية الغربية المُسيطرة من خلال إنتاج الآليات المنطقية القادرة على مواجهتها بروح واثقة من إرثها الفلسفي و من إمكانياته الكامنة لا مواجهةَ اندفاع تقرأ الغرب بما أنتجه الغرب من مبادئ معرفية و ركائز منطقية تخدم غاياته استدلالاً و تبريراً، و لكن مواجهةَ تأصيلٍ وتحصينٍ يضعان هذه المبادئ و الركائز الغربية التي طالما انبهر بها الخطاب الفلسفي العربي المعاصر، في خضم ما تناساه هذا الخطاب من إمكانية البرهنة الاستدلالية على رسوخ الفعل الفلسفي في المبادئ و الفلسفية العربية الإسلامية و ركائزها التي تُركت جانبا حتى أضحت في نظر المفكرين الغربيين و من تبعهم من المفكرين العرب عاجزة عن إيجاد مخارج للذات الفلسفية العربية المأسورة داخل قوقعة ما تعانيه من قهرٍ منهجيٍّ و اصطلاحيٍّ تمارسه الفلسفة الغربية عليها من دون إيجاد بديل موقفيٍّ كفيل باستعادة دورٍ ما لراهن الممارسة الفلسفية كما أسست لها المدرسة الرُّشدية في وقت سابق من تاريخها. و لعل هذا ما حدا بالأستاذ طه عبد الرحمان إلى المناداة بـ(الحق العربي في الاختلاف).
ربما أخذ (الاختلاف) هنا، و في هذه المحاضرة بالذات، معناه الحقيقي من خلال البرهنة على قدرة الممارسة الفلسفية العربية على إنتاج رؤيتها الفكرية و صيرورتها التأصيلية ومنطقها الاستدلالي لا بوصفها احتمالا ممكنا، و لكن بوصفها حقيقة ملموسة في ثنايا الخطاب المنطلق من الذات الفلسفية في وضوح تجليها الوجودي و هي تعبّر عن نفسها و تواجه الذات الغربية مواجهة لا يُشتمُّ منها الردود النديّة التي طالما استعملتها استعمالا عاطفيا مأزوما أو رومانسيا مبهورا، و لكن الرؤية الهادئة المتبصرة الواعية بإمكانية الذات في إنتاج فكرتها التي بها تسود و بها تصوغ مشروعها الحضاري و تحققه.
-2-
ربما لم يكن ثمة من إشكال منهجيّ أو تاريخي في التعرض لما يمكن أن يسمّى بالأنموذج الراهن من أجل البرهنة على مسألة تبدو في ظاهرها كما في باطنها غاية في التعقيد و موغلة في ثنايا التاريخ القديم. و يبدو الفيلسوف الفرنسي لوك فيري(Luc FERRY) الصورة المجسّدة لهذا النموذج في ما حاول الأستاذ طه عبد الرحمان أن يبرهن من خلاله على توغل الرؤية الناسوتية في بنية الفلسفة المعاصرة كما يدعو لها لوك فيري في كتابه (الإنسان الإله). وقد يتساءل السائل لماذا لوك فيري معاصرنا بالذات و ليس سبينوزا مجاراةً للنماذج الثلاثة التي اختارها الأستاذ طه عبد الرحمن للبرهنة على دهرانية التصور الفلسفي الغربي في فصله الأخلاق عن الدين و نسبتها للإنسان؟ و هل كان من اللازم إضفاء نوع من الراهنية الحيّة على ما حملته الخطاطة الاستدلالية التي اعتمد عليها الفيلسوف طه عبد الرحمان في نقض الرؤية الفلسفية الغربية من خلال اعتماده على أربعة نماذج يرى أنها تؤسس لما سمّاه لغةً و أسس له اصطلاحاً بـ(الدهرانية) التي لا تعادي الدين المُنزل بوصفها “صورة دُنيانية تختصّ بفصل الأخلاق عن الدّين”؟
لقد استطاع الأستاذ طه عبد الرحمان أن يمثّل لهذه النماذج بتصورات أربعة هي: التصور الخارجي، و التصور التبعيضي، و التصور السلبي، و التصوّر التسيّدي. و هي التي أدت في نظره بـ( تهافت الدهرانيين) عبر الأزمنة الفلسفية الغربية المعبرة عن تجارب الفلاسفة الغربيين كما مثلّ لهم من خلال النماذج التي تعبر عنها الدهرانية في تجسّدها في النماذج التالية:
- النموذج الطبيعي عند جون جاك روسو من خلال حديثه عن تضاد بين الدين الطبيعي و الدين المنزل (في كتابه إميل)،
- النموذج النقدي عند كانط من خلال تمييزه بين الدين الطبيعي و الدين العالم باعتباره مدركا من العلم وحده، في كتابه (الأسس الماورائية للأخلاق،)
- النموذج الاجتماعي عند دوركايم من خلال تأكيده على التضاد بين الدين الأخلاقي المتأتي من الدهرية و الدين المُنْزل، و كذلك من خلال اعتباره أن كل الأخلاق هي خارج الدين لأنها في نظره ظواهر اجتماعية في كتابه (التربية الأخلاقية).
- و أخيرا النموذج الناسوتي (Humaniste) للوك فيري، في كتابه (الإنسان الإله، أو معنى الحياة) من خلال مقابلته بين ما يسميه الدين الفلسفي باعتباره استعدادا ما ورائيا، و الدين المثالي، و تفريقه بين أخلاق الواجب و أخلاق الخواص. و كذلك من خلال اعتباره أن الفلسفة الحديثة تتمثل في دهرنة المفاهيم الدينية، و لذلك يعتبر أن إعلان مبادئ حقوق الإنسان ما هو إلا صياغة ناسوتية للمبادئ المسيحية و اعتبار الناسوتية مسيحية متخلصة من بهارجها اللاهوتية.
-3-
ربما كان النموذج الرابع المتمثل في الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري هو النموذج الأكثر إثارة بالنظر إلى النماذج الثلاثة الأخرى المتمثلة في جون جاك روسو و إيمانويل كانط و إيميل دوركايم، و ذلك نظرا لما تمثله راهنية الصورة التي يمثلها وزير التربية الفرنسي الأسبق و اندراجها في واقعية الخطاب الفلسفي الغربي بوصفه خطابا متصلا بالواقع الثقافي و الحياتي للمجتمع الفرنسي خاصة و الأوروبي كذلك و درجة تأثيره على المثقفين العرب و على خطاباتهم- و حالة لوك فيري كما حالة برنار هنري ليفي دالة على نزوع الفلسفة المعاصرة إلى الشارع و هروبها من الأدراج المتعالية للمدرجات الجامعية العتيقة-، و كذلك نظرا لتأثير هذا الاندراج في تعميم الأفكار الفلسفية التي يحملها هذا الفيلسوف و تبسيط منطلقاتها النظرية لكي تصل إلى عامة المثقفين على غرار المشتغلين بالحقل الفلسفي.
و لعل تركيز الأستاذ طه عبد الرحمان على أفكار لوك فيري خاصة في كتابه (الإنسان الإله) يرجع أساسا إلى أحقية هذا الأخير في تمثيل الجيل الجديد من الفلاسفة الذين يحملون على عاتقهم فكرة (الدهرانية) كما حدد مفهومها الأستاذ طه عبد الرحمان، و كما بدا له أنها مُوصِلة عند هذا الفيلسوف إلى قمّة ما يمكن أن تصل إليه فكرة قطع الصلة بين الدين و الأخلاق ، لا من خلال إبعاد الأخلاق عن الدين و من ثمة عن الألوهية، و لكن من خلال إبدال الإنسان في ناسوتية بحثه عن الرؤية الأخلاقية الأكثر مثاليةً، مكانَ الإله ومحاولته تبوّء المكانة التي طالما حاول الفكر الغربي المؤنْسَنُ أن ينزعها عن نفسه بإبعادها قدر المستطاع عن تراثه الديني من خلال التركيز على مسيحية القرون الوسطى و أنموذجها المعروف بنتائجه السلبية على التجربة المعرفية الغربية. و لعل لوك فيري يمثل في هذه الحالة قمة ما يمكن أن يصل إليه الفكر الغربي المؤنسن من تشبث بالقيم الناسوتية بصورة متسلسلة في عبورها للأزمنة التي مرّت بها النماذج الثلاثة الأخرى.
-4-
لقد حاول الأستاذ طه عبد الرحمان البرهنة على أن أخت العلمانية، التي هي الدهرانية، على اعتبار أن الأولى فصلت الدين عن السياسة و الثانية تحاول فصل الدين عن الأخلاق، إنما سعت من خلال ما جاء به مفكروها إلى فصل مبدأ الأخلاق بوصفه مركزا أساسيا للواحدية الإلهية عن الدين بوصفه مرجعا لمبدأ الألوهية، و ذلك من خلال ربط مصدر الأخلاق بالذات البشرية، و من ثمة فهي تحاول من خلال مقاصد الخطاب الفلسفي عند هذه النماذج الأربعة أن تفصل الدين عن نفسه. كما حاول الفيلسوف طه عبد الرحمان أن يُمثّل لإدراك البعد الجوهري بين تصور الدّين للأخلاق و تصور الإنسان الغربي لهذه الأخلاق من خلال تجربة النورانيين الذين تعرضوا للمسيحية بما قدمته من نموذج صارخ في الابتعاد عن الأخلاق الدينية. و قد انتقد الأستاذ طه عبد الرحمان تعميم النورانيين و من بعدهم المفكرين العلمانيين لأحكامهم التي استقوها من التجربة المسيحية على كل الأديان، و اعتبر ذلك خطأ كبيرا انجرّ عنه سوءُ فهمٍ للتجارب الواقعية للديانات الأخرى و خاصة الإسلام.
و لعل ما يميّز القراءة ‘الطاهائية’ هو إدراكها العميق لصياغة المفاهيم الجوهرية ببعديها الدلالي و الاصطلاحي لمواجهة المفاهيم الغربية المتبلورة دلاليا و اصطلاحيا منذ عصر النهضة، و المتجددة في بنية الخطاب الفلسفي المعاصر بصورة لا يمكن معها لكل مجتهد أن يجزم بإمكانية اللحاق بالممارسة الفلسفية الغربية من حيث هي مفاهيم أصيلة و مصطلحات دقيقة. و من هنا، تبدو أهمية التجربة ‘الطاهائية’ في صياغة رؤية مفاهيمية و اصطلاحية متكاملة تعوّض الفراغ الرهيب في الأداة الاصطلاحية بوصفها مفتاحا ضروريا لفهم الثابت المرجعي و المتغير الفلسفي في التجربة الغربية، و بالنظر كذلك إلى مُعادِلاتها المفارقة في الفلسفة العربية الإسلامية.
و لعل هذا البعد هو الأكثر إضاءة للرؤية الفلسفية كما سعى إلى شرحها الفيلسوف طه عبد الرحمان. و لعله الأكثر تحديدا لسيادة أطروحته التي صاغ من خلالها ‘النظرية الإئتمانية’ في بنيتها الفكرية و في أساساتها المرجعية، و ذلك من خلال إدراك مدى ما يمكن للتجارب الفلسفية العربية الأخرى أن تقع فيه من ابتعاد عن تمكين الرؤية الفلسفية العربية من الانطلاق من عمق ذاتها لإنتاج المشروع الفلسفي الكفيل بقراءة الآخر الغربي، لا في ما أنجزه هذا الآخر من عقلانية متعلقة بخصوصية تجربته الفلسفية و من وجهة أحقية العرب المسلمين بتعميم هذه التجربة من خلال النظر إليها في إنسانيتها، و لكن كذلك في ما تطرحه الذات الفلسفية العربية من إمكانية تجاوز هذه الرؤى التي تراوح مكانها بين اتّباع الآخر في مشروعه العقلاني المتحوّل بالنظر إلى المستجدات المنهجية والزمنية من عقلانية القرن السابع عشر إلى ‘ناسوتية’ القرن العشرين، و بين إمكانية الوقوف ضدّه انطلاقا من محاولة دحض المقولات الغربية (الاستشراقية) في هذه الحالة، بالتأسيس لـ(لاستغراب) بوصفه ردّة فعل للفعل الاستشراقي.
و لعل هذا ما يميز مشروع الأستاذ طه عبد الرحمان عن غيره من المشاريع الفلسفية العربية الأخرى التي تزامنت مع الحركية التي تميّز بها الخطاب الفلسفي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين و امتداداته إلى الوقت الراهن سواء أكانت ‘أركونية’ موغلة في اعتماد الدرس التاريخاني منهجا انتقائيا لقراءة الذات الإسلامية و موروثها الفلسفي المتشابك المتعدد، أو ‘جابرية’ متزمتة لمركزية عربية غائبة وباحثة عنها في ما تقدمه المركزية الغربية من إمكانية نقد الذات عن طريق العقل و الخروج بها من غياهب التصورات الجاهزة. و لعل هذا ما حاول أن ينتقده الأستاذ طه عبد الرحمان في المشاريع الباحثة عن الذات في ردّة الفعل الاستغرابية بوصفها آلية استشراقية معكوسة تحاول أن تقلب الرؤية المنهجية من أجل معرفة الآخر الغربي الذي يقول عنه إن ” الغرب فينا، لكن القدرة هي في تبيّن حدوده فينا، فيجب أن يُوَاجِدَنَا و نُوَاجِدُه، و نحن نواجده ولا يواجدنا”..
————————————————————————–
* عبد القادر رابحي ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )




