نود، في هذه الورقة، أن نطرح جملة من الأسئلة ومن المراجعات
التي تتعلق براهن الشعر الجزائري وبالمنجز الفني المتحقق من زاوية نقدية / ثقافية لا تقف عند حدود التراكم النصي / الإبداعي، وإنما تتعداه إلى مساءلة تطال الزمن الثقافي وصدام المرجعيات والانقسامات التي تكشف عن غياب فادح للوعي برهانات زمننا وهمهماته. نود كذلك أن نبتعد قليلا عن النقد في مفهومه المدرسي الذي يستثمر المنجز العلمي والسؤال المعرفي عند الآخر ليمارس تمارينه على النصوص، بعيدا عن الوعي بتاريخية المناهج النقدية وبتجذرها الإبستيمي والإيديولوجي في الفضاء الثقافي الغربي. هذا ما سيفتح الباب أمام العقل النقدي من أجل مساءلة واقعنا الأدبي / الشعري ومحاولة الاقتراب من رهاناته ودلالاته على الصعيد الثقافي العام.
ربما تجدر الإشارة السريعة، هنا، إلى أن حركة التحديث الشعري العربية أصبحت أمرا واقعا وجزءا من بنية الوعي الثقافي العربي العام. ورغم أن العالم العربي، في عمومه، لم يعرف الحداثة إلا في صورة تحديث شكلاني وفي صورة استهلاك للمنجز التقني الغربي، إلا أن ذلك كان كافيا بدوره ليوقظ الثقافة العربية السائدة والموروثة من خدرها ونعاسها في حضن المقدس والمطلق ليقذف بها في الفضاءات المرعبة للتاريخ مفهوما على أنه زمن الإنسان المتخلص، شيئا فشيئا، من هيمنة الماضي والمقدس والمنقذف أبدا في المجهول. كان هذا الأمر لوحده كافيا – كما نعلم – من أجل التشكيك في القيم الفكرية والأدبية السائدة، وفي احتضان صبوات التجربة الفردية التي أصبحت تغامر، منذ زمن الرواد، خارج مرجعية الموروث. إلا أن هذا الأمر، أيضا، لم يشكل المنحى الوحيد السائد المهيمن على النتاج الشعري العربي وهذا نظرا لغياب تجانس الزمن الثقافي وعدم تجذر قيم التحديث فكريا وسياسيا وسوسيولوجيا، ما يفسره بقاء هذه الثقافة معينا لإعادة إنتاج الزمن الثقافي البطريركي القائم على طمس المغامرة وترسيخ سلطة التقليد. هذا، تحديدا، ما أدعوه تصادم الأزمنة الثقافية في العصر الواحد. وتجدر الإشارة، هنا، إلى أن كل الثقافات عرفت هذا تقريبا في أزمنة التحولات الكبرى، قبل أن تنتصر فيها القيم الأكثر احتضانا لوجيب عصرها وأسئلة زمنها الحضارية. ربما يفسر هذا الأمر ذلك التململ لفينيق الذات العربية التي ظلت تنشد الخلاص من رماد العطب التاريخي الذي طال أمده ولم تستطع أن تحلق، عاليا، طائرا ناريا في أجواز مغامرة ابتكار الذات خارج سيادة المعيارية والنموذجية.
إن غياب التجانس في الزمن الثقافي العربي يفسره بقاء التحديث خاضعا لكوابح كثيرة اجتهد المفكرون العرب في إضاءتها ومحاولة تشخيصها نقديا. ونعتقد أنها كوابح تتعلق، أساسا، بالبعد السوسيو- ثقافي وثقل البنيات التي ظلت تعيد إنتاج نفسها ولم تخترقها الروح الحداثية التي تبنتها الدولة الوطنية العربية. كان لهذا انعكاسه الكبير، بالطبع، على المسار العام للإبداع الشعري العربي. ورغم انتصار الحداثة الشعرية العربية على أكثر من مستوى، إلا أن الزمن الثقافي العربي لم يصل، بعد، إلى مرحلة إحداث القطيعة الجذرية مع الماضوية ومع التراث كما يعاد إنتاجه بوصفه قوة هيمنة رمزية على الفضاء السوسيو- سياسي. أعتقد أن الثقافة العربية السائدة اليوم – في صورتها العالمة – هي الوحيدة في العالم التي تعرف تعايش أدونيس وعبد الرزاق عبد الواحد؛ السياب والجواهري؛ أنسي الحاج وأحمد مطر؛ أزراج عمر ومصطفى الغماري. هذا التصادم يكشف عن طبيعة معاركنا غير المحسومة من أجل إنتاج زمن ثقافي متجانس وأرضية مشكلات وتطلعات واحدة. ربما لم نحسن في تاريخنا الحديث، إلى اليوم، إبداع ميتات جميلة لما ينهار تلقائيا ولم يعد يحضر إلا بوصفه شبحا على ركح المشهد الثقافي الحي.
2
إن الجزائر، بالطبع، لا تمثل الاستثناء السعيد في العالم العربي. لقد عرفت الحركة الشعرية في الجزائر المستقلة انفتاحا على مغامرات التحديث التشكيلي والرؤيوي، وعرفت تعرجات وانتفاضات على ذاكرتها القريبة والبعيدة. هذا ما يفسره بروز عدة أسماء، عبر عشريات خلت، مثلت اختراقا وسؤالا تعلمت عبره الكتابة أن تطرحه على ذاتها وعلى العالم. أصبح العالم مجلى للتاريخ الواعد بانعتاق آت مع الثورة. أصبح التاريخ مهدا للإنسان المتخلص من سطوة السماء الفارغة. أصبحت الكتابة طلبا للمجهول وسفرا في ليل العالم ولعبا مغتبطا بخلق المعنى الذي يسع صبوات الإنسان العميقة. هذا هو شعر أزراج عمر وإدريس بوذيبة وعثمان لوصيف وعبد الله بوخالفة وبختي بن عودة ومصطفى دحية تمثيلا لا حصرا. وأود أن أشير هنا أيضا، رفعا لكل التباس، أنني أحصر كلامي على حركة الشعر الجزائري المكتوب بالعربية، أي ذلك الشعر الذي واجه ذات الزمن الثقافي الذي واجهته القصيدة العربية في المشرق، متنطحا لسيادة التقليد وبنية التفكير الماضوية وقيم المشافهة ومعيارية التراث. فمن المعروف أن الشعر الجزائري المكتوب بالفرنسية في ذرواته العليا – عند مالك حداد ومحمد ديب وكاتب ياسين على سبيل التمثيل – كان شعرا متخلصا من مشكلات الثقافة العربية العالمة آنذاك، وكان منخرطا في زمن ثقافي مغاير أسست له الحداثة الفرنسية في أعتى تجلياتها.
إننا نعتقد أن هذه الحركة الشعرية في الجزائر، اليوم، تعاني من التشظي ومن غياب الملامح. إنها حركية بلا وجه: نعني أنها تفتقر إلى وحدة السؤال وإلى تجانس الزمن الثقافي بالمعنى الذي ذكرناه، ما ينفي عنها صفة الحركة الأدبية أصلا. ورغم يقيننا أن الإبداع هو، جوهريا، صوت الفردية والموهبة التي تتفتح وردتها في حركة الخروج عن شرنقة السائد والمؤسس والمكرس، إلا أن هذا لا ينفي كون الأدب يمثل تاريخ الأسئلة التي تنتجها الثقافة بوصفها نبض وجودها ومعين حركيتها في احتضان لحظتها التاريخية والإفصاح عن هويتها المتحركة. إذ يعلمنا تاريخ الإبداع البشري أن الكتابة لا تنبجس من فراغ، وإنما تقف على أرضية المشكلات الكبرى التي تطرحها الثقافة في محاولة لتجاوز مآزقها الخاصة واحتضان زمنها وإيقاع لحظتها. هذا يعني أن الإبداع الشعري يمثل يقظة عصفور الوعي أمام الأشياء وهي تستقبل فجر المعنى المرتبط بتاريخيتها الخاصة، ما يجعل من الإبداع الشعري تاريخا باطنيا للوعي وتأسيسا لزمن مختلف ينسلخ من الجاهز ومن رماد السائد. الشعر، بهذا المعنى، لغة مغايرة ومناهضة للثقافة بوصفها معتقلا للعالم. وبعيدا عن الإشارة إلى استثناءات قليلة تتوهج في عتمة حياتنا الأدبية ككواكب مفردة، أين نعثر على هذا الذي ذكرناه في ما يكتب عندنا اليوم؟ أين الشعر الذي ينخرط في أتون أسئلة اللحظة وجوديا وكيانيا؟ أين أسئلة الكينونة المعذبة في توقها إلى الامتلاء وهي تجترح البدايات التي لا تكف عن قرع باب المعنى؟ أين المغامرات الكبرى التي تفتح الشعر على فضيلة اقتراف اللعب الذي يبشر العالم باليتم الكبير/ التحرير الكبير من لوغوس الدلالات المتعالية والجاهز الثقافي المؤسسي؟ ما دلالة هذا النكوص الذي نشهده في انتعاش نوستالجيا القدامة ومنظومات القيم التقليدية التي تسفح جنون التجربة وأسئلتها على مذبح مرضاة الآباء؟
أعتقد أننا لا نحتاج إلى شواهد كثيرة على مستوى النشر والحضور الثقافي في الجزائر، اليوم، لنتعرف على الفوضى السيميائية التي تحكم عملية إنتاج الآثار الكتابية والشعرية منها بالأخص. كأن الشعر في الجزائر فقد مفهومه الموحد بوصفه تجربة لغوية / فنية تمثل المعادل الموضوعي لانكسارات العالم والمجتمع وجروح الذات الوجودية. إننا نشهد تصادما بين أزمنة ثقافية متباينة ومتعددة يكشف عنه حضور القصيدة التي تتأهب لانتهاك وخدش العالم بوصفه نصا سائدا من جهة أولى، والقصيدة التي تتفيأ ظل التراث الذي يطفو، اليوم، على سطح الوعي العام لحظة الخيبة والتشكيك في قيم التحديث المتعثر على كل المستويات، من جهة ثانية. هذا ما تمثله عودة النقاشات – وعلى مستوى عربي- حول شرعية الحداثة وشرعية قصيدة النثر العربية وشرعية الانخراط في النقاشات الكبرى المرتبطة بمصير العالم وصيرورات المعرفة. إن الأمر، على ما يبدو، أعمق من أن يتناول على أنه مسألة خيارات فنية وتجارب فردية قد تتقاطع هواجسها الكبرى أو لا تتقاطع. إنه مؤشر على انهيارات متلاحقة تحطمت فيها بوصلة الاتجاه وغابت فيها قيم التجاوز والتأصل في اللحظة، وكشف فيها العالم عن وجهه السديمي.
إننا لا نعدم، بالطبع، نتاجا شعريا جزائريا مهما في الفترة الحالية، ولكنني أشدد على تصدع نظام الخطاب الشعري العام وتلاشي مركزية الزمن الثقافي الذي يضمن انخراطا واثقا في اللحظة التاريخية وأسئلتها الملحة. إن وجود نتاج شعري مهم لا يعني أننا أحدثنا، بالضرورة، القطائع المرجوة جماليا وفكريا مع السائد المستنفد؛ وإنما يعني أن هناك مغامرات بهية وانتفاضات شعرية لم تفرض، بعد، نظام صعلكتها ولم تتبوأ المشهد الإبداعي. هذا يعني أن السيادة، اليوم، هي للغياب الذي تكشف عنه النمطية الكتابية والضحالة الرؤيوية وغياب أسئلة الإبداع والفقر المعرفي. كأن الكتابة في الجزائر تعيش خارج الوهج الذي تصنعه المغامرات التي تربك نظام الحساسية وتفتح أفقا لإعادة النظر الجذرية في قيم ومرجعيات نظام الدلالة السائد. كأن الكتابة عندنا كفت عن محاورة التراث بوصفه فضاء رمزيا يعاد من خلاله اكتشاف الإنسان ومساءلة الكينونة واكتفت – من جهة أولى – باستعادته في فعل نوستالجيا دونكيشوتية بائسة؛ أو بمحاولة تجاهله نهائيا، وكأن الإبداع يولد خارج محاورة العالم ومحاورة الذات التاريخية كما ينتجها التراث بوصفه مؤسسة في ترسيخ سلطة المعنى / القوة. الإبداع طائر لا يستطيع الطيران في الفراغ على عكس ما اعتقدت، يوما ما، حمامة كانط الحمقاء. لا إبداع خارج التراث ولكن لا إبداع أيضا بالارتهان للتراث. هل فهمنا هذا جيدا؟
3
إن مفهوم الحركة الأدبية والحساسية الفنية، هنا، مفهوم مفتاحي من أجل فهم جيد لما يحدث. لا تقوم الحركة الأدبية والفنية إلا بوصفها سؤالا وإنجازا يحتضن لحظته التاريخية وبيانا يؤسس لبدايات مشرعة على اجتراح آفاق المعنى المتاح ضمن صخب التجربة التاريخية. هكذا كانت الحركة الرومانسية. هكذا كانت الحركة السوريالية. هكذا كانت حركة الشعر العربي الحديث التي واكبت البناء القومي ومشاريع التحرر والثورة على بنيات التقليد والماضوية فكريا واجتماعيا وسياسيا. لقد كانت حركة واعية بأهدافها ومشروعا يجد مشروعيته في ذاته بوصفه تطلعا إلى الانقذاف في أتون التاريخ الهادر ومجمرة أسئلة المرحلة. ربما يمكن التأريخ للشعرية العربية والجزائرية من هذه الزاوية، أعني من زاوية تتابع الحساسيات التي تنتفي جدليا وتسترق السمع إلى دبيب زمنها وإيقاعه. ولكن ما نشهده، اليوم، هو فوضى كتابية وغياب كلي لما يمكن أن نسميه حركة أو ملامح عامة للفعالية الأدبية بالجزائر. وهذا بدوره يشوش على القارئ والناقد عملية البحث في المناخ العام للخطاب المنتج والمعايير التي تؤسس قاعدة الثقافة – موضوع المساءلة – ونظام عملها الدلالي. قد يرى البعض في هذا ملامح ما بعد حداثية لواقع أدبي أصبح يفلت، شيئا فشيئا، من منظوراتنا ومقارباتنا النقدية الكلاسيكية التي أصابها الكساح معرفيا أمام عماء اللحظة التاريخية الحالية. وقد يرى فيها العض الآخر تراجعا لقيم الحداثة الكلاسيكية وتفككا لمرجعياتها في النظر وتلاشيا لمركزيتها التي جعلت منها – في عهود سابقة – سلطة معيارية مارست استبدادا باسم الحقيقة ومرجعية التقدم التاريخي والإبداع الذي يمثل سفرا خارج النموذجية. ونحن نقول: قد يكون هذا صحيحا من حيث أن الحداثة الكلاسيكية تعرف أعمق أزماتها، وتعرف تصدعا لعقلها الأمبريالي لصالح النسبية الثقافية، وتزحزحا عن مركزيتها المكرسة بوصفها مرجعا قيميا ظل يعتبر – لعهود طويلة – معبرا عن التجربة البشرية في عمومها. هذا كله صحيح؛ ولكن ما نعرفه عندنا، اليوم، لا يمكن أن نعتبره انتصارا للخصوصية وانفلاتا للنسبية من قمقم الاستبداد المرجعي للحداثة الكلاسيكية. إنه زمن ثقافي فقد مفاهيم الخلاص التقدمية وأصبح يعيش على وهم الفراديس المفقودة بالاعتصام بقشة الهوية الضيقة في محيط العماء التاريخي. فالحنين إلى عكاز الماضي وقيم التقليد ينتعش كلما كان الحاضر مقعدا وعاجزا عن استيعاب لحظة التحول ورفع التحديات، فكريا وإبداعيا. وهذا الأمر يبدو جليا، اليوم، لا في عودة القصيدة الخليلية الكلاسيكية وقيم المشافهة والإنشاد فحسب، بل يبدو أيضا في انتعاش التفكير السلفي وفي بداية انسحاب العقل من فضاء الممارسات العامة والخاصة على اختلافها.
إننا نعي جيدا أن ما يسمى ” ما بعد الحداثة ” في الغرب يجد، اليوم، مرتكزه التاريخي والمعرفي في انبثاق تيمة الاختلاف وهجر مرجعيات العقل الكلاسيكي المركزية. وغني عن القول إننا، بوصفنا جزائريين، قد ساهمنا في تفتيت المركزية الغربية بنضالنا من أجل الاستقلال عن المركز المهيمن الذي لم يعد بإمكانه أن يدعي الكونية ثقافيا وسياسيا. من هنا نفهم حلول تيمة الاختلاف محل تيمة التقدم والتخلف الكلاسيكيتين. لقد أصبحت الأطراف تمثل المختلف. هذا، ربما، ما جعل مفاهيم النسبية الثقافية والخصوصية تحتل صدارة النقاشات الأكثر طليعية في ما يمكن أن نسميه مرحلة ” تصفية الاستعمار الثقافي “. ولكن المشكلة عندنا اليوم – باعتبارنا عربا ومسلمين – تكمن في تحول الحديث عن الخصوصية الثقافية والهوية الثابتة – المتعالية عن الصيرورة والاغتناء كما يزعم الأصوليون جميعا – إلى أداة إيديولوجية في يد القوى المحافظة المتعاظمة سوسيولوجيا لحظة الخيبة العامة وتعثر تجارب التحديث. لقد رجحت كفة من يدافعون عن مواقعهم التقليدية في المجتمع البطريركي وسلم قيم الثقافة الأبوية، ومن يريدون مراقبة مارد التاريخ كي لا ينفلت من قمقمه مجددا. ولا يخفى أن الثقافة كانت الميدان الذي تدار فيه رحى الحرب على قيم الحداثة الإيجابية وهو ما يتجلى في موضوع حديثنا، أعني الشعر. هذا الأمر يربك، اليوم، النظر الموحد إلى النتاج الثقافي في صورته الأدبية / الشعرية ويدعونا إلى تجديد القراءة البصيرة بالوضع الأدبي والثقافي في عمومه بعيدا عن الوقوع في أحبولة الدفاع عن الاختلاف المزعوم الذي لم يحقق شرطه الإبستيمي والتاريخي. إن الماضوية لا يمكن أن تستفيد من حق الدفاع بدعوى اختلافها عن انتهاكات التجريب التحديثي في قول العالم والإنسان. الماضوية عارض طارئ على هامش الحداثة المتعثرة في حياتنا ومشاريعنا على درب امتلاك زمام مصائرنا بمعزل عن الاغتراب التاريخي الذي طال أمده. وأنا أطرح، هنا، سؤالا مباشرا: هل “يختلف” مثلا عبد الله بوخالفة وبختي بن عودة وعبد الله الهامل عن عبد الله عيسى لحيلح ويوسف وغليسي ونور الدين درويش؟ أم يمثلان – بوصفهما فريقين – زمنين ثقافيين يتصادمان في مرحلة اهتزت فيها أرضية المشروع الثقافي والحضاري الواحد للأمة، وتراجعت فيها قيم التطلع إلى التجاوز والمساءلة والدخول في ليل الحياة بعيدا عن القراءات الجاهزة؟ هل يمكننا أن نبتعد عن التموقع النقدي الحديث ومرجعية المساءلة الوجودية في النظر إلى الإبداع الشعري بوصفه حركة اختلاف عن السائد لا استعادة لقيم مستنفدة ومحنطة في متحف الماضي؟ قد تكون الحداثة، اليوم، متهمة باعتبارها مرجعية إيديولوجية غربية الطابع بالأساس؛ ولكن الإبداع ليس إيديولوجية وإنما هو حركة التمايز والتعبير الأصيل عن الكينونة التاريخية والفردية. أين نعثر على هذا في نتاج الشعراء الذين يستلهمون الأصول التي خلعت عليها بردة التقديس؟ أين نعثر على مباهج الشعر الذي لا يكف عن اقتراف البدايات وغزو أرض البكارة وإشعال قناديل المعنى في شجر العالم المعتم؟ أين هو الشعر الذي يطهر اللغة من ذاكرتها ومن موروثها الاصطلاحي / الدلالي وينفخ الروح في جثتها المتصلبة الشرايين من أجل أن تعيد تأسيس علاقات جديدة بين الدال والمدلول تتجاوز نظام اللغة القديم المستنفد؟ أين هو الشعر الذي يصنع بلعبه الخطير من طين اللغة / المعجم كهيئة الطير؟ أين هو الشعر الذي يربط حركيته بالصعلكة البهية وبحركة الخروج عن تقاليد عائلة الأدب المقدسة؟ أين نلمس آثار العظيم أبي تمام وهو يؤسس لشعر يقوم على ” بدعة ” التشكيل خارج ” السنن ” المقررة كما يعبر؟ لماذا لا يتناسل فينا إلا الآمدي الذي رضي بأن يمثل دور حارس القلاع المتآكلة؟
لقد قال أدونيس، يوما، إننا قبل أن نشرع في الدراسة النقدية لأي نتاج يقدم باسم الشعر علينا، أولا، أن نطرح السؤال التالي: ” هل هذا شعر؟ “. ونعتقد، من جهتنا، أن الاشتغال النقدي عندنا لا يعبأ كثيرا بهذا السؤال نظرا لانهمامه الدائم باستهلاك المنجز النقدي الغربي الوافد. وكأن هذا الأمر كفيل، لوحده، بجعلنا نعيش لحظة السؤال التي تمثلها المناهج النقدية المختلفة بوصفها إضاءات ومقاربات تكشف عن حيوية البحث عند الآخر، وعن حركيته الدائمة في محاولة الإصغاء الجيد إلى دبيب تاريخه من خلال فعل المعرفة. إننا نعتقد – كما قال أحد الباحثين – أن الحداثة العربية، في عمومها، تمت في سياق استهلاكي لا في سياق إبداعي. والإبداع ليس فعلا استرجاعيا وليس نوستالجيا وحنينا إلى فراديس ضائعة أو إلى كمال استيهامي يعوض عن فشلنا في احتضان وجيب اللحظة الراهنة ورفع تحدياتها. الإبداع ليس باتولوجيا خيبة وإنما هو فعل حياة واختراق. إنه، تحديدا، البدعة. إنه الخروج عن نظام الطاعة وعن معايير ثقافة الأب الرمزي. ولكن الملاحظ، من خلال ما ذكرناه، أننا لم ننسلخ، بعد، من تقاليد الشفوية وإستيطيقا الخطابة، وما زلنا ننجذب إلى الحماسة والروح المنبرية في تذوقنا للشعر. لم ندخل، إلى اليوم، عصر الكتابة ولم نلج فضاءاتها التي تتأسس على مغامرة العقل والروح واللغة خارج الجاهز وبعيدا عن المألوف في الذاكرة المشتركة. هذا ما يكشف عنه تراجع مغامرة الكتابة الشعرية في الجزائر عند معظم شبابنا. كأن الكتابة الشعرية، اليوم، لم تعد سؤالا وإنما تنميطا، ولم تعد كشفا ومغامرة وإنما بحثا عن وجود شرعي داخل السلالة الثقافية المقدسة والمكرسة إعلاميا وسياسيا. أصبح الشعر صخبا وزعيقا ولم يعد يبحث عن كوكب يرقد في رماد لغتنا وابتذالها. مشكلة الشعر، برأينا، تكمن في أنه لم يعد يصنع الحدث الثقافي عربيا وجزائريا، ولم يعد ” خطرا ” بمعنى أنه لم يعد يكتنز بطاقة الهدم والتخريب وإعادة النظر في العالم والأشياء. لم يعد يربك نظام الحساسية ولم يعد يعلم طائر اللغة كيف يشرب من نهر النسيان قبل أن يسافر في غابة العالم. إنه شعر يتصالح مع نظام القمع ولا يحرر المكبوت في مظاهره اللغوية والجنسية والسياسية. شعر لا يطرح سؤالا واحدا على اللغة وعلى العالم ولا يفكك المتعاليات التي تعج بها عائلة الثقافة المقدسة بوصفها آلة اغتراب كبرى. شعر يطيل أمد سلطة الأب. إنه – في كلمة – شعر لا يقتل الأب. من هنا بعده عن قيم الإبداع والتجاوز والأصالة، وتحوله إلى مومياء تعيش خارج النبض الحي للإبداعية الجزائرية. نقول هذا، طبعا، مع ضرورة الإشارة إلى استثناءات بهية ومفاجئة تنبت كالفطر على ضفاف المعنى السائد، وتسرح كخيول برية في مفازة الهامش الإبداعي المتسع – شيئا فشيئا – ولكنها لا تشكل بذاتها، كما ذكرنا، حركة واضحة المعالم.
4
يشير ما أتينا على ذكره إلى خصيصة تكاد تنتظم الواقع الشعري في العالم العربي اليوم. إنه واقع ما زال يتململ ولم يجد إيقاعه الخاص ولم يعثر على مفاتيح تاريخه الموحد لغياب التجانس الثقافي وغياب الحسم في معاركنا التي لم تنته مع مشكلات الخروج من زمن المرجعيات المتعالية وسلطة القدامة. إن الحداثة العربية لم تشكل زمنا جديدا يجهز على قلاع الممانعة القديمة، ولم تمثل حالة وعي تعكس حراكا حضاريا أنتجته الذات بعد اشتغالها على نفسها نقدا وتفكيكا. لقد كانت آلة لا عقلا؛ وسادت أفقيا لا عموديا. وفي مضمار الشعر نستطيع أن نلاحظ، اليوم، ازدهار سلطة المنشد وانبعاث آلهة المعياريات القديمة من قبرها بعد أن اعتقدنا، طويلا، أن التحديث دشن عهدا جديدا تم فيه كنس الوصاية من فضاء العمل التاريخي ومن أبجديات الكلام.
أراني مضطرا، هنا أيضا، إلى الإشارة أن التاريخ لا يستقيم عوده ولا يغتبط إلا بكتابة بعض النهايات السعيدة التي تنتبه إلى خروج الأعشاب البرية من قلاع الذاكرة الرسمية لتعانق الشمس والهواء. وربما لم نعرف في ثقافتنا العربية الحديثة هذا العرس الشامل الذي يبدأ عهدا جديدا وينهي سلطة العالم المنتهي. هذا ما دعوته بالفوضى الدلالية الكبيرة التي تكتنف حياتنا الثقافية وتجد، اليوم بالأخص، رواجها ورسوخ قدمها المشهدي في ذلك الزواج المقدس الذي تعقده لحظة الفشل التاريخي مع لحظة التراجع والتشكيك في جدوى المغامرة. لقد أصبحت القصيدة العربية – الرائجة والمسوقة – محالة على التعاقد وتعيش آخر أيامها خارج المجال الحي الذي يتم فيه مد جسور الضوء الشفيفة نحو اللحظة. أصبحت القصيدة العربية تكتفي بالانسحاب المبرمج من فضاء السؤال: سؤال المعنى / سؤال الكينونة / سؤال الجسد / سؤال التاريخ والمكبوت السوسيو-سياسي / سؤال جنون اللغة بمعزل عن حكمة السلطة الثقافية والرمزية على الحياة العربية. هل تشذ التجربة الجزائرية عن هذا؟ أعتقد أن الشعر الجزائري – نظير جناحه المشرقي – لا يبتعد عن هذا الأمر كما أسلفنا القول. لقد عرفنا في السابق، ربما، انبثاق حساسيات عامة شكلت سؤالا ومشروعا تمثل في ذلك الانعتاق من المرجعية الفنية والفكرية المتعالية من أجل القبض على جمرة الراهن التاريخي واحتضان صبوات الذات. كانت هذه الحساسيات العامة – على اختلافها وتفاوت قيمتها – حدثا أيقظ الوعي الأدبي العام من نعاسه وخدره في حضن السائد المؤسسي. من شعر الثورة السبعيني الذي تحرر شكليا وثار على النمطية الموروثة وعلى قيم المصالحة مع العالم المنتهي؛ إلى الشعر الثمانيني الذي انتبه إلى مغامرة اللغة وأبهتها وجبروتها في خلق العالم فنيا منفتحا على خيوط الضوء المنفلتة من الجاهز الإيديولوجي؛ إلى الشعر التسعيني الذي ولد بعد انتفاضة 1988 منقلبا على أوهام دون كيشوت وهو يصارع طواحين العصر المنحرف عن غائيات التاريخ ليتلبس وجه أوليس في عودته المضنية إلى حضن بينيلوب / الرحم الكونية والذات الحميمة في زمن انهيار العقائديات الكبرى وانكماش العالم. في كل ذلك كان المسار العام للشعرية الجزائرية مشروع تأسيس لكتابة تقرأ لحظتها وتستبق همهمات العصر المتحرك والمنسلخ، دوما، من شرانق المرجعية والمشروعيات المنهارة فنيا وفكريا. هذا الإنجاز – في بعض ذرواته – ظل ينصب أشراكا لطائر المعنى ويبتكر أشكالا لهيولى العالم ولم يكن، بحال، يتذكر العالم أو يدينه كما نلاحظ اليوم في ركام الكتابات التي أصبحت تحظى بنوع من العناية الخاصة رسميا ومؤسسيا.
ما أردت أن أقول – من خلال ما سبق – هو أن واقع الحركة الشعرية في الجزائر، اليوم، لم يعد على درجة واضحة من التجانس الثقافي ومن التطلع الفني / الرؤيوي الذي يقف على أرضية واحدة. إنه واقع يعاني من التصدع ومن الشروخ التي يفصح عنها تصادم الأزمنة الثقافية وعدم اتضاح وجهة الطليعة الشعرية التي تتفجر صبواتها شجرا بريا أو تلمع ألعابها النارية في عتمة اللحظة، دون القدرة على إنتاج زمنها الخاص أو فرض حضورها بوصفها حركة وحساسية تنتزع مشروعية تمثيل لحظتها التاريخية وأسئلة زمنها.
—————-
*أحمد دلباني (شاعر وباحث من الجزائر)
-




