-1-
ما الذي يجعل مسألة التداول على السلطة طبعا و ليس على غيرها، أمرا صعبا و خطيرا و كارثيا ومستحيلا في العالم العربي خاصة؟ و ما هي الأسباب الذاتية و الموضوعية التي تجعل منه منطقة حرن مأساوية و مصبّ مكابدات سياسية و منابزات إيديولوجية و مطارحات موقفية تعكس في جوهرها مقدار الهوّة التي تفصل فكرة التداول عمّن يسعى إلى تحقيقها و عمّن يقف في وجه تحقيقها فهما و تمثّلا و تنفيذا؟ و لماذا تبدو فكرة التداول على السلطة في عديد الدول الأخرى ذات المشابَهة التاريخية مع العالم العربي غايةً في السهولة و اليسر و على درجة كبيرة من التحقيق تمثلا و تطبيقا؟ و كيف يمكن لشعوب معنية أن تجد الآليات التنفيذية لتجاوز منطقة الحرن في مشوارها السياسي، في حين تنتج الأنظمة السياسية العربية سدودا منيعة غاية في المتانة و الغموض تحول دون أي محاولة لنمو الحمل و تحقيق الحلم الذي تحمله الشعوب العربية على عاتقتها منذ تأسيس الدولة الوطنية في فجر الاستقلال الظاهر؟ و لماذا تجاوزت شعوب أمريكا اللاتينية و أنظمتها، و بغض النظر عن نوع أنظمتها السياسية و أطروحاتها الإيديولوجية، مسألةَ التداول بدرجة كبيرة من اللباقة و التحضر بعد مراحل عويصة مرّت بها في تاريخها، بينما لم يتسن ذلك لأنظمة عربية علمانية التصور نشأت أو أُنشئت أصلا من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية و الرفاهية السياسية و الاقتصادية؟ و لماذا تجاوزت العديد من الدول الأسيوية التي تحمل الكثير من معايير التخلف الاجتماعي و الاقتصادي المرتبطة خطأً بانتمائها للأمة الإسلامية عقدةَ التداول على السلطة على الرغم من انتماء العديد منها إلى العالم الإسلامي، بينما لم تفلح محاولات عربية عديدة في تيسير اندراج التصور الإسلامي في المنظومة السياسية المعاصرة أو العكس؟ و هل فشلُ تجربة التداول هي ظاهرة عربية خالصة ربما تجاوزت عقدة السلطة مع الحرية و الدكتاتورية، و مع الديننة و الدينوة، و مع اللائكية و الإسلام، و من ثمة فهي ظاهرة ‘جاهلية’ بالمفهوم الزمني و اللغوي معا؟ و لماذا لا نكون موضوعيين و نقول إن مشكلة الصراع حول السلطة هي مشكلة ما قبل دينية بالنسبة للعرب على الأقل و لم تكن مرتبطة بمجيء الإسلام و دخوله عنصرا جديدا مُحدّدا للهوية السياسية للعرب، مثلما أن مشكلة الديمقراطية هي ظاهرة ما قبل تنويرية مستمدة من الممارسة اليونانية للفعل السياسي و لم تكن وليدة عصر النهضة كما يعتقد البعض؟
-2-
قد لا نحتاج ضرورةً إلى استحضار الدرس الخلدوني المستخلص من العبر المتراكمة في طيات التاريخ، تاريخ ابن خلدون المشهور، من أجل التأكد من اجتماع عناصر التجربة مرات عديدة. كما أننا قد لا نحتاج إلى إعادة قراءة ‘طبائع الاستبداد’ و إحصاء عناصره التي ذكرها عبد الرحمن الكواكبي الواحد تلو الآخر و ترتيبها و تحليلها من أجل الوصول إلى توصيف خالص و دقيق لما يعتري الظاهرة الديمقراطية في العالم العربي من نزوع نحو الإجهاض في كلّ مرّة تحاول أن تجد لها طريقا إلى التحقق على أرض الواقع كلما اجتمعت شروط تحرّك آليتها في الحراك المجتمعيّ، و كلما قدّمت تباشير الحمل الطبيعيّ الأصيل الموعود منذ ما يقارب القرن من الممارسة السياسية المرهونة إلى زناد الزعماء الوطنيين الخارجين لتوّهم من أبواب الثكنات المغلقة.
ذلك أنه عندما تتكرر التجربة مرات عديدة في أمكنة مختلفة وفي أزمنة مختلفة و بالمعايير نفسها التي حدثت بها في كل المرات، فهذا يعني أنها أصبحت أقرب إلى القاعدة الثابتة أو أنها صارت فعلا قاعدة ثابتة يجب التمعن في نتائجها و كذلك في منطلقاتها السببية. هذه القاعدة التي سرعان ما تحولت إلى ‘عادة سرية’ تُبدي رغبتها الدفينة في تحقيق نشوة الانقلاب على التاريخ، ثم تحولت مع مرور الوقت إلى ‘عادة علنية’ تُرسّخ المنطق الاستقوائي في صلب الممارسة السياسية الهشّة، ولا تتوانى في الكشف عن عورتها الدموية، و المجاهرة بالعنف المُبرّر أمام شعوبها المتعلقة تعلّق اليتيم بشآبيب صورة زعيمها المنقذ من الضلال. و هي في انتقالها الدراماتيكي هذا، إنما تخبر عمّا يمكن أن تصير إليه هذه الشعوب و هي تحتكم إلى الأقوى و تعيش في ظل جبروته و تساعده على احتقار وجودها، فتكون بذلك قد تحولت من صناعة البطل المنقذ الذي ظلت تبحث عنه في لاوعيها الجمعي إلى صناعة الطاغية المستبدّ بمعايير تستند إلى موروثها الاستبدادي الحاضر دائما في ذهنها، و لكنها تُخضع عند الضرورة هذه المعايير إلى التحوير وفق ما تقتضيه ضرورات العصر و خصوصيات المرحلة و تعقيدات اللحظة.
-3-
لقد تبين بما لا يدع مجالا للشك بعد تكرار حدوثها في أمكنة متعددة من الوطن العربي و في أزمنة متباعدة نسبيا، أن التجربة الديمقراطية بما هي تداول سلميٌّ على السلطة، لا يمكن أن تجد لها طريقا للتطبيق أو منفذا للنجاح في العالم العربي في ظل ما أصبح يشكلّ تراكما مرجعيا في الإخفاق المنهجي لآليات البناء الديمقراطي كما تفهمها الدويلات الوطنية و كما تطبقها كلّما اقتضت الضرورة القصوى للمصلحة الوطنية المهددة عموما بما لا يمكن أن يدخل في مكوناتها التأسيسية، و هو حرية الرأي و التداول السلمي المتحضر على السلطة.
و لسنا هنا بصدد جرد الإخفاقات الكبرى أو الخصوصيات الوهمية المُتّخَذة تبريرا واهيا و قناعا شفافا لعديد هذه التجارب التي مرّت بها دول عربية كثيرة. كما أننا لسنا بصدد توصيف حالات الحمل الكاذب التي أدت في كثير من الأحيان بالشعوب المغلوبة على أمرها إلى الخلط الفظيع بينهو بين الحلم الحقيقي، فدفعت بذلك ثمنا باهظا من دماء أبنائها و كذلك من إصرارهم المغلقو تعنتهم الأعمى في كثير من الأحيان من دون الارتكان إلى رجاحة الموقف الذي يسبر أغوار ظاهرة الفشل الذريع للتجربة الديمقراطية، و من دون الجنوح إلى علمية التحليل و عقلانيته في الكشف عن الأسباب الظاهرة و الخفية و عن المعوقات الحقيقية و النظرية التي أدت إلى توقف هذه التجارب عند مرحلة التعددية و الإخفاق الرهيب في تثمين الوصول إلى هذه المرحلة و الاقتدار الواعي من ثمّة، للمرور إلى تحقيق مبدأ التداول على السلطة بطريقة سلمية و حضارية.
و ليس بعيدا عنّا زمناً ما مرّت به دول عربية قريبة أو بعيدة من حالات اعتقد الكثير من الحالمين أنها ستؤدي بمجتمعات هذه الدول إلى تخطي عقبة الفتنة على السلطة و الوصول إلى برّ أمان التداول السلمي عليها. غير أن الواقع المرّ المتخفي خلف ما أصبح يسمّى بـ(الدولة العميقة) أعاد الحالمين بالديمقراطية، أو الحالمين بالوصول إلى السلطة عن طريقها، أو المنتظرين حملَها الموعود بفارغ الصبر، إلى واقع حالة الإجهاض المستديمة التي أصبحت تمارسها الدولة العميقة باعتبارها وريثةً للدولة الوطنية بنيةً و تأسيساً و باعتبارها ممثلة لفشل مشروع مجتمعي كان من المفروض أن يكون هدفه الأصلي هو الارتقاء بالمواطن أفرادا و جماعات إلى مستوى الممارسة الديمقراطية و التداول السلمي على السلطة التي استطاعت أن تحققها شعوبُ فقيرة و متخلفة في دول عديدة من العالم الثالث من دون أن تصل إلى حالة الإجهاض القسري التي أصبحت تميّز التجربة الديمقراطية في العالم العربي.
كما أعاد هذا الواقع المرّ إمكانية الحلم بتجاوز الرؤى المغلقة لمرحلة الإيديولوجيات الحاكمة التي امتدّ تأسيسها للدكتاتوريات الوطنية في فترة ما بعد الاستقلال، إلى واقع ينذر بالعودة إلى تأسيس مسار متعاكِسٍ مع الزمن الديمقراطي، و عدوٍّ لتقّدمه في العصر، وجدارٍ يواجه اندراجه في راهن الحياة، قادر على العودة بالدولة الوطنية إلى نوعٍ جديد من أنواع الاستعمار هو أفظع من النوع الذي مرّت به الشعوب العربية و تحملت عقباته الكأداء طيلة مرحلة الكولونيالية.
كما تبين بما لا يدع مجالا للشك كذلك، أن التجربة الديمقراطية الفتية كما يحلو للبعض تسميتها لتبرير صعوبة الحمل و احتمال الإجهاض، لا يمكن لها، بما تحمله من إمكانية انتقال الإنسان العربي من مرحلة الاستبداد إلى مرحلة التسيّد، أن تنبت في تربة تبدو، بحكم تكرار التجربة، أنها غير مهيأة أصلا لأن تسمح بالنمو الطبيعي لهكذا تجربة في الأرض العربية، و لِأنْ تتحقّق في واقع شعوبها التي لم تعد ترى غير ما يمكن أن تؤدي إليه هذه التجربة من عودة إلى الوراء بما يحمله هذا الوراء من جهل و تقهقر و ظلم و تخلف وتبعية على مستوى ما كان يطمح إلى إنجازه طيلة ما يفوق القرن من الزمن تحت ظل ما يسمى بالدولة الوطنية التي قادته بعد كل هذه المدّة من التجريب إلى واجهة جدار مغلق أصم أبكم، لا يستطيع استنطاق حاضره من خلاله، و لا يستطيع العودة به إلى البؤر المضيئة من ماضيه، و لا يستطيع استشراف مستقبله القريب نظرا لما يشكله هذا الجدار من سدّ أسود منيع لم يعد في إمكان هذه الشعوب أن تستعلي عليه بكل ما أوتي لديها من قوّة و صبر و أنّاة، و بكل ما استخلصته من تجارب سابقة في الثورات و الثورات المضادة، و بكل ما تراكم لديها من وعيّ لم يمكّنها من تخطّي مرحلة بناء دولة وطنية على أسس عقلانية أصيلة، و المرور من ثمة إلى مرحلة بناء دولة المواطن البصير بحقوقه و بواجباته في مجتمع يطمح إلى العدالة و المساواة و الحرية و احترام الرأي.
-4-
لقد أكدت تجربة العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين بما شهدته من أحداث تاريخية غاية في الخطورة و التعقيد أن العالم العربي لم يدخل بعد مرحلة الديمقراطية على الرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمتها الشعوب للوصول إلى فك لغز السلطة بطريقة نهائية تمكن هذه الشعوب من تجاوز مناطق الحرن السياسي التي رهنت مستقبل الأجيال في الأحزمة الناسفة للرؤى السياسية المغلقة و الرؤى السياسية المضادة التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها في الوجهة الأخرى للصراع .
كما أكدت هذه التجربة أن العالم العربي لا يزال أمامه الكثير من الوقت للعيش في مرحلة ما قبل الديمقراطية نظرا لما أبدته نُخبُه المتعلمة و المتنورة و سياسيوه المتصارعون من رباطة جأش في الدفاع عن وجهات النظر المغلقة التي لم تنقل الخطاب الفكري العربي إلى مرتبة أكثر سموا في التعامل مع ما أصبح في الدول المتحضرة مجرد عملية تنظيمية تُمكّن الأطراف الممثِّلة للمجتمعات الغربية التي تحترم التعددية من الانتقال السلمي للسلطة و التداول الدوري عليها بناءا على مصالح سياسية و إيديولوجية تخدم المجتمعات والأفراد، ولكنها لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تضع قيم الحرية و احترام الرأي الآخر محل مزايدة أو مساومة، فما بالك بمجرّد التفكير في الحجر أو التضييق أو النفي أو القتل أو التنكيل بأية دعوى من الدعاوى التي بإمكانها أن تُعمي بصيرة الممارسة السياسية بوصفها خدمة للمجتمع، و تُغيّب هدف الممارسة الديمقراطية بوصفها تداولا سلميا على السلطة.
-5-
لقد شكلت تجربة القرن الجديد فاتحةً متفائلة في بداية الأمر لكل من كان يطمح إلى وجهة تطور صحيحة للمجتمع العربي و انتقال متحضر لمرحلة تطبيق ديمقراطية خالية من العقد التاريخية و الإيديولوجية لا بوصفها تداولا سلميا على السلطة فحسب، و لكن بوصفها حلاّ جذريا لمشكلة السلطة و فكًّا نهائيا لتشفيراتها الدافنشية الموروثة ممّا خبأته في طياتها العقد المتولدة عن متاهات التاريخ، و مطبّات الجغرافيا، و سوابق الهويات و الهويات المضادة. غير أن فاتحة التفاؤل هذه سرعان ما تحولت إلى خيبة كبرى أعادت الممارسة السياسية العربية إلى مرحلة الأحادية بعد أم ظن الكثير من المثقفين العرب و المنظّرين المتمرسين في المنتجعات الإيديولوجية الفخمة أن هذه الممارسة قد تجاوزت مرحلة الخطر بسماح أنظمتها بالتعددية الحزبية المنفتحة على قبول الرأي الآخر و قبول ممارسته لحقه في التعبير عن مواقفه السياسية المختلفة عن الأطر التي تصب فيها الرؤية السياسية للممارسة الأحادية. ذلك أن رفض مبدأ التداول في كل مرّة يتحرك فيها التاريخ بقوته الكاسحة و بعنفوانه المعهود، إنما يدل على قابلية كبيرة للمكوث المستديم في البيت الأحاديّ، و رغبة شديدة في تسييج بناءاته المتهالكة بما تنتجه الذات من خوف رهيب من نفسها ومن المستقبل. وهو أمر لا يؤدي في نهاية الأمر إلا إلى ترسيخ الممارسات الممهدة لكل أنواع الاستعمار الجديد.
——————————————————————————-
* عبد القادر رابحي ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )




