ما تخلّينش وحدي، وإن لم أذهب معك فسأرحل إليك
**************************
1- كوكب الغرب
————-
من أشدّ الأشعار قساوة في الملحون ، ما جاء على لسان “كوكب الغرب” الشيخ “جيلالي التيارتي” ،،الذي أسّسّت أغانيه لإروتيكيا فنّيّة يختمر بها السعيّ إلى الحصول على “الشّهوة” مع حالات رهيبة من الحزن والأسى ،والإحساس بالذّنب …
أذكر له بيتا ،وهو يصف بيت امرأة عاهرة يتردّد عليها أسفل الجبل ، بكلّ حنين إليه ، و رجاء من الله عزّ وجلّ أن يسوق إليه زلزالا ليهدّمه ،وتنتهي بهذا ذنوبه :
حوِِْش لحْدُور بكَرمة ودالية مِْعلّمَهِْ
حوش لحدور يجيبِْلَهْ ربّي زلزلة تهدّمهِْ
هذا الصراع بين حبّ شهوة ، وحبّ زوالها في آن واحد ،،وبنفس اللغة القويّة الموخزة في القلب ، يعتمد على تناقضيّته ، بين معنى صاعد ،وآخر غائر في رثائيّة لوالدته أذكر من كلماتها :
يا حفّار قبَرِ امّا
علّيه من بعيد يبانِ
فرغم أنّ الحفر هو عمل تنازلي ،،فقد تصاعد من الشاعر الحزن إلى درجة أن طلب من الحفّار أن يعلي بنيان القبر ، كيما تحجز عيناه مرآه أنّى ذهب
والّي ماتت أمّهِْ
يقلع من livret” اسمَهْ
رغم أنّ الأولاد يمثّلون حياة تتصل بالآباء بعد رحيلهم ، وتكون شاهدا على آثارهم وذكراهم ،،إلا أن الشيخ جيلالي ، يصرّ على أنّ المفقود لا يمكن تعويضه ،،إلى درجة أن يصبح الفاقد هو المفقود ذاته
الشيخ جيلالي ،،رافقني على مدار أشهر طويلة ،،بطريقة غنائه الجنائزيّة ، وأنا في حياة عسكرية ،،حالت بيني وبين معزوفات “فيفالدي” ، و”باخ” و”السنباطي” ،،لأنّ تلكم الفترة كانت تتطلّب أغاني من الحزن الذي لا يمكن أن ينتهي بالإشارة إلى فرح “حزن بلا النّيغاس” ،،وكلمات يائسة لا تتجرّأ على اقتراف الأمل ،،ولو طلع علينا الأمل ونحن في بعض تلك الحالات الشعورية من الأسى لأطلقنا عليه الرّصاص ،،
*
أسرّ لي أحد الأصدقاء :بأنّ الموت برصاصة خير من التحقيقات التي لا تنتهي في حالة البقاء أحياء ” لماذا بقيتَ حيّا دون رفاقك الذين هلكوا” ،،الحياة أكبر دليل على الخيانة يا رفيقي، فاجتنبها حين تكون كذلك”
،،تجاهلتُ كلمته ، حتى سمعتُ ذات ليلة رمضانية ، وعلى الساعة الواحدة والنصف ليلا ،،صوت رصاص متتال من نوع “الخطاطة” التي تلقي بضوئها في الفضاء ،وكنتُ مسؤولا على منطقتي ،،فانبعثتُ بكلّ قواي وانتحاريّتي إلى مكان الدويّ ،حتّى لا أتّهمَ بأحبّ شيء إلى قلبي وهو “الحياة”
*
لكننا بقينا أحياء ،،لأنّ مصدر الدويّ هو جندي الحراسة نفسه الذي أصاب جسدهُ بعد أن موّهَنا بإطلاق عدّة رصاصات في اتجاهات معاكسة ،،رغبة منه في الانتحار ،،،لكنّه لم يمت ،،و بقينا أحياء دون الشعور بذنب الحياة ،،وتلقّيتُ التحقيقات بصدر رحب ، رغم أنّ عقيد مكتب الأمن اتّهمني ب”إهانة الجنديّ قبل التحاقه بمركز الحراسة،،،،،”عادل يهين” ،،،قال أحد الرقباء ،واستطرد : “بسببه أصبح الرّصاص كالمفرقعات ، فالجنديّ لم يختر وقتا لمحاولة انتحاره ،إلا في توقيت عمل هذا الضابط ،لأنّه في حالة بقائه حيّا سيعمل على الدّفاع عنه في المحكمة العسكرية ،،،،وهكذا حصل ، فلقد ركّزتُ على ذكر ظروفه ومشاكله العائلية وهو يعيش بين والدين منفصلين ،،،فتمّ تسريحه من الجيش بإحسان
*
2-قصّة عنكٍ وأخرى لك
——————
بعد كلّ تلك الزوبعة من التحقيقات ،،تذكّرتُ “فتيحة” تلك السمراء “البودواويّة” التي كانت مدينتها تضيء على غرفتي كلّ ليلة ،،تلك التي اذا مشت معي في الطريق ،تجذبني إليها بقوّة حين تمرّ سيارة قربنا :
-يا بنتي ما تخافيش ، مانموتش
- عادل أنا نبغيك ،،ما تخلّينيش ، والله نحفّف لك لحيتك ، و”نتْراسيلك “الموستاش، ونعيش خدّامة تحت رجليك
*
لا أدري لم أنا على أهبة البكاء الآن بعد سنوات ، يا فتيحة ،،ولم أنت الآن تلفّينني بذراعيك وأنا جالس على مقعد الكمبيوتر بغرفتي ، لأخطّ هذه الأسطر ،كما كنت تفعلين معي ، ونحن جالسين على إحدى صخور شاطىء “عين طاية”،،يا الله ، تعبر أشياء عنك الآن يا حبيبة ذلك الفتى
-عادل انتظرني قرب مدرسة زهانة
كنتُ قبل أن التقيها أتحوّل إلى عالم في الطوبوغرافيا ،أدرس الأرض جيّدا ،أعبر جسر “رويبة” ، وأنزل إلى محطة القطار ، بكلّ حذر وإمعان ،،متذكّرا وصايا أساتذتي في الجيش :”المرأة هي أنجع وسيلة للإيقاع بأفراد الجيش في الناحية العسكرية الأولى”
حين أطمئنّ أن لا أحد يمكن له مراقبتي ،،يركن قلبي إلى أقرب جدار مقابل للمدرسة حيث كانت تعمل،،إنها 12:00 ،،وفجأة يصيبني الذعر من تعالي أهازيج الأطفال في ساحة العلم المدرسية ، بالنشيد ،،أووف إنّه النشيد ثانية ، النشيد ،،لكنّه بأصوات رقيقة أكثر إثارة للهواجس من أصوات الجنود ،،
تلوح لي بقوامها الرشيق ،بضحكتها الفَراشيّة ،،كان كل شيء ناعم فيها عدا يديها ،،
-واش ديري بيدّيك يا فتيحة ، تزبري في النَّخَلِْ”
- هاهاها ،،تعلّمتُ صناعة الجرار من جدّتي ،،دوك نصنع لك كاس يبقا “سوفينير”
واستدركت :
والا ما يبقاش ، تعرف ما راح نهديلك والو ، باه ما تكون حتّى ذكرى بيناتنا، تبقى ديما معايا ،،دوك نطيح عليك غير بالمسمّن ، والقنيدلات ،والتشاراك العريان”
- التشاراك العريان ،،أجل صديقتي ،،رغم أنني لم أر في حياتي عاريا غيري..
-هههه،،،موسوس،،،شاوي ، يقولو في تبسّة تغبنوا المرأة ، ما تخلوهاش ، تتنفّس
-صحيح؟؟؟؟ ههه
أذكر كلّ مآسي قبيلتي في حبّ المرأة حتى قتلها ،،لكنّني أقول في نفسي : صحيح يا فتيحة ،،صحيح ،،أحد أجدادي كان يربط زوجته بحبل مفتول وهو يتجوّل معها في السّوق، حين غشي بصره قليلا ،،يحمل طرف الأنشوطة بيد ، وبالأخرى يحمل سلاحه الألماني “مات 44 ” ،،ذات يوم ، وهي تتباعد بالحبل عنه بين الجموع ، حتى أزالته ، مسرعة إلى بائع مجوهرات من نوع “حجر السّخاب” ، وكان يعلّق المجوهرات بصدره ،،
-هاك ، ازرب ،عندي خمسة لاف ،،أعطيني هاذ اسخاب ، راجلي يجي
حين استدارت ، انتصب أمام عينيها سي العربي
-راو سخاب برك شتيت نشريه
-حاكمة في صدرو ،وآنا نوقّب عليك،،،
كانت الرصاصة المنبعثة من المات 44 ” قد سكنت في إحدى قدميها،فور نطقه لآخر كلمة ، سقطت أرضا ،فاقترب منها أكثر من رجل ،وحملها أحدهم بين يديه مسرعا ،،وانتهز سارق الفرصة لتجريدها من عقد “السّخاب الذي اشترته” ،،كلّ هذا حصل أمام عيني سي العربي، الذي لم يجرأ أحد على الإقتراب منه ، وهو رافع سلاحه ،،انفضّ السوق بأكمله ،،و عادت “لويزة “إلى بيت أخيها بعد أن أخرج الطبيب الفرنسي “بزناي” الرصاصة من قدمها ،،تذكر لي جدّتي أنّها كانت تقول :
“يا حليلي يرجع برك وندير مقرونو بين بزازلي”
سي لعربي ترك زوجته ، وابنته الوحيدة ،،وهام على وجهه ،في الجبال ، يصطاد الحجل ، والأرنب البريّ إذا أحسّ بالجوع،،وينام بالكهوف إذا تعب ،،، ذكر عمي “رشيد السّارح” أنّه التقاه في إحدى الشّعاب ،،كان جالسا ويدخّن لفافة تبغ أمريكية
-وينك آبيّ العربي، ناسك يهوّموا عليك؟
-ما تقولش ليهم بلّي شفتيني ، والاّ نلحقّك بالماريكاني
غير بعيد كانت جثّة أمريكي منطرحة قرب الشّعبة ، كان لعربي قد قتله ،بعد أن تخلّف عن رهط عسكريّ أمريكي متحالف مع الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية
-آبيّ قتلتيه ،،؟
-تفكّرتِْ “لويزة” وحبّيت نتكيّف قارو ، و الماريكان كي لهموم بدخاخينهم يدّاورو أ رْشيد ، تطلبهم في قارو ما يردّوش عليك ،،يهدرو هدرا خلاف،ما هُمش كي لفرنسيس
-آبيّ ارجع يقتلوك
تنهّد وقال :
-راني نستنّى فيهم ، حتّى نايَ يجو ، تو يسمحوا في الماريكاني بن عمّهم؟؟
-آبيّ لعربي ، ارجع معايا يقتلوك،،آبيّ ، لويزة تقتل روحها ،،،.
اختار سي لعربي الانتحار بقتله الأمريكي ، وانتظار قدوم رفاقه للبحث عنه حيث سيوجد القاتل مع المقتول ،أحدها ينتظر دفنه ، والآخر ينتظر القصاص منه ،،وما يذكره رشيد السّارح أنّ سي لعربي ردّد الأبيات الآتية :
قُولْ لٍلْويزة راني حْلَفتِْ بربّ النّجوم
نرجعْ مخرّب برصاصْ ناسْ ما تصومْ
واذا صَابْ مَقروني منها لَقْدوم
تستاهل ،تشوف القلب منّي ،مجروح يْنُزّ بالدّموم
وتشوف في الجاش مضربها ، والهموم
وين كانت مخبّية في صْدر مَهموم
وتشوف صورتها تحت الضّلوعْ ما تقومْ
ما كان لي يحرّكها غير تراب مَردُوم…
**
لم أحك ل”فتيحة” كيف عاد جسد “لعربي” إلى لويزة ،،التي أقسمت بربّ السماء
أن تنتقم من الأمريكيين ،وتذكر خالة أمّي لعزوز “الواهمة” أنها أنشدت ذات ليلة :
يا كيّتي وكيّة كيّاتي على لَدْهَم ولد لعْموم
يا ريت ما فكّني من حبالوا ، واللّيلة في قبرو انّوم
لم تكن المسكينة تمتلك غير حمار لجمع الحطب ،،وقد رصد لها راع صغير بالقرية مكان تخييم الرهط الأمريكي ، حين بلغت مشارف المخيّم ليلا ،بللت جسد الحمار المسكين بمادّة “الغاز” ،وأوقدت فيه النار ، فانحدر بجنون صوب الخيام الأمريكية الأربعة ،وكان يصيب بعدوى النار كل شيء يقتربُ منه ، اقتحم الخيام وأحرقها ،ويقال أنه أحرق جنديّيّن قبل أن ينتبه رفاقهما ،،لكنّ لويزة لم تهرب
نزلت المنحدر ،وهي تصرخ : هاذا سِْهَمْ لعربي يا كلاب ،،،ولم ينتهي صراخها إلا حين أصابها جندي برصاصة وأرداها قتيلة …….
**
فتيحة صاحبة العينين الواسعتين،،
صاحبة القلب القنديليّ …
صاحبة القمر المدَنيّ المنسكب كريف
فوق مفاتنها السمراء…
صاحبة الوجع المسماريّ يدقّ على
خشب الأسماء
صاحبتي…أنا
لكنّ البزّة كانت جلدي،،
ألبسها كما هي تلبس نهديها
كلّ صباح ،،،كلّ نساء…
وكانت تترك لي ضلعا ،،به أوقد
نار الليل الأطول منّي…
والأقصر من قلب يحبو بين منارات الجند
ك ك ل ب ،،لا يعرف غير خطوط الظلّ من الضّوء
ولا من ظلّ الإنسان الممتد على العشب سوى
جلد حذاء
**
هكذا يا فتيحة ،،سأخبرك الآن ،والآن فقط أنِْ لا أحد يحبّ أن يعيش ،حين تصبح الحياة تهمة،،،وعلى هذا المنوال المأساويّ ،اختار “سي لعربي” أن يموت ،،واختارت “لويزة” أن تلحق به،،واخترتُ أنا أن ألحقَ بالجنديّ “عبد الكريم” لكنّ هذا الأخير ، قد عاكس القاعدة ،حين جعل الموت لأجله “ذنبا” ،، واختار أن يقذف بالرصاصة القاتلة ، في تجويفة بين كتفه الأيسر و أعلىصدره ،،ربما كان يريد أن يكون بين الحياة والموت ،،ليشتعل عليه صراع قوّتين ،ويكون هو مستسلما لكليهما في آن واحد ، فلا ذنب يقترفه إزاء الحياة إذا مات ، ولا ذنب يقترفه إزاء الموت إذا بقي حيّا،،فترك القرار للإله وحده ،،،
*
الموجة التي تُغرق القارب حين يهتاج البحر ، هي ذاتها التّي تُعليه وتبعده عن الأغوار ،،،وما على البحّار في هذه الحالة إّلا أن يستسلم لهذا
العمل الخارج عنه ،،فكلّ قدر قبل أن ينفذ إلى الإنسان يكون قد قرأ كل صفحات قلبه ،،فلن يُخطئه أبدا ،وإن هو ذاته أخطأ الوصول إلى ما يريد
ما أريدُ أن أبوح به الآن لك؟
———————
كيف رحلتُ عن فتيحة ،ذات ال24 ربيعا ،،وهي الفتاة ذات الريف /المدينة ،،عاشقة الشاويّ التي كانت تفرشُ له البحرَ كلّ مساء ،وتلقي برأسه في حجرها كأنّها تدير رحى الفخّار لتصنع جرّة ،،وعلى طينها تدسّ أصابعها الناريّة ،،تشكّلها/ تشكّله كما تريد ، وتفتح له أزرار قميصها بالقدر الذي يكفي ليتنشّق عطرها المختمر بين أريج الرّمان وعرَقها المنقوع في كلّ أحراش “بودواو” ورطوبة البحر ،،وكان لا يدخّن في حضرة تلك الأطياف المنبلجة من داخلها ،،
-لو لم أمسك برأسك بين ذراعيّ، كنتَ ستفعل به أشياء كثيرة
-هههه،،ابتعدي عنّي ليوم واحد ،سيجعلك الرأس قصيدة
-لا ،،لا أحبّ الشعر ،،إنّه يعني أنّ اثنين سيفترقا ،،الشعر لا يولد إلا بعد أن يكون أحدهما قد رحل ،،” الشّعر داير كيما الكبّول يا لطيف”
-هههه،،،
أخذتُ في الضحك ،إلى أن أحسستُ بماء ساخن يسيل على جبهتي،،كانت فتيحة قد أخذت في البكاء ،فلم يملك رأسي إلا أن ارتفع عنها شيئا فشيئا،،
-وعلاش تبكي عزيزتي،،أنا معك
-أنت معي لأنّك الآن هنا
نعم فتيحة ،،سأجيبك الآن ،والآن فقط أنّني الآن معك ،،لأننّي لم أعد معك هناك ،،لم أكن معك هناك ، كنتُ أستند إليك ،أحتمي بروحك التي يتضخّم حجمها حين تلتقيني،،كبالونات الأطفال ،،كالخبز الدّمشقيّ الذي ينتفخ حين ولوجه نار الفرن ،،ولأنّك كنت أكبر من وحدتي التي لم تكن تحتاج إلى غير امرأة ، فملأتٍها بثياب العرس،،بالخزائن ،،بمهاد الأطفال ،،بالغرف ،والأروقة ،والشرفات ،،أصبحتْ وحدتي قصرا ،،بل مدينة لي وحدي/ولم أكن أبدا وحدي
-هاك البقلاوة ، هاك ربعين حبّة ، احذر أن تذهب بها إلى مقهى الجرف بباب الزوّار كعادتك وتدعو ا أصدقاءك على تناول الحليب ببقلاوتي
-هههه،،هل حلواك عزيزة عليك إلى هذه الدرجة،،
-هيه ،،
لا تواصلي فتيحة ، فيها من رائحة صدرك وأنت تنحنين عليها لتحضيرها ،،فيها من دفئك العميق وأن تفرجين ساقيك لتضعي “الطبق” بينهما ويداك توسّقانَ حشوتها اللوزيّة العميقة ،،فيها من رضابك وأنت تتفرسين بلسانك في طعم العجينة ،،فيها من يديك وأنت تدعكينها بكلّ اشتعال ،،فيها أنت ،،وأنا في كلّ حبّة أتخيّل كم قطعة
من ثيابك الداخليّة ، من جلدك بها ،، كم مرّة تلاصق نهداك بها ،،وكم من خدوش على جلدي كانت بخيالك وأنت تفركينها ، تحرّكينها ،،،وكم كنت تستحضرين كلّ ذلك البرد الذي يلفّني، وتدلفينه إلى الفرن ،،إليك ،،إلى قلبك الذي صار جسدك ،،وجسدك الذّي كلّه قلبك
سأخبرك الآن ،والآن فقط ،،أنني تركتك هناك ،دون قصيدة -حسب طلبك-لكي لا يكون للوداع ثوب يحتفظ به في خزانة الحياة ،،،ولا بيت شعر يأوي إليه ،،، لكي يكون “عاريا” ولا شيء على جسده غير ما يقع عليه من ظلال الشجر ،،وكلّما غير مكانه وقعت عليه ظلال جديدة ، مختلفة التشابك والمصادر ،،لكنّ ما أبعدني عنك كان ذلك التفكير الطويل في أن لا أطلبك للزواج وأنا لا أملك شيئا ،،،وفي أن أطلب منك الزواج بعد سنوات طويلة تجعل داخلك يمتلىء عن آخره بماء البحر،،وأوراق
النبضات اليابسة ،،ولا يكون بداخلك الطفل الذي أردته أن يعبث بكراريس الكتابة ، ويتبوّل على قصائدي ،،
هكذا وعلى طريقة الجنديّ “عبد الكريم” صوّبتُ الرصاصة بين تجويفة الكتف اليسرى للغيب وأعلى صدره ، منتظرا ما سيسوقه القدر فهل ستنتهي قصّتي أم ستظلّ
**
إرهاب الحياة والتّفكير
——————–
كان اللقب نفسه ،،و جهة الإقامة نفسها ،،إرهابيّ بنفس لقبك وجهتك يا فتيحة تنتصب صورته أمامي ،،وتتوزّع على كلّ الثكنات ،،لم أكن بحاجة إلى أن أسألك ،ولم يكن مقنعا أن أتركك لهذا السبب الراسب في عمق الحياة ،،لكنّه مقنع جدا وبالدرجة ذاتها في عرف الحياة نفسها ،،
سأخبرك الآن والآن فقط :أنّ الحياة حين تصبح تهمة لابدّ أن لا نعيشها
وأنت الحياة التي قد أتَّهم بها ،، ،،هل تدركين أنّ الموت مخبأ رائع ،،سكينة كبرى ،،وكلّ من اختار هذا الطريق كان له بعض العزاء في الراحة ،لكنني ابتعد عنك قبل أن أبدأ التّخمين في معركة وجودي داخل الجيش،،وبعيدا عن الموت الذي لا وظائف فيه ،،ولا حدود
*
أنا لا أعرفكٍ
لستٍِِِ عاهرة بحريّة
لكنّكٍ البحر في الليل
حيث سأغرق،،،
وسأوجد منتفخ الجسد
و مُشرَع العورة..
*
لذا لستُ أعرفكٍ
تسكنين أرضا ،عليها
تدور رحى الحرب
فلن يخطىء الجند
ولا أعداؤهم ،،في عاشق مثلي
يفتح أزرار قميصه
لهواء الحرب والحبّ والبحر
*
لا يمكن أن يخيفني أباك
لو شكوت إليه
لو رفع في وجهي بندقية الصيد
لرفعتُ في وجهه قلبي الذي صار
كالدارئة
لازلتٍ عذراء ،،،عذراء بي
لأنني أحببتك …فلا تبتئسي
*
لا
*
بل لأنني لم أخن جسد
امرأة في غياب الوعي عن
جسد الحياة
*
مقهى الهلال بتبسّة ،وآخر الآثار
———————–
أوووف ،،جاء صديقي الرائد المتقاعد ،،”جليل” ،بكل أحاديثه التي لا تنتهي ،بادرته بالقول :
-أنت تذكّرني ب”فتيحة” ،،لا أدري لم كنتُ ألتقيها أحيانا في “رويبة” قرب حديقة “صندوق التقاعد”
فأغرق في ضحك هستيري
-لأنّك كنتَ تفكّر في تقاعد مسبق من حبّها
-لم أفكّر بغير سعادتها وهي الآن تعج بالأطفال وروائح زوجها
-هههه ، لو كان جيت كيما أنت ،كنتُ جعلتها عشيقة أبدية لي ، ما شأنك والإرهابي قريبها أوأخوها ،،،هو يقتل ،،وانتا تبات تقتل هههههههههه،
- كنتُ أفكّر فيها بجدّيّة ..
-ألم أحّدثكَ عن عشيقتي الأخيرة قبل أن أحال على التقاعد ،،كانت عيناها بلون العلم الوطني : خضراء على بياض على عروق رقيقة حمراء تتخلها ،،
تذكّرتُ أنّه حدّثني سابقا عن عيني ابنته وكانتا بنفس المواصفات ،فقلت له دون تردّد :
-ألم تكن ابنتك بنفس العينين
فقال لي دون تردّد
-روح………………….
هاهاها أخذتُ في الضحك ،،بينما كان يقاطع قهقهاتي ،،للحديث عن مهارته في صيد الخنازير البريّة،……
**
01 سبتمبر 2013
————-
أتمنّى أن تكوني بخير “فتيحة” ،،لن أقول حبيبتي ،ولا صديقتي،،ولا أيّ شيء آخر ،،سألفظ اسمك ، كما يلفظ البحر أمواجه ،،وتبقى فيه ومنه مهما ابتعدت ،،،أظنّك خارج الفايسبوك ،،وإلاّ كنتٍ اقتنيتٍ صورة وردة الكترونية و طلبتٍِ صداقتي ،،لتنبتي من جديد ، لكن في حديقة ما بعد الحقيقة ،وكم آسف أنّك عشت معي “ما قبل الحقيقة” ،،سأخبرك أنّني آسف ،آسف ،،لأنني اخترتُ الموتَ لقصّتنا حتّى لا تُتّهم بالحياة ،،وهاهي الآن تعيش في مكان عميق ،،ربّما يسميه البعض خيالا ،،لكنّني أسمّيه “ملح الواقع” الذي يخرج من عرقه ومن دموعه ،،و يتبلل بالمطر،،هكذا عاقبتٍني اليوم كما كنتٍ تعاقبينني دائما بذكراك الوحشيّة ،في أماسي المطر،وفي بداية أيلول على شاطىء البحر ،،أعرف أنّ روحا طيبة بجسد غزاليّ ،لا تملك إلاّ أن تعاقبني من بعيد ..
بكلّ هذه السمّاء الماطرة ،،وبكل هذه الخواطر التي تلج فيّ وتخرج منّي ،،لأنّنّي كنتُ حبيبا لم يتمالك ،،وقد عرف الشيطان منذ الخليقة ،،أنّ أيّ حبّ بشريّ فهو في خَلق لا يتمالك ،،بسبب تأويلات الحياة للحياة نفسها ،،بسبب الخوف ،،بسبب الإيمان المركّب بين حلم و راهن لا يحلم بشيء ،،لكنّك كنت لي رفيقة ،،قد يحصل اليوم الذّي تدفنيني فيه لوحدك ملىء جسدينا ، في مكان ما بالخيال ،،أو يكون قد حصل هذا الأمر ،،وأنا وأنتٍ هنا في راحتين متباعدتين ،،لكنّها من نفس السبب…
*
لا أريد أن أنهي الكتابة فيك ،،لكنّ الاتهام بالحياة ،مازال ساري المفعول ،في كلّ شيء ،،كوني بخير ،دائما ،كوني بخير …
——————————————————-
* عادل بلغيث ( كاتب من الجزائر )




