ظلّنا الآتي.. ذاكرة وثنية.. د. إسماعيل مهنانة*
بواسطة مسارب بتاريخ 3 سبتمبر, 2013 في 02:17 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3615.

 

نصّ

لستُ مبتهجا، لكننا مستقبليّون كحقول التُّوليب. خُطانا تسابقُ الأسف. والوعيُ، مطرُ صيفيّ لا أعوّل عليه إلا في كنس العهن القديم. (الوعي سردية بورجوازية سمِجة.) سيسعفنا الحدس البدائي بقدر ما يخوننا التفسير، فالأمعاء اصدق أنباءً من الكُتبِ. البربريّ يقوده الجوع العريق إلى أقصر السبل، والرغيف المغمّس في الزيت أقرب من المعرفة. لا أفعى في الأفق، فالرّغيف يجُبُّ الهُوية.  

لكلّ الأجناس أنبيّاءٌ وقدّيسين وسَحرَة إلا نحن، فلنا انتظار الغيث. لم يكن عطشنا ذنبٌ لكي يكون المطرُ خلاصا. هكذا كنّا ننهي صفقاتنا مع الآلهة بأقل الخسائر. مستقبليّون نحن كالزيتون. لم ننجح يوما في كسب ثقة البنوك الرّوحية، فلا قروض للرّوح ولا ديون للجسد. (لم يفلح اليهود في العيش بين ظهرانينا ساعة واحدة.) ثمّ ليس لنا ما ندّخره إلا أنين السُخرة عند المساء. كان الأجدادُ يعلّقون أرواحهم مع ألجمة الخيول عند مدخل الزريبة. يلبسونها صباحا ويخلعونها مساءً، ثم يدلفون الباب، وينزلون درجي العتبة إلى البهو. في كل زاوية معتمة من بيتنا القديم ثمّة ملاذُ إلهي.

“الهُو”..هو غائبُ كالطّين. الغائبُ الأكبر للكلام. لم يخترع ليلُ الصحراء آلة للزمن أدهى وأمكرَ من هذا الغيّاب القمريّ. شمسيّون نحن فلا نقوى على انتظار الغائب. الانتظار حرفة النساءُ والصّحاري، نساء “أورشليم” “وصيدا” وصحراء العرب، وظلّ اليهودي ذكورة متكالبة على شبق الطبيعة. أما نحن فالطّين حرفتنا: البيوت والسقوف والأواني والأغاني والأعداء، كلّها صناعتنا الطينية.      

وأنت يا صاحبي، يا هذا الظلّ اليُمانيّ النحيل. دونك الهندُ والسندُ، ومن بعدك احترقت كل الأندلس. لستُ أنت ولستَ أقدم منّي، لكنّ قُلفتانا معلّقتان على نفس الغصن الكنعاني، فماذا تبقّى لك من غيمات لم تعصرها على أرضنا؟ كل حكاياتك استنفِدَت في تعاريج الدروب المؤدية إلى رؤوس القرى. كل حكاياتك يدحضها جوعي قال الأخرق، ثم أردفَ: ما لي وخصومة بين الأعمام حول بئرِ في الصحراء؟ بعدك، صِرت أخاف على اللـه من “حبسةٍ” في الحلَق، من نوبة صمت تصيب الكون. ظلّك اقتلع كل أشجار الميموزا، وظلُّ ظلّك يأتي اليوم على الزيتون.

كنهرٍ، يشق الزّمنُ الأرض ضفّتين: ضفّةُ للبقاء وضفّة لسَرج الخيول. كانت أراضينا الهابطة مرتعا للرّحيل. دوما كنّا نرقب خيول القوافل تمرّ فوق لساننا، وصار الغريب ينطق فينا بسلاسة الخُطب. كلّ الغرباء مرّوا من هنا، وعند كلّ ضيافة كنّا نسرُق من زاد لَكنَتهم. كان ذلك عادة من العادات المنسية للحناجر. الحنجرةُ لوحُ الأمازيغي وكتابه المحفوظ، والنساءُ حناجرُ عمياء تشدو لعودة أطفالِ ماتوا قبل سنّ الختان

 

*د. إسماعيل مهنانة ( باحث ومفكر جزائري)

 

 

.

 

اترك تعليقا