-1-
كيف يمكن للدولة أن تكون مجرد نسق من الأنساق المؤسِّسة للقبيلة؟ و ما معنى أن يتحوّل السعي إلى التحرر من ربقة الاستعمار من أجل الوصول إلى بناء الدولة الوطنية بوصفها الضامن الحقيقي لانبثاق رؤية حضارية متحررة من عوائقها الذاتية و علائقها الخارجية، إلى حدّوتة سردية يتلهى بها الخطاب الفكري العربي من دون أن يستطيع أن يرصد حجم الفراغات الرهيبة التي أنتجها قرن كامل من التفاعلات من أجل تحديد مفهوم حقيقيّ للدولة؟ و لماذا لم تفض كل هذه التفاعلات إلا إلى ترسيخ مفهوم للدولة هو أصغر نظريا و واقعيا من المفهوم الذي حمله الإنسان العربي و لا زال يحمله عن القبيلة منذ العصر الجاهليّ؟
-2-
شكلت بداية الوعي بالفعل الكولونيالي في الفكر العربي الحديث و المعاصر أحد أهم الأسس الجوهرية لتشكيل خطاب ضد- كولونيالي ينطلق من جوهر المساءلة التاريخية التي حملها المشروع الثقافي و الحضاري لعصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين.
و لم تكن صيرورة هذا الخطاب الضد-كولونيالي، و على الرغم مما تبعها من حماس ظاهر بعدالة الطرح، غيرَ محاولةٍ كأداء لإعادة صياغة مساءلات مشروع عصر النهضة في شكل أطروحات سرعان ما ارتبطت بالواقع المرير، واقع الإنسان العربي و هو يعيش، بكل ما تشكّل في وعيه من فارق بين الحرية/ الحلم و الحرية /الهدف، الشرطَ الكولونيالي في ظل ما كان الاستعمار الجديد يخطط له من تقسيمات عملية على خريطة ‘الشرق الأوسط و شمال إفريقيا’ حسب التسمية الخاضعة لاستراتيجيات الفعل الكولونيالي المخطط له مسبقا في غفلة من سكّانه الأصليين الموصوفين بالأهالي.
و إذا كان الفعل الكولونيالي من وجهة النظر الغربية عبارة عن حتمية تاريخية أملتها مبررات سياسية و استراتيجية استندت في عقلانية تحقيقها إلى الفاعلية الحضارية التي أنتجتها إعادة تفعيل المنابع الفلسفية الجافة منذ العهد الروماني في واقع عصر النهضة الغربي، و هي منابع تحمل ضرورات التفوق العرقي و الحضاري من أجل تحقيق الريادة في العالم، فإن هذا الفعل لم يكن من وجهة نظر الكتابات الفكرية العربية الواصفة غير زلّة تاريخية هي أقرب إلى القدر المحتوم منها إلى انمحاء نهائيّ من حركية التاريخ حسب التوصيفات المشوبة بكثير من التعميم المعرفي التي طبعت أهم الأفكار الأساسية التي شكلت خطاب ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة العربي الحريص على تثبيت الجوانب السلبية للعرفانية الإشراقية المظلومة في محاكمتها فيما بعد من طرف التوجهات العلمانية لهذا الخطاب من خلال اتهامها بالسلبية والعجز.
و يبدو الآن، و بعد مرور أكثر من قرن على بداية تبلور الإشكاليات الأساسية للخطاب الفكري العربي الحديث، أن جلّ هذه الإشكاليات لم يكن خاضعا لمعاينة تأصيلية حقيقية تمكنها من التحول، بفعل الوعي العقلاني بخطورة الطرح الكولونيالي المسيطر، إلى واقع ملموس في جلّه أو في كلّه، و يوفر المناعة الضرورية الكفيلة بضمان حد أدنى من الانغراس في جذور التربة الحضارية للأمة.
و لم يكن من الممكن بالنسبة لهذا الخطاب المستيقظ لتوّه من سبات النصف الأول من القرن التاسع عشر، أن يستحضر الدرس العقلاني العربي المستمد من تجربة القرن الثاني الهجري و التجربة الأندلسية من جهة، و لا أن يرى بوضوح جليّ معالم الدرس العقلاني الغربي و هو يطرح البدائل الوجودية لما يمكن أن يحمي ‘يقظته التوسعية’ المحقَّقة في القرن التاسع عشر من أيّ ارتداد نكوصي يعيده إلى ما عاشه خلال فترة انحطاطه الممتدة على مدى سبعة قرون، و هي نفسها فترة النهضة العربية الأولى، من جهة أخرى.
ذلك أن الخطاب الفكري العربي و هو يستعيد إشكاليات عصر النهضة في بنيتيه السطحية و الباطنة، لم يكن ليرى أمام عينيه غير حقيقة الوجود الكولونيالي و حقيقة العدم العربي ممثلين في قوّة وقع الحادثة الاستعمارية و سرعة تجليها على أرض الواقع العربي، و سرعة صياغتها للحلول التي أنتجتها إشكاليات الواقع الكولونيالي كالآنية و التحديث و المواطنة من خلال إصراره على بناء أنموذج مجتمعي هو عصارة ما وصل إليه الطرح العقلاني الغربي من واقعية في التعامل مع الفضاءات السلبية التي توفرها الجغرافيا المسالمة المتروكة في حالة من الشغور التاريخي و الحضاري، و التي كانت تبدو لقمة سهلة المنال من طرف آلة التوسّع الغربية الباحثة عن ‘الكلأ و الظعن’ المعاصرين ممثلّين في ما كانت تحتاجه الثورة الصناعية من خامات تختزنها الأرض البكر، أرض العرب و المسلمين خاصة.
و لعل الوعي بما كانت تطرحه الكولونيالية من بدائل جوهرية بالنظر إلى الواقع الذي كان يعيشه الإنسان العربي هو الذي أشّر في صلب الخطاب الفكري الذي أنتجه إلى ما يمكن أن يكون مضادات حيوية تشكل ضرورات السجال الذي سيطغى مستقبلا على بنية هذا الخطاب.
-3-
أخذ الخطاب الفكري العربي على عاتقه مسؤولية طرح جلّ الإشكاليات التي أنتجها الواقع الكولونيالي في فترة كانت قد أرست فيها مدرسته أساسات قواعدها الفكرية و المعرفية و الثقافية في الواقع العربي المبهوت بقوة الوقع الذي أحدثته البدائل الواقعية للتغيير الاجتماعي و السياسي بوجهة جديدة لم يكن الإنسان العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و النصف الأول من القرن العشرين يتصور إمكانية حدوثها و تأثيرها في منظومات تفكيره المتعودة حتى هذا التاريخ على طرح جدلية الأنا و الآخر وفق منطق غلبة الأنا الحضارية و انتصارها التاريخي على الآخر المهزوم في معارك الماضي. و لم يكن هذا الخطاب ليتشكل في وعي كُتّابه و حاملي همّه بغير ما أحدثه الدرس الاستشراقي من فتوحات جوهرية ممهِّدة لتأصيل الحضور في الذات الشرقية من خلال اختراقه لجُدُرِها المرابطة و انتهاكه لبكارتها المحروسة. كما لم يكن الاختراق النافذ في مجموع المنظومات المغلقة غير جرح نازف في لحمة هذا الخطاب يتغذى منه المثقفون و هم يشاهدون أساسات التفكير العقلاني الغائبة عن آنية التناول المعرفي التي يعايشونها، و يغذون مما ينتجه من تأوهات معرفية جلَّ الثنائيات التي ستكون لمدة طويلة منطلقا للمساءلة الفلسفية و مساقا للبحث عن إجاباتها الضائعة في تراكم التناقضات التي أنتجتها.
و إذا كانت بلورةُ هذه الثنائيات في صلب المساءلة الفلسفية من طرف مفكري بداية القرن العشرين خاصة، تعتبرُ انتصارا معرفيا لم يكن هذا الخطاب ليصلها بسهولة لولا الجرأة التي تحلى بها كتّابه و حاملو همّه، و هي جرأة تعد في نظرهم فتحا جديدا في بنية هذا الخطاب، فإن حقيقة الإشكاليات التي حملتها و لازالت تحملها هذه الثنائيات لم تكن لتخرج عن واقع ما أحدثه الفعل الكولونيالي من مستجدات متعلقة بصدمة التعرية الاستشراقية لبنية الخطاب الفكري العربي، و التي أدت إلى إيقاظ الهمم النائمة لدى هؤلاء المفكرين و تنبيه الكثيرين منهم إلى خطورة ما تطرحه هذه الثنائيات من مواجهة معرفية لا تتوقف عند ظاهر الطرح في آنيته المستعجلة، و لكنها تنفذ إلى عمق التصور الذي يحمله الإنسان الشرقي عن الذات و عن الآخر. و لنا أن نلاحظ أن الحضور الكولونيالي في كتابات من عُرِفوا بعمائم الفكر العربي المرتبطين بالتوجهات المحافظة و التقليدية، أو من عُرِفوا بالمفكرين الحاملين للرؤية الغربية و الساعين إلى تثبيت هيمنتها في الواقع العربي، لم يأخذ شكل العدو الواجب محاربته من خلال البحث عن طرائق فاعلة لتحقيق إخراجه من منظومة التفكير الشرقية فحسب، و لكن أخذ شكل العدو الآخر الذي لم تكن الأنا الشرقية لتحقق وجودها في خضم معركة استعادة الكيان إلا من خلال استحضاره الدائم في هذه البنية نظرا لقوة حضوره في واقع الإنسان الشرقي. ذلك أنه لم يكن من السهل على هذا الخطاب المأسور داخل ما تطرحه الثنائيات من أطروحات و أطروحات مضادة أن يدرك أن التصور الكولونيالي الذي يريد أن يحاربه هو نفسه التصور الذي يريد أن يقلده في طريقة تفكيره و في آليات إنتاجه لعقلانية كفيلة بمحاربته و الانتصار عليه. و لعل هذا الخطاب بدأ يدرك خطورة توغل الفعل الكولونيالي في الذات الشرقية منذ أن عكست مرآته (المقعرة) تشوُّهَ صورتِه من خلال هشاشة الطرح و سطحيته المؤديتين إلى انغلاق دائرة المعرفة السطحية بالذات و بالآخر من خلال التقاء نقطة المنطلقات بنقطة المآلات في مساق نظري منفصل عن الواقع هو أشبه بالوصول إلى نقطة البدء من دون تحقيق تقدم حقيقي و فاعل في فهم الظاهرة الكولونيالية و سبر أغوارها. ذلك أن هذا الفهم كان يستدعي فهم الذات و سبر أغوارها أولا قبل الوصول إلى فهم الآخر و سبر أغواره.
-4-
لقد ارتبطت الحداثة بالكولونيالية ارتباطا جذريا في بنية الخطاب الفكري العربي تقليديا كان أو تجديديا، في بداية القرن العشرين. و ربما تبين من خلال تزامن مراحل تطور أفكارهما الأساسية في الواقع الشرقي أنْ ليس ثمة من صلة عديمة في طرح المقاربات النظرية للفكر الحداثي بما كان يسعى إليه هذا الفكر من محاولة إعادة تثوير القواعد الأساسية للنظرية التوسعية و تفعيل إحداثياتها المجمدة في حركة التاريخ منذ السقوط الحرّ للإمبراطورية الرومانية. و لم يكن الفكر الحداثي الغربي، في مجمل ما اقترحه من تصورات نظرية تحاول تفعيل الإحداثيات الراكدة لفائض القيمة الفلسفية الذي أنتجته الليبرالية، غير صورة منهجية تستند في آليات تحركها الفلسفي إلى النتائج العلمية التي أفرزتها حركية عصر النهضة و ما وفره القرن الثامن عشر و الثورة الصناعية من أسباب موضوعية أدت إلى تكريس الفعل التوسعي في دائرة المعارف الغربية بوصفه فعلا ضروريا من أجل إعطاء دفعة جديدة للحضور الغربي في ما سيسميه مثقفوه الكبار المجندون على جناح السرعة من طرف جيوش الدول الغربية المستعدة للزحف بناء على تقارير الخبرة المُدَبّجة بعناية فائقة من طرفهم، بـ’الشرق’ في امتداد ما توفره الخارطة الجغرافية من حلم توسعيّ على امتداد مئات آلاف الكيلومترات من المحيط الهادي إلى المحيط الهندي.
و لعله بسبب هذا الارتباط بين الحداثة و الكولونيالية، كان الهم الأكبر للخطاب الضد-كولونيالي منذ دخول الآخر المُستعمِر في المخيال الشرقي هو محاولة توضيح إشكالية العلاقة النظرية الوطيدة بينهما، لا في التصور العام الذي أحدثه الفعل الاستعماري الواقعي في الخريطة المُستعمَرَة فحسب، و لكن في ما أحدثه هذا الفعل من تناقضات على مستوى الأطروحات المقاوِمة للفعل الاستعماري و على مستوى تمثّلها النظري للفروقات الجوهرية بين الحداثة بوصفها فعلا ‘تقدميا’ طلائعيا ضروريا مرتبطا بسنن التغيير، و بين الحداثة بوصفها مذهبا فلسفيا مهيمنا و رؤية ثقافيا توسعية تعتمد على رهن المفهوم الأول في ما يحاول أن يحققه المفهوم الثاني من مسارات توسعية تعتمد على الخديعة المنهجية المرتبطة عموما بالتنوير المرادف للاستعمار و الكولونيالية المرتبطة بالحداثة.
لقد تبين فيما بعد أن الخطاب الفكري العربي في ما كان يطرحه من تفاعلات و نقاشات و مطارحات، لم يكن ليستطيع أن يفصل الحداثة عن الكولونيالية. فلم يكن للخطاب التأصيلي المحافظ أن يجد له طريقا للحداثة من دون المرور القسري بالكولونيالية، و لم يكن للخطاب التجديدي المتفتح أن يجد له طريقا لعزل الكولونيالية عن الحداثة في مسار البحث عن حلّ جذريّ لمشكلة التأسيس لفكر عربيّ متنوّر.
————————————————————————
* عبد القادر رابحي (ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )




