يقول الناقد”ناصر يوسف:”والنص العميق الذي يخلق القارئ العملاق هو نص الواقع ،نص السؤال،نص التجاوز ،نص الكتابة،نص المتعة،نص الانفتاح،نصالأحياء والإحياء،نص روح الفلسفة”.يندرج نص الشاعر العراقي المبدع الدكتورجاسم خلف إلياس والموسوم بـ”شاهدتي على الدهشة” تحت مسمى النص العميق،حيثيشكل إرباكا لقارئهوخرقا نتاج تزعزع نظامه واعتماده لغة مشوشة وهويةأساسها المغايرة ،لذلك رمنا من خلال هذه القراءة الوقوف عند هذه المسافاتالمتعثرة بحثا عن دلالة الاختلاف ،علنا نقترب من بوحها المحذوف الذي همشتهمركزية المعنى الثابت. العنوان”شاهدتي على الدهشة” يحاول العنوان أن يشكل انوجاده في صيغة حضورماثل يتأتى من خلاله اختزال الخطاب كما هو ملاحظ قبل أن يتفرع إلى صيغتهالنهائية،فالحديث عن الشهادة في صيغة انتساب هو انتفاء للاحتمالاتالمغايرة،وتسليم بسلطة المخاطب/النص في توجيه اللغة نحو الاحتمال الأمكن ـمن منظور صاحبه طبعا ـ .إن الشهادة تحمل دلالة التأييد والدليل والإعلانوالإثبات واليقين…،ومن هنا فهي تسيج اعتباراتها بهذا العلن ـ الياء ـرافضة التموضع في دائرة التغييب،وكأن بالنص يفسح المجال للغة حتى تعبر عنبوحها أو تسهم في تأييد حضوره المربك وإثباته بعد أن يدخل في مجالالدهشة:دهشة التشظي ـ دهشة التعدد ـ دهشة المتلقي ،ودهشة النص الذي يعيدتشكيل ذاته في كل مرة ضمن حدود الاحتمالية غير المتوقعة،ومن هنا فالدهشةتعبير عن مسافة إرباك وتشويش لمقتفي اللغة،وعن لحظة توقف للنص حينما يستفيقعلى وجع التمكن،فتكون حيرته مساحة منح لتمارس اللغة لعبتها داخل فرصةالتموضع المحتمل أو غير القار الذي يصل إلى حد اللاتموضع. إلى أمنياتي المؤجلة
أقتفي كخطيئة تعوم في دمي،كي تكف مسلات الحرائق عن الاعتزال. أقتفيكطقوس حضوريعري مرايا الجسد الشاهق بالنبيذ. ولأنكشاهدتي على الدهشة المخبوءة في آخر الرواق،سأروضـ في حضرتك ـ كل جنوني،وأعيشكولعا يتوسل لقاءك المرتقب. ينسل إليك ظمأ …….. يحتفي بالخرافاتيهدي النص بوحه إلى اللغة المؤجلة أو التي تتخذ شكل المنجز في الزمنالقادم،حيث الابتداء منتقص ـ شبه جملة ـ يبحث عن اكتماله ضمن حدود البوحالمحذوف،إذ تتشكل مسافة صمت تختزل كل الأصوات على اختلافها مانحة للقارئسلطة التحاور والتأويل،ومانحة اختلافاتها لذلك الهمس المنسي والخجول والذييسيج بالأمل المرتقب…..أمل التحقق الذي يرقبه النص من خلال التشكيلاتاللغوية المحذوفة أو الموازية،والتي تبحث عن فرصة تقضي فيها على هامشيتهاأو عن زمن متاح تعيد فيها نسج اعتباراتها المنسية وتتجه بها ناحية المثولأو التمركز. يبدأ النص بوحه بالحركة الفعلية المستقبلية،وكأن بالحذف السابق يبحث عنتموضعه الحقيقي بين الأزمان القادمة،وينافس الغياب في شكل حضور مستمر،ولأنالاقتفاء يحمل دلالة البحث ورغبة الاكتشاف والوصول إلى الهدف فإن النصيحاول اقتفاء اللغة والوصول إلى كينونتها الحقيقية وهويتها الأصيلة ضمنممكناتها المتعددة زمن المستقبل( خطيئة تعوم…ـ طقوس حضور…)،وكأن بهيبحث في صورة الاقتفاء عن اعتباراته التي غيبها الصمت مدة طويلة.إن النص فياقتفائه للغة يسيج الفعل بالإثم على اعتبار أن كل تأويل جديد فعل آثمواقتراف لخطيئة التغييب(تغييب المعنى الأصلي أو كما يعتبره البعض إساءةفهم)، ومن ثمة فالبحث عن آثار اللغة أو تمظهراتها المختلفة الآثمة مختزل فيالعناصر النوعية للنص”دم”،والتي تكون في حالة لا تحديد أومشروع بحث قادمتلفه اللانهائية “تعوم” بهدف الاشتعال الدائم أو احتراق المتلقي برغبةالتجدد والوصول “كي تكف مسلات الحرائق عن الاعتزال” .ويواصل النص فعلالاقتفاء باحثا في تمثلات اللغة المستقبلية عن مثول تنكشف فيها العوالمالموازية التي اختلقتها شهوة الانتظار أو شهوة الغياب في حضرة الوعي المهمشالباحث عن اعترافاته بين الأزمان القادمة”مرايا الجسد الشاهقبالنبيذ”.ويمنح النص حجة لانطفائه بين اعترافات هامسة مبنية على صدمةالارباك ودهشة الحضور غير المتوقع في آخر اعترافات البوح حينما يبدأالتأويل في الاشتغال زمن المستقبل”ولأنك شاهدتي على الدهشة المخبوءة في آخرالرواق…سأروض في حضرتك كل جنوني”، ومن هنا فهو يلف القارئ برغبة اللقاءاشتياقا إلى لحظة العثور”وأعيشك ولعا يتوسل لقاءك المرتقب….” وظمأ إلىالاختلاقات المغايرة والحالمة و التي وسمتها المركزيات باللامعقول والخرقالمفضي إلى الجنون “ينسل إليك ظمأ….يحتفي بالخرافات“. فاتئدييا آمالي المؤرشفة بفيض الحنين،واحتوينينهارات قلب تنرجس لحظة الخسوف. واحتمليفرحي المشاكس أيروس الغبش. ورعونة سطوة منحتك كثرة التواجد،أسرديلحمامتيك مسراتي عند هطول النقاء،وتسكعي في طرقاتي،صباحات الرضا،ومساءات الوصول. ويخاطب النص اللغة في صيغة حضور مقابل”فاتأدي” رغبة في موضعتها في إطار منالوضوح بعد رحلة التأويل المطعم بالأمل والحنين”يا آمالي المؤرشفة بفيضالحنين”،ليأمرها أن تحتويه هوية تبتعد عن المركزيات وتحتفي بخسوف المعنى “نهارات قلب تنرجس لحظة الخسوف” وأن تحتمل فرحة البحث المشاكس والمطعمبرغبة الانقضاض على حقيقتها المنتهكة في ظلمة المعنى واعتبارات اللغةالمخبوءة “واحتملي فرحي المشاكس أيروس الغبش”،هذه الحقيقة المغيبة التيمنحتها سطوة المثول ضمن مسارات التجدد واللانهائية “ورعونة سطوة منحتك كثرةالتواجد” ،ويحافظ النص على الحضور المقابل للغة “أسردي” مانحا مسراتالتجاور لأمل التمكن الحالم وطمأنينة السلام عند هطول التأويل علىالمتلقي”لحمامتيك مسراتي عند هطول النقاء”،لذلك فهو يطالبها بأن ترضى بهذاالوجود المحايث”التسكع في الطرقات” والذي سيساعدها على التموضع النهائي بدلالتشظي المفضي إلى التشتت “مساءات الوصول“. ألست الباهرةفي تضاريس البريق؟والغضة حد الانتهاكفي التألق الرهيف؟والمتوغلةفي الحلم حد امتهان الحواس؟والمندسةفي جسدي توقا لاشيائي الوامضة ؟والمطلسمة مواءلحظة الاشتعال البهي؟والمتنبئةبالشراشف المرصعة باللظى ؟والمحترفةبانسكاب القلق في متاريس الحكمة؟ويسائل النص اللغة فيجعلها في صيغة إشكال متحقق،أو غموض يبحث عن إجاباته فيتلك المسافات الصامتة وبين ذاكرة الحذف،حينما يعتلي مستقبل القصيدة ملوحاباعتبارات مغايرة لم تنتبه إليها الإجابة المعيارية قبلا،ومن ثمة فالتساؤلإعلان عن رغبة التموضع في حكم الغياب وليس بحثا عن الجاهزية المطلقة.ويواصلالنص البحث في تلك الاعتبارات المختلفة (المتوغلة ـ المندسة ـ المطلسمة ـالمتنبئة ـ المحترقة) عله يعثر على حقيقتها المغيبة.إذن يبحث النص فيانبهارات اللغة المتعالية”البريق” عن تمظهرها الحقيقي،وفي انتهاكاتها أو فيانتهاك ثباتها عن سر ذلك التعدد المختلق الذي يصنع مجدها”التألقالرهيف”،وفي التحافها بالاعتبارات المتعالية أو في توغلها بين مساراتالإمكان والاستحالة”الحلم” عن هويتها الملتبسة”امتهان الحواس”،وفي اندساسهافي حالة غياب عن رغبة الظهور”توقا لأشيائي الوامضة”،وفي غموضها أو فيحقيقتها المغيبة”المطلسمة” عن زمن اشتعال التأويل،وفي تنبؤاتها عن الانوجادالشعري المحتفي بالجماليات المتجددة “الشراشف المرصعة باللظى”،وفياحتراقها عن حكمة المثول القلق بين مسافات الاختلاق”انسكاب القلق في متاريسالحكمة“. لأن كل هذه المواثيق تنفست هواجسيولأن ما تبقى في الحياة أشياء كثيرةسأحترفمسافاتك مصائد للقبل ،وتضاريسك مواقيت للسطوع . فهيئيلليابس من الدغلطوفان أنوثة شرّعنها الأمنياتوهيئيلمخاضك عند تخوم المسراتكهنة لا يطمئنون إلا لصومعة الخمور،وصعاليك لا يصافحونإلا صوت البراري. سأحترف………………. أدق النواقيس في آخر الشعائر،وأعلن المكوث،في افتراض اللزوم. ويمنح النص تعليلاته باختراق مسافات التشكل استعجالا بحثا عن شهوة التحققوالوصول إلى اللغة ،حيث العهود المبنية على قلق التمثل والاكتمال”المواثيقتنفست هواجسي” ،وحيث الممكنات التي تتخذ شكل المحتمل المتعدد في حياة النص “ما تبقى في الحياة أشياء كثيرة”،تسيج زمن الاحتراق من أجل منجز مستمرينتظر مواقيت متعددة لنصوص تتخذ صفة اللانهائية”مواقيت سطوع”".ويأمر النصاللغة أن تقدم همسا ملتحفا بأمنيات التحقق ليغرق كل الخصائص النوعيةالقبلية ويزعزع نظامها ويخلخل اعتباراتها الثابتة”اليابس من الدغل”،وألاتمنح ـ احتمالاتها المنتهكة إلا إلى محاورين نوعيين يقدسون الغياب في حضرةحضور مستمر”كهنة” ولا يطمئنون إلى المعنى الثابت رغبة في الوصول إلى القابعفي اختلافات البوح المحذوف”صومعة الخمور”،ومحاورين يحترفون التمرد بحثا عنالعرضي والهامشي”صعاليك لا يصافحون إلا صوت البراري”،ليعد النص في الأخيراعتباراته بالاحتراق الدائم زمن المستقبل من أجل الإعلان عن بدء طقوسالتجدد”أدق النواقيس في آخر الشعائر”،والقبوع في افتراضات أو احتمالات.
*د غزلان هاشمي ( قاصة وناقدة من الجزائر)
.




