حين تُسكتك أرحامك .. رتيبة كحلان*
بواسطة مسارب بتاريخ 18 سبتمبر, 2013 في 08:32 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1272.

Alessandro MARZIANO

 

قبلا كتبت عن الظل وأعطيته أبعادا أخذتُ مقاساتها من نفسي الشغوفة به، وركنتُ للصمت أفتّش عن شيء آخر أنطلق منه لأكتب الجديد ولكن كل الكلمات كانت مناسبة للآخرين متى أمكنهم أن ينطقوا بها في سياق كلامهم أي أن تقع من شفاههم في الفراغ الخالي من التدوين .. وبذا يجعلونها غير مناسبة لي فتبتعد عني ويصير الصمت ظلي الذي يلازمني حتى وأنا أطلق صوتي لأقول شيئا ما .. وجدت دربي يبتعد عن الكتابة .. يقترب من قبور كل الكتاب الذين ماتوا وتركوا خلفهم صفحات منقوصة النهايات .. وخلّفوا أفكارا باردة تنتظر حبر قلم يدفئها مع أنها لا تقبل إلا بصماتهم .. تلك المدفونة على عجل الحياة .. فانقرض زمنهم الذي كان ملكا للكتابة، ها أنا أسأل نفسي: ماذا بعد أبعاد الظل التي داهمتني ذات حماس للكتابة؟ هل بردت الكلمات في جوفي وأنا الحية الرافضة للهدنة ؟ والحقيقة التي لا يجب أن أنهر صهيلها أني لا أقبل إلا بالكلمات المثيرة التي تدور حولها أطياف خيالي تلك فأُنشئ بيني وبينها قرابة متينة لا يبهت لونها مع تراكم الأيام.  

أحب النصوص التي تحمل طعم الإثارة .. تلك التي تُشعرك أنها تلمسك دون أن ترى أكفها .. وتُقبّلك دون أن تملك شفاه .. وتنفق وقتك وأنت تتمرّن على فهم أناقتها كما ينبغي لك .. تلك التي تُبقي لها حصة من الذاكرة المسحورة .. كل هذا وأنت تكبر بمزيد من الصفحات.

لكل كاتب ما نُذر له من صفحات تنتظر أن يغرس فيها ما له من صفات لذا كلما كتب اتسعت قائمة أقاربه الذين يعتقدون أنه يترك على فراش موته ميلادا جديدا .. ولكن ماذا لو كان للواقع غير هذا الوجه؟ ماذا لو كان للموت وجهه الحقيقي المؤكد للعدمية البحتة؟

ما كان لهذه الهواجس أن ترفع صوتها داخل رأسي لولا القلق الهائل الذي محا من جوفي أي سكينة فحين تناهى إلى علمي نهاية ما خطّه “عبد الله البردوني” شاعر اليمن – الذي منحه العمى رؤية واضحة للغة فانحاز للشعر دون أن يترك )صوته( سطور التأليف الأخرى  .. ومع حالة الضيق التي أصابتني بالتهاب حاد في المشاعر اقتنعت أن الدفن مرتين لا يصيب إلا من كان حظه عاثرا مرتين فإن كانت الأولى تمضي به إلى حتفه الذي يقوده إليه الموت فإن الدفن الثاني يمحي أثره ويُسكت ذكره .. الموت مرتين فالدفن مرتين مصيبة مُشبعة بالخسائر ومن يقع عليه هذا الحتف فإن ما ناله من بكاء لا يكفي ويحتاج لمزيد من النواح حتى يكتمل نصاب الفجيعة.

إن كان للأحياء أن يخنقوا ظلال الموتى فإن إسكاتهم فعل متجانس مع الجرائم السالبة للحق في الحياة، فمن يرى صورة “البردوني” لابد أن ينتابه خليط من المشاعر وأنا لا أريد الاكتفاء بصورته ولا بهذا الخليط من المشاعر بل أود أن نبذل جهدا يسيرا لنعي نهاية حكاية شاعر ومبدع مثله فمع ضياع آخر ما خلّفه من سطور لم يُكتب لها أن ترى النور، وبقاء جدران بيته متنقلة بين أيدي ورثة اختاروا لها الظلام والرطوبة انتهت الحكاية كما ستنتهي حكايات كل من كان للقلم شأن في حياته .. ستسكته أرحامه مع أنه أودع الورق صوته وسرّب للكلمات خلوده .. البردوني ليس إلا واحدا من سرب طار وترك ريشه على شرفات الذكرى.. لم يهتم أحد بآخر ما قاله .. أو ربما لفرط اهتمامه اختار له صمتا آخر .. ربما، لذا حين قال البردوني :

أتشم   يا   قارئي   في   غناي      دخان  المغني  وشهق  الرباب؟
وتسمع    فيه    أنين   الضياع      تبعثره  عاصفات    الضباب
فإن   حروفي  اختلاج  السهول      وشوق السواقي، وخفق الهضاب
وشوق  الرحيق  بصدر  الكروم      إلى  الكأس  والثلج في كل باب
وخوف   المودع   غيب  النوى      وسهد  المنى  في انتظار الإياب
أنا   من  غزلت  انتحار  الحياة      هنا   شفقاً   من  زفير  العذاب
ولحنته     سحراً      يحتسي      رؤى  الفجر  بين ذراعي كتاب
وتنبض   فيه   عروق  السكون      ويمتد    في    ثلجه   الالتهاب
ويتقد    الشوق    في    مقلتيه      ويظمأ    في    شفتيه   العتاب

 

نظر بهذا للقارئ موقنا أنه إذا ما أَسكت الغياب صوته يوما ما عنوة فإنه سيعبر مساحات الزمن المتناسلة دون أن يخشى الوقوع وينكسر .. ليس للنسيان شغف بالأصوات التي تلتصق بالورق تماما كالظل وأبعاده التي تأبى أن تفارقني.

 

 

الأحد 15 سبتمبر 2013

*رتيبة كحلاناتبة من الجزائر)

 

 

 

 

 .

 

 

اترك تعليقا