أبو تمام السائل و أبو تمام المجيب ، في المقصديّة و سوء الظنّ …/ عبد القادر رابحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 23 سبتمبر, 2013 في 06:56 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1213.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-1-

     هل يستطيع أديبٌ أنتج عملا إبداعيا سواء أكان قصيدة أم رواية أم جنسا أدبيا أو فنيّا آخر أن يشرح للقارئ ما لم يستطع القارئ أن يسبر أغواره، أو أن يدرك مقاصده، أو أن يتفهم معانيه قصدا أو قصورا؟ و هل يستطيع المبدع أن يمرّر في هذه الحالة نسخةً طبق الأصل لكل ما يريد أن يقوله، و فقط لكل ما يريد أن يقوله هو، دون زيادة أو نقصان، رافضا بذلك رفضا مطلقا ما يمكن أن يفهمه القارئ، أو ما يستشفه من معانيه، أو ما يدركه من مقاصده؟ و هل للقارئ الحق في أن  يسيء فهم النص الأدبي، أي يسيء به الظنّ، بما يفتح النص على مكنونات لم تكن في حسبان المبدع ؟ و هل كلُّ سوء فهمٍ للنص الأدبي هو خروج بائنٌ عن مقصدية الكاتب؟

     لا شك أن النص الأدبي، و منذ أن أجاب أبو تمام إجابته المشهورة: و لِمَ لا يفهمون ما يقال؟ عمّن سأله السؤال المشهور كذلك: ولِمَ لا تقولُ ما يفهم؟، لا زال يثبت مع الوقت أنه قادر، معتمدا في ذلك على قرائه، على تغيير وجهات الكاتب عن مقصدياتها الأولية إلى مقصديات أخرى لا ترتبط بالضرورة بالمعنى الذي يريد المبدع أن يكون في بطنه هو وحده لا في بطن القارئ مهما كانت الأحوال. و ربما أسست إجابة أبي تمام لإشكالية الفصل المنهجي بين مقصدية الكاتب و ما سيسمى لاحقا بإنتاجية النص التي تحركها رؤية القارئ الذي يسعى إلى فهم النص وفق إمكاناته الفكرية و المعرفية من دون المرور ضرورةً بما رسمه له المؤلف من محددات يعتقد أنها توصله مباشرة إلى بطن المعنى.

    ثمة سوءُ ظنٍّ مؤسّسٌ إذن، و منذ أن كان الإبداع إبداعا، بين منطلقات المبدع و بين مآلات ما يصل إلى القارئ من معانٍ متخمةٍ بفائض المعنى و مغلّفة بما تقترحه الجماليةُ في تغيّر أحوالها          و ألبستها عبر العصور، من تعليب و تزيين  هدفهما الإبهار و التخطيء. و لعل سوء الظن هذا هو المولّد الحقيقي للنظرية النقدية بوصفها مشروع إجابة عن مساءلات القارئ الحائر في توصيف معاني المبدع و ترتيبها في فهمه للعملية الإبداعية و غوامض مُحرِّكاته الداخلية التي لا زال يعتقد أنه يستأثر بها لوحده دون الناقد، و بوصفها كذلك فارقا معرفيا يُخضع النص إلى منطق القارئ بعدما كان الكاتب يُخضع القارئ إلى منطق النص.

-2-

      لقد كان النقد الأدبي في كل ما أنتجه من سلطة معرفية، نتيجةَ خلافٍ جوهري بين المبدع الأديب و بين القارئ استطاع من خلالها هذا الأخير تحويل المركز الأساس الذي هو النص        و الذي طالما كان مِلكا للمبدع و حكرا عليه، إلى بؤرة معرفية أخرى تتباهى بنرجسية القارئ الأنموذجي في تسطير المنحى العام لدلالات النص و إحصاء تحويلاتها النحوية و الألسنية.

     وكثيرا ما تحوّل سوء الظن إلى سوء فهم منهجي يؤدي بالنص إلى الدخول في رؤية للقراءة خارجة تماما عمّا كان يريده المبدع. و كثيرا ما حُرِمَ المبدعُ حقّه في إبداء رأيه الصادق حول الظروف التي أحاطت بإنتاج نصّه نظرا لعدم إعطائها أهمية من طرف القارئ المشغول في تمركزه المعرفي بظروفه الخاصة في التعامل مع النص. و لعله لهذا السبب قليلا ما نجد أديبا أو شاعرا        أو روائيا يتعرض لعمله بالنقد كما لو أنه أبو تمام السائل وكما لو أنه أبو تمام المجيب، فغابت بذلك فرصة سماع رأي المبدع قارئا أولا لنصوصه الإبداعية عن المدونة الإبداعية العربية المعاصرة إلا ما ندر.

      قد يقتل الشرحُ النص. و قد تحدّ المناسبةُ من أفق التخييل. و قد تنبني أسوارٌ سميكة مغلقة حول النص بما يحاول المُبدعُ أن يلصقه بنصّه أو يدخله داخل أسواره السميكة التي بناها بنفسه أو التي ترك القارئ يبنيها بصورة متعمدة أو غير متعمدة في غفلة منه أو على حين غرّة، لأنه يعتقد، إذا ما تحقق من علوّ أسوار نصه على من لا يريد أن يصلوا إلى خدره أو يدخلوا إلى درّة قصره، أنه بتصرفٍ كهذا يقطع الطريق أمام كلّ تأويل قد يُخرج النص عن أصله و النهر عن مجراه، فيحقق بذلك ما يريده لنصّه من دورٍ يكون قد رسمه أثناء الكتابة، و خطط له قبل الكتابة، و فكر فيه مليّا لحظة ميلاد الفكرة في رأسه المنشغلة بهموم ما يعتقد أنه شغله الشاغل و محركه الدائم الضامن لصيرورة الحرف و العاكس لأطروحات موضوعه.

      غير أن المبدع، و هو يحاول ضبط الرؤية النهائية، رؤيته هو على الأقل، لما يجب أن يكون عليه نصه في مرآة القراء جميعا و القراء النموذجيين خاصة ، إنما يؤسس من غير قصد مسبق ما سيراه القارئ كبرا من لدن المبدع يحاول أن يمارس سلطته الإبداعية على القارئ الذي سيكون مجبرا في هذه الحالة على تقبل نصه و كأنه وصفة دواء لمرض لا يرى القارئ أنه يعاني منه أصلا، و هو مرض عدم تمكن القارئ من سبر أغوار ما يبثه المبدع في نصه من مقصديات تتعالى بما فيها و ما ليس فيها على القارئ  فتجعل منه قارئا قاصرا على إدراك هذه المقصديات و ما يمكن أن يكون وراءها من عقد تكشف، إذا ما اكتُشِفت من طرف القارئ، عمّا يمكن أن يعتري نصه من عيوب ، و عما يمكن أن ينتج عن رؤيته الباطنة من مثالب.

-3-

    ثمة تحايلٌ متعمّدٌ في السؤالين، سؤال القارئ (النموذجي، لأن سؤالا كهذا لا ينتج إلا عن قارئ نموذجي) الذي يريد أن يحرج المبدع  و يدفعه إلى كشف أعزّ ما يمكن أن يملك من خصوصية يعتقد أنها ممّا لا يستطيع بأية حال من الأحوال أن يُطلع عليه القارئ، و سؤال المبدع (النرجسيّ، لأن إجابة كهذه لا تنتج إلا عن مبدع أنانيّ) الذي يريد أن يردّ إحراج القارئ من خلال إعادة كُرَة السؤال و كَرّتَه بما تحملانه من طميٍ معرفيٍّ و سوءِ ظنٍّ مُبيّتٍ إلى مرمى القارئ النموذجي فيكون بذلك قد أعاد له محمولات سؤاله كما هي لتنتهي معركة السؤال و الجواب بينهما كما لو أنها كانت مجرد ألعوبة أخلاقية تمت في زحمة سوق أدبيٍّ كالمربد أو عكاظ أو غيرهما من الأسواق التي تعجّ بالطامحين إلى الالتحاق بحرفة الأدب لكثرة ما يعتلج في صدورهم من أسئلة لا تجد من يجيب عنها. أسواق تختلط فيهما البضاعة الإبداعية بالبضاعة النقدية فيلتقي أصحابها التقاء طائرا بين كأسين أو سؤالين أو بيتين فيتركان أثرهما الحاد في صفحة النقد التي ربما غيّرها أحد الرواة، رواة الأدب و الشعر، و رواة أخبار الرجال و مزيّفو المقولات الإبداعية و النقدية، لا لشيء إلا للسخرية مما يعتقد المبدعُ الأصلي أنه أصَّل به لمقولته لتبقى، و كذلك للسخرية مما يعتقد القارئ الأصلي أنه أصّل به لسؤاله النقدي ليبقى.

     ‘ لماذا لا تقول ما يُفهَم؟ و لماذا لا تفَهمُ ما يُقال؟ ‘. إنهما نفسهُما السؤالان اللذان يخضعان في هذه الحالة إلى إرادة طرف ثالث، و لنسمِّهِ تحاملا المُؤثّر اللاحق، فيأخذ ممّا في خزانتهما الباطنة من طميّ كَبَتَهُ السائل و المجيب عمداً و أخرجه إلى ملء المغامرة الإبداعية بما تحمله من جذوة نقاشٍ قد يُخرج مقصدية المبدع الأولية من مغلقاتها و يجعلها تقيةً و دليلاً إما للتشهير بالمبدع الذي لم يدرك مغازي سؤال القارئ و فخاخه التي بدأت تتفجّر في وجهه، و إما للتشهير بالقارئ (النموذجي) الذي لم يدرك كُنْهَ النصّ الذي زرعه المبدع روحاً ثمّ وزّعها في ثناياه لا يستطيع أن يجمع صورتها النهائية غيره. و في كلتا الحالتين سيكون للمبدع، كما للقارئ، شيء مما كان يسعيان إليه في البداية من الالتحاف بلحاف سوء الظن، متوارين به وراء ما يجب أن يكون للنص من تلميح لا بالواضح فيُزرِي و لا بالجارح فيؤذي، و إنما بالوقوف الواعي في المنزلة بين المنزلتين يكون فيها لسوء الظن دورٌ أساسٌ في تعديل مقصدية المبدع المتأتية من تعالٍ نرجسيٍّ، و في تصويب سوء ظن القارئ الناشئ من تعالٍ معرفيّ بما يحملانه معاً من صورة للذات المبدعة و كأنها ذات سائلة و من صورة للذات السائلة و كأنها ذات مبدعة، فيكونان بذلك قد أسّسا لأهمية السؤال و دوره        في ترسيخ الرؤية الأكثر عمقا في المطارحة الأدبية بين المبدع و القارئ. و هي مطارحة مبنية على سوء الظن الذي لم يفارق مسارها منذ أن كان الإبداع إبداعا.

     ألم تكن عبقرية المتنبي محل بحث نقديّ مستفيض تمكّن صاحبهُ (القارئ النموذجي) من استخراج عيوبه و إحصائها و عدّها في مجلّد كامل ربمّا لا لشيء إلا لتكتمل بعمل كهذا عبقريتُه في ظن القارئ فيكتمل بعدُها الإنساني القابل لأن يخطئ و هو يصوغ الشعر حكمة خالدة؟ ألم يطرح أبو العلاء المعرّي إشكالية نقدية في غاية الدقّة عندما وضع أبا تمام في مرتبة الحكيم و وضع البحتري في مرتبة الشاعر، و ذلك على الرغم ممّا يمكن أن يُستشفّ من باطن المقولة من إمكانية وضع أحدهما (الشعر أم الحكمة) في المقام الأعلى و الآخر في المقام الأدنى؟ ألم تكن مقولة البحتري “جيّد أي تمام أحسن جيّدي و رديئي أحسن من رديئه” نوعاً من المواربة النقدية الذكية لتفادي انهمار السؤال الجارح من  طرف الناقد سيّء الظّن في عمق المساءلة النقدية؟ ألم تكن عملية تبادل الأدوار بين السائل السابق( أبو تمام) و المجيب اللاحق (البحتري) يلعب فيها الطرف الثالث دور المحاور العقلاني ( المعرّي) غيرَ صورةٍ لما يجب أن يكون عليه الإبداع في حالته الأكثر تماهيا مع الذات الإنسانية و هي تسيء الظن بما تراه في مرآتها من صورة ربما بدت مشوّهةً في جزء من أجزائها أو في طرف من أطرافها، كأنما الإبداعُ لا تكتملُ صورتُه النهائية إلا بتدخّل القارئ المتأخر لا يلوي إلا على إضافة ذرّة من المثالب على ما يعتقد المبدع أنه الجمال الكامل بعينه و الكمال الجميل بصورته؟

-4-

     ربما لم  يكن للخطاب النقدي المعاصر الذي شهده القرن العشرين بمختلف مناهجه التاريخية الاجتماعية و النفسية و الألسنية و البنيوية و التفكيكية و غيرها مما تفرع عنها تفرعا غريبا         و سريعا أنهك الشجرة الأصل للممارسة النقدية  و غيّب تواتر حضورها الواضح من خلال تغييب المقولة النقدية في سلسلة سلالتها المذهبية، غيرَ سوء ظنٍّ رهيبٍ استولى في أشكاله و في تمظهراته    و في طرائق عرضه لأفكاره التي يدافع عنها على ما كان جديرا بالكاتب المبدع أن يدافع عنه بمجرّد  قلبه لسؤالٍ  بدا جوهريا لأبي تمام المُجيب لأنه كان يخفي في عمق ما كان يختزنه من محمولات غير مصرّح بها من سوء ظن رهيب  غذّى طموحات أبي تمام السائل، و لا يزال يغذي طموحات النظرية النقدية في تعطشها الدائم للوصول إلى مرآة الذات المبدعة، و في بحثها المتواصل عمّا يمكن أن تخبئه من تشوّهات قد تبدو لبعض القراء في مكان معين أو زمن معين، لكنها لا تبدو لكلّ القراء في كل الأمكنة و في كل الأزمنة.

.

.

.

.

.

——————————————————————————————

* عبد القادر رابحي (كاتب وأستاذ جامعي من الجزائر )

 

اترك تعليقا