لا يمكن مقاربة مفهوم الحداثة إلا قياسا على ما مضى مما لا نَعدّه من الحداثة. فإذا تعلق الأمر بالكتابة الروائية تحديدا، فالمقصود مما مضى هو العمود الروائي الكلاسيكي الذي استمر ردحا من الزمن يتأسَّس على قواعد ثابتة تثبِّتُ المتلقي -بدوْره- في التعاطي مع ضرب من الكتابة أَلِفها واستأنس بها، وقد يتوقع ما يجري في وسطها من بدايتها، أو يتوقع نهايتها من وسطها من غير أن يبذل جهدا كبيرا، ثم يغادر المقروءَ ويتركه مُغْلقا دون أن يثير لديْه أسئلة محيِّرة. إنه يؤدي دور المستهلِك وكفى.
فأما المتلقي أمام رواية تستحق أن توصف بالحداثية فهو مضطر إلى أن يصبح مشاركا في الإنتاج على مستويات، يضطر فيها إلى تجاوز عتبة الفهم التي- بدونها- قد ينفر من العمل الأدبي فلا يقربه أصلا. ويقتضي منه الفهم أن يعيد ترتيب الأثاث الروائي وقد تشوَّش بفعل خلخلة التسلسل الزمني والإيهام المكاني وضرورة فكِّ الشفرات الدالة الفلسفية منها والمجازية. إنه يدخل عالما جديدا أو غريبا أو عجيبا ويسعى إلى اكتشافه. وقد تكون لذّة الاكتشاف حافزا لديه ليواصل القراءة ويعيدها مرات ومرات. ذلك ما حدث معي وأنا أُعيد قراءة “أعوذ بالله”.
الرواية الجزائرية عند نشأتها في سبعينيات القرن الماضي اصطدمت بالتقاطب بيْن المعسكريْن الرأسمالي والاشتراكي. ولما كانت البلاد قد خرجت من حرب وانحازت إلى القطب الاشتراكي كان طبيعيا أن يحتل الخطاب الجديد مركز الصدارة. فاشترك الكاتب والقارئ كلاهما في خطاب سياسي/ أيديولوجي يجعل الأول يدسُّ في عمله رسالة تبليغية والثاني يبحث عن نفسه فيها. وبين هذا وذاك غالبا ما تغيب أدبية الأدب فيسقط في المباشرة والتقريرية، علما بأن خصوصية هذا النشاط الإنساني لم تكن خافية منذ القديم من حيث إن التشويق وتوفير المتعة أمر لا مشاحَّة فيه. فقد أدرك “ابن طفيْل”أن الكتابة الفلسفية جافَّة ومتعبة وقد تكون منفِّرة إذا هو لم يطعِّمْها بما يثير المتلقي ويحمله على متابعة القراءة فصرَّح في نهاية كتابه “حي بن يقظان” قائلا: “وأنا أسأل إخواني الواقفين على هذا الكلام، أن يقبلوا عذري فيما تساهلتُ في تبيينه وتسامحت في تثبيته، فلم أفعل ذلك إلا لأني تسنمت شواهق يزل الطرف عن مرآها. وأردت تقريب الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق”.(0)
كانت الذات الكاتبة تختفي خلف صراخ الخطاب، وكثيرا ما كانت الخطابات متشابهة، ثم ما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأنا نلحظ نزعة تجديدية في الكتابة، تمنح الذات مركزا محوريا في عملية الكتابة وتنحو إلى انتشال العمل الأدبي من الفجاجة والتقرير. وإن جنح بعضها إلى التسرُّع أو إلى انطوائية يغلِّفها الإبهام.
إنَّ هذه النقلة النوعية قد ارتبطت بالتحولات الجارية في العالم وبما تسرَّب إلينا من المدارس الأدبية المعاصرة مما دعا كثيرين إلى مراجعة مفهوم الأدب وعلاقته بالمجتمع ووظيفته الالتزامية التي سادت في الفترة السابقة.
استمر إلى جانب هذا الميْل ضرب من الكتابة لم يتخلَّص من النظرة الموْروثة، بل عاد بعضهم في تسعينيات القرن الماضي إلى التقريرية والتسطيح، ما أدى إلى ظهور الحديث عن الأدب الاستعجالي. قد يُفسر ذلك بقساوة الفظائع والمشاهد المروِّعة التي عرفتها البلاد مما لا يَقْدر الخيال على تصويره ، كما يمكن ردُّه في كثير من الحالات إلى زمن الهجرة إلى الرواية من حيث هي جنس أدبي يصلح جسرا للعبور إلى شاطئ الشهرة.
ومهما يكن، فقد كان للدراسات النقدية المعاصرة أثرها في تغيير المسار السابق فهما وممارسة، بالنسبة للمؤلف والمتلقي على حد سواء، ولم تقتصر على المتن وحده، بل صارت تولي عناية كبيرة لما يحيط بالمتن، لأنه لم يوضع اعتباطا أو من المفروض ألاَّ يكون كذلك. وفي مقدمتها العنوان الذي يختزل النص وقد يكون مفتاحا له، كلاهما يحيل على الآخر.
«وتكمن أهمية العنوان فيما ينهض به من وظائف وما يؤديه من أدوار في مستوى البناء النصي والتشكيل الجمالي لأنساق الخطاب ودلالاته فهو”النواة المتحركة التي خاط عليها المؤلف نسيجا للنص وهو للقارئ مفتاح تأويلي غنى عنه لفكِّ شفرات النص وفكِّ مغالقه.”(0)
ظاهرة العَنْونة لدى “السعيد بوطاجين” لافتة للانتباه بشكل واضح. قد تؤدي دورا إعلاميا وإشهاريا ولكنها لا تبقى في هذه الحدود. إذ لا يمكن الوقوف على دلالتها إلا من خلال النص. عناوينه المعروفة “حدث لي غدا” أو “اللعنة عليكم جميعا” أو “وفاة الرجل الميت” كل منها يلقي بظلاله على النص، وإن هي بدتْ للقارئ التقليدي عبثا باللغة وخروجا عن منطق القواعد.
روايته”أعوذ بالله”، لا تخرج عن طريقته في خرْق المألوف. على الرغم من أنه عنوان تراثي من صلب التاريخ العربي الإسلامي، بل من أقدس مقدساته. “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم”(0). و«إذا أكلتَ فسمِّ بالله”.
لكنه لا يورد العبارة كاملة”أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، وإنما يكتفي بالقسم الأول منها. لأن الباقي معروف متداول، “ثم ما لا تراه لا يعني أنه لا يوجد. الموجود بالغياب أيضا”. وهو لا يدَّعي أنك أمام نص مقدس بمستوى القرآن، بل يلتقط اللحظة التي يتلفَّظ فيها المرء بهذه العبارة في حياته اليومية حين تأتي مقرونة بما يدعو إلى الرفض والنفور، مما يدخل في باب الشر والشيْطنة، ولا يملك حينها إلا أن يستجير بالله ويحتمي به.
فهناك فريق يعوذ بالله ويلجأ إليه، وفريق- بالمقابل- نقيض يُستعاذ منه. تُبْنـى الرواية على هذيْن النقيضيْن، فَيَقْبضان على مفاصلها من البداية إلى النهاية.
يرحل بنا الكاتب إلى عمق الصحراء، إلى الفضاء الأرحب حيث السكينة والهدوء، أيْن يمكن للإنسان أن يخلو فيه إلى ذاته أو إلى خالقه، إلى حيث يستطيع أن يتأمل الكوْن ويتدبَّر عواقب الأمور، وكأنه جبل “ابن خفاجة”:
وقور على ظهر الفلاة كأنه طوال الليالي مفكر بالعواقب
فهو لم يعد يطيق دياثة الشمال، ولا يريد أن يبقى في موقع حَلَّ فيه السياسي المتهوِّر محل الكاتب الأنيق، “هل هذه سياسة؟ اللعنة… اللعنة… اللعنة…. ها قد حل السياسي المتهوِّر محل الكاتب الأنيق. ساستنا أكياس من الزبل. أما الكاتب أنا، فلا علاقة لي بأكياس الزبل لأني لا أعرف إلا الاستعارات الحية التي غمرت شرفتي بالبهجة. أنا حفيد البلاغة، لذا يمَّمتُ شطر الصحراء”. الرواية، ص:12.
كانوا أربعة وخامسهم دليلهم، هي شخصيات الرواية تصحبه، يوزع جسمه في جسومها، بل روحه في أرواحها، فيصبح مفردا بصيغة الجمع أو جمعا بصيغة المفرد، وكأنه يجسد قصة العصفورة. “مرة قالت عصفورة لابنتها: كم نحن؟ فقالت: اثنتان، جاء النسر وأكل الاثنتيْن فأصبح الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة”.(0)
وهو لا يخفي ما أصابه في الشمال الذي لم يعد موطنا للحياة فعزم على الحج إلى مكان أصفى وأنقى.
«يا سادتي قصدت المقام حاجا. اهترأت عظامي في شمالهم وشمالكم. وددتُ معرفة الأرض كما ولدت. من يومها الأول إلى يومها السادس. ليس هذا فقط نذرت على نفسي البحث عن مكان يشبه طوري الأول، عندما كنت بدائيا، أنتقل من كهف إلى كهف وأغني بعفوية، أقفز من حجر إلى حجر ممتلئا بالحياة قانعا بقدري”(0)
فالصحراء المكان، هي اللّامكان في آن، إذ المكان الحقيقي إنما هو في الذهن وفي القلب، إنه المخيِّلة التي لا تَحدُّها حدود. يختار من الصحراء على شساعتها منطقة
“عين” وكأنه يتجاوز العقل إلى العين البصيرة. لأن العقل وحده لا يجيب عن كل الأسئلة المُحيِّرة. ولا نكتشف إلا في الأسطر الأخيرة من الرواية، أنه إنما كان في المشفى، في حالة غيبوبة، حالة الكتابة عندما تلعب المخيلة لعبتها فيهجر بيت اللحم الذي لوَّثتْه أَدْران الواقع الشمالي المزيَّف ويخترق جدران المشفى ليرحل بعيدا يبحث عن النقاوة والصفاء.
تشير الأرقام- أدناه- إلى التسلسل في الرواية بينما تشير الحروف إلى تسلسلها الزمني. إذ من المفروض أن مرحلة الطفولة التي يروي شطرا منها سابقة عن دخوله المشفى. وهذا التنافر الزمني أصبح من سمات الكتابة الروائية الجديدة، ومن شأنه أن يُشوِّش ذهن المتلقي ويقطع عليه حبل التسلسل ما يضطرّه إلى إعادة ترتيب الأحداث، ويعني في المحصِّلة أن الرواية الحداثية تشترط قارئا حداثيا أيضا.
اجتهاد المتلقي في إعادة الترتيب، وتركيزه من أجل فكّ الشفرات المغلقة، نزوعه إلى التأويلات المحتملة مما يجعله منتجا لا متلقّيا سلبيا، لكن ذلك لا يتحقّق إلا إذا كانت طبيعة النص مؤهَّلة لإثارة هذا التفاعل. وإنها ميزة النص المنفتح الذي ينطلق من زمان ومكان ليسبح في كل زمان ومكان. وهي حال”أعوذ باللهّ”. كما أفهمها.
لم تكن رحلته إلى الصحراء من أجل السياحة فهو قد ذهب صحبة شخصياته الروائية، بعض منها
يستحق أن يُدرج في الرواية وبعضها الآخر يطرده لأنه بصدد الكتابة التي لا تخلو من صنعة وترتيب وإعادة ترتيب. يطرد السائق لأنه مهذار، منشطر بين مهنته وولائه لمن يحكمه، وهو يريد أن يقطع كل صلة له بالشمال الذي أتعبه. وبما هي رحلة صوفية إبداعية يتعانق فيها المعقول واللامعقول تصبح النخلة لا الزيتونة، هي الشجرة المباركة تتحدث إليه ويحدثها، كما الجمل الذي يستطيع أن يسير أسابيع عديدة دون أكل لأن مخزونه الدهون التي في سنامه. إنه آية في الصبر فإذا أراد الإنسان أن يتشبَّه به، فليكنْ كالكاتب مخزونُه الكُتُب ولتكنْ المعرفة زاده الأبقى، ولا يجدها إلا في مخطوطات العلماء. يلعب التقابل دورا أساسيا في البناء الروائي سواء بالارتكاز على المكان أو باستحضار طرفيْ الصراع اللذيْن بقدر ما يتداخلان في المتن، بقدر ما يحضران منفصليْن في الذهن.
الكاتب هو الراوي المحوري ولكنه من حين لآخر يستدعي شخصية من شخصياته فيصبح مرويا له، وقد تختفي الشخصية لتَحُلَّ محلَّها رسالة أو مخطوط. هذا النوع من السرد المُدرج يضفي على الكتابة نوعا من التعقيد يقتضي من القارئ أن يعيد الترتيب ليتمكن من تحريك المتن في رحابة ذهنية.
ثم تأتي المشاهد الغريبة لتزيد الوضع تعقيدا. من الصحراء إلى عين إلى المقبرة إلى نفق الأنفاق إلى محاورة الموتى. هي عملية التجريد التي تقتضيها لحظة الإبداع، الانسلاخ من الجسد للتحليق في عوالم الخيال. يغادر بيت اللحم، ليُحاور الموتى مجرّدين من لحمهم أشباحا وأرواحا، وينتقل من السرد بلسانه أو على لسان الشخصية إلى مَسْرحَة السرد.
وهو نفسه لا يبقى منه إلا ظله، ظلّ يطارد ذبابة ويحرص على ألاَّ يؤذيها ليس لأنه لا يقوى عليها، بل لأنه يُرْفق بأضعف المخلوقات وقد يرى فيها أنيسا لأنه ليس من الجبابرة. يُروى أن الخليفة “المنصور” أزعجته ذبابه فقال: “لماذا خلق الله الذباب؟” وكان في حضرته الإمام “جعفر الصادق” فقـال له: “ليُذلَّ به الجبابرة”.
الغيبوبة هي حلم أو رؤيا ترفعه من الواقع إلى عالم آخر. ولكن هذا الواقع يترك بصماته واضحة. لأن الرواية لا يمكن أن تتنصَّل من محيطها كما الذات الكاتبة لا تستطيع أن تتخلَّص من آثاره. فالكاتب وهو يوهمنا بتجريد الحيز المكاني ويتجاوز ما هو وقتي عابر إلى ما هو زماني ممتد من الأزل إلى الأبد، يبثُّ في ثنايا المكتوب ما يحيلنا على واقع لا تخطئ العيْنُ رؤيتَه حين يقول مثلا: “أما سلطنة بني عريان التي شكَّلها الوندال والبربر وبنو هلال والرومان والبيزنطيون والطراطير والفراعنة والانكشاريون والأتراك والفينيقيون واليهود والقراصنة والعرب والمسلمون والمسيحيون والفرنسيون والملاعق والكسكسي فلم تحرِّك ساكنا لما رأت تاريخها مُهرَّبا في السفن عبر ميناء العاصمة -أشكون-”.
لقد أشرتُ سابقا إلى أن الكتابة الروائية في بداياتها وخصوصا في سبعينيات القرن الماضي، كانت تقدم المضمون الإيديلوجي/ السياسي إلى الواجهة بفعل شيوع الأدب الملتزم يومئذ. فهل يعني ذلك أن الكتابات اللاحقة ومنها “أعوذ بالله” تحديدا، تخلو من أي خطاب مماثل؟
إنه إذا كانت الأيديولوجيا في أبسط تعريفاتها تُعدُّ نسقا من الأفكار والتصورات الدينية والأخلاقية والجمالية – بصرف النظر عن طبيعتها – فإنها تشكل رؤيا للعالَم بتعبير “غولدمان”. وهي سابقة عن عملية الإنتاج الأدبي، وقد لا يكون ـ هذا الأخير – نسخة مطابقة للرؤيا بالنظر إلى طبيعة الإبداع. إذ الدلالة الموضوعية ليست فيما ينويه المؤلف الذي لا يستطيع أن يحدد تأويلات المتلقي ولا في قراءة المتلقي الذي لا يستطيع – بدوْره – أن يؤكِّد مقاصد الكاتب.
«إن الأيديولوجيا تغمرنا وتلفُّنا. تعترينا وتسبقنا حيثما سرنا. تعبرنا وتفكر فينا. تفكر بلغتنا أو نفكر بلغتها. تنعكس على أفعالنا وسلوكاتنا وإحساساتنا وكذا أذواقنا ورؤيانا. كما تلون بأصباغها أقوالنا وأعمالنا بما فيها أعمالنا الأدبية عامة والروائية خاصة حتى في حالة كونها ديالوجية. إذن ما هي الديالوجية؟ إنها تداخل اللغات، وبعبارة أدق، إنها حوار اللغات”.
أيديولوجيا، ها أنت تجد في الرواية الصراع بين الشمال والجنوب، شمال يتباهى بتحضُّر مزيَّف، لا يعرف إلا الحواجز الإسمنتية والقتل والنهب، وجنوب نقي بطبيعته، مسالم، يحب العلم ويحتضن العلماء.
جوهر الرؤيا لدى المؤلف هو هذا التناقض الذي يأخذ مداه وامتداده في الممارسة السياسية، عندما يحتل البطن مكان الرأس لدى أولاد الجيب وفلاسفة الجيب “لأن القلابق لا تهمُّهم الرعية حسب الإشاعات. بل إن هناك من يقولون إن القلابق يهتمون ببطونهم وبطون كلابهم وقططهم وفئرانهم وأبنائهم المدلَّلين ولا ينتبهون إلى الهوة التي راحت تُبعدهم عن العلماء والأكواخ التي لم تعدْ قادرة على الابتسام مرة واحدة في الشهر”.
إنه خطاب زيديولوجي سياسي بامتياز، ولكن كما يرى بعض النقاد، “إن أكثر الأعمال أيديولوجية ما كانت أيديولوجيته أخفى”، لأن “السعيد بوطاجين” يدرك بوعي تام أن الخطاب الأدبي قول مغاير متميز، لذلك يؤسس له على ما تقتضيه خصوصياته فينتشله من التقريرية والتسطيح ليحتجب الخطاب المباشر خلف جدارية فسيفسائية تستوقفك مشاهدها العجيبة أحيانا والمحيّرة أحيانا أخرى بحكم ما تنطوي عليه من أسئلة فلسفية واخزة. “لا توجد فاصلة بين الرمل والزمان، الرمل سماء سنجابية والسماء صحراء ضلَّت طريقها وبقيت معلقة هناك بانتظار أمر ما” “الحكيم يرى الأصل والأحمق يكتفي بالفرع، ومن يعلم ما في الأصل لا تغويه الفروع، الفرع الطيب يحنُّ إلى الجوهر وأما العاق فيصعد في الريح، حتى إذا وهن تذكَّر أنه نسي موطنه، نسي من أين كان يقتات سيتذكر حقيقته متأخرا، عندما يغدو حطبا لليالي الشتاء” “الفرد جمع والجمع فرد إذا استدعى المقام. الكبير صغير والصغير كبير أحيانا. النادر واسع إن أردت وضيق إن أردت. الصفة بالموجود وبالمقارنة. إن لم أكن فما معناك أنت؟ أنت ذكي لأني غبي. وأنا ذكي لأن هناك من هو أغبى مني قليلا أو كثيرا. الخيِّر خيِّر لأن هناك شريرا في الكون. الشرير ليس شريرا دائما، قد يكون خيِّرا في جهة ما”… “الرقعة الجرداء ليست جرداء إلا في العين الجرداء. البيت الخالي يبدو كذلك. قد تكون الديار العامرة فارغة والفارغة عامرة. القليل كثير بالقناعة والكثير قليل عندما تغيب، وعندما تنام وحيدا تعتقد أنك وحدك. لا أحد وحده في الأرض. يحدث أن يكون الواحد جمعا والجمع واحدا، أما إذا عبرت بحيز فارغ فلا تنْسَ أن تسلم عليه حتى لا يعتبرك فراغا عابرا”.
ثم تنصبُّ أفكاره المتزاحمة في لغة مألوفة تبدو غير مألوفة، لغة يتداخل فيها السؤال الفلسفي والسخرية اللاذعة.
ثنائية الشمال – جنوب، تمتد إلى اللغة. وكأن الكاتب صورة من النخلة، هذه الشجرة المباركة، التي تَكرَّر ذكرها في القرآن، تضرب بجذورها في أعماق الرمل، تمتصُّ الماء، فتثمر وتنفع.
لغة الكاتب، تنطبع بهذه الثنائية، حيث يشتبك القديم بالحديث. يستعمل أسماء ليست غريبة عندما يتعلق الأمر بأهل الجنوب (إبراهيم، يوسف، أسعد.. إلخ)، بينما يختار لأهل الشمال أسماء غريبة أو منحوتة وتثير السخرية (القلابق، الطراطير، آية الله خبزنجاني..).
يتعانق القديم والحديث في التراكيب على نحو لا هو قديم محض، ولا حديث محض، لغة ثالثة، إنها لغة “السعيد بوطاجين”، يُعرف بها وتُعرف به. وفيما يلي لا يخفى على القارئ ما يستثمره من التراث ومن القرآن تحديدا ليعطينا هذه اللغة المتفرِّدة.
«وقتل دون أن يخرج أثقاله للقبائل” الرواية، ص: 15، “نأى في عليائه حاسبا أن ماله أخلده” ص: 17 “المراهقات اللائي انتبذن مكانا قصيا اتقاء اللفح” ص: 80 “هلّ الماء دردورا فتذكرتها إذ هزت بجذع النخلة” ص: 87 “جمعت ما يكفي لتزويد السلطنة بإحباط عام يجعلك ترى الناس سكارى وما هم بسكارى” ص: 144.
تتجسد الثنائية أيضا، على مستوى آخر، السخرية والنقد، وكأنه يدعو المتلقي إلى أن يضحك ويفكِّر. فلا مانع أن يجمع المرء بين الضحك والتفكير. “كان جسدي نحيلا جدا لا يرقى إلى مستوى الواحد. كنت ربعا أو أقل” الرواية، ص: 58 “سار في المقدمة شيخ (…) كان نصف دائرة تقريبا” ص: 79 “أنا مشروع رجل. ملخَّص. ما يشبه عنوان نص طويل” ص: 194 “كان اسمي عبد القادر (…) أرى أن اسمك رائع. لكن المشكلة فيه تماما. اسم مركب وطويل. الناس لم يجدوا كيف يسمون زرّيعتهم وأنت تبذِّر الحروف التي ليست ملكا لك. اسم “عبد” وكفى “أما القادر فاتركه للآخرين للجيل القادم” ص: 198.
هكذا، من المشفى وعبر الغيبوبة أو الحلم أو الرؤيا، يحج إلى الصحراء رغم قيْظها ولفحها، قد تبدو فراغا وهو يراها ممتلئة، لأنه ممتلئ حبّا وصفاء، وربما يجعلك تراجع ما تعلَّمته في الصِّغر عن العاطفة الصادقة في الأدب “أو كأنه الوجه الآخر لـ “محي الدين بن عربي” حين يقول:
فالحبُّ في رحلتنا مركب من سَطْوةِ الآلامِ يُنجينا
وفي هجيرِ الصيفِ ظلٌّ لنا من قسوةِ الصحراءِ يحمينا
الحبُّ يا روضتَنا منزل عن نزوات الريـحِ يؤوينا
يلتقي سكان “العين” البصيرة، باحثا عن العقل والمعرفة الكلية، يحاور الهياكل العظمية وينقِّب في مخطوطات العلماء، يبحث عن مكوِّنات الرواية فيحملنا الكاتب على أجنحة الخيال إلى عالم أشبه بجزيرة “الواق واق” أو “جزيرة حي بن يقظان” أو “جزيرة تداعي الحيوانات على الإنسان” لإخوان الصفا. فلا فرق ـ إذن – بين المشفى وفعل الكتابة، بل إن الكتابة – ها هنا – هي المشفى ذاته، فسحة للتطهُّر من أدران ما علق به من واقع موبوء، هي طريقته للخلاص عن طريق الحكْي تماما كما شهرزاد التي ينجيها الحكْي من موت محتوم.
ولما تُكمل المخيِّلةُ دورتها وتكون الذاكرة قد أفرزت مخزونها من الواقع وعْيا، ومن التراث لغة وبلاغة، يفتح عينيْه، فإذا بكتاب عنوانه “أعوذ بالله”، عنوان أراده “أسعد” هذا اللغز أو الولي أو النبي أو الإمام أو الكاتب. ليس المهم أن يكون الواحد في الاثنين أو الاثنان في الواحد، بل الأهم أنه بلغ مدرسة نفق الأنفاق وعلَّمته ألاَّ ينطق عن الهوى ليقول: “أعوذ بالله من صندوق الكذب، أعوذ بالله من القلابق، أعوذ بالله من الدايات والباشوات وأنصار الأعداء. أعوذ بالله من الأمعاء التي لا تستحي. أعوذ بالله من الكرش الذي جعل أعلاها سافلها. أعوذ بالله من الرأس إذا أصبح معدة. أعوذ بالله من شمال يأكل الجنوب”، الرواية ص: 226.
لعل الأمر – فيما نسميه حداثة – يعود في الأصل إلى مفهوم المؤلف لطبيعة الأدب بوصفه نشاطا إنسانيا متميزا، أداته اللغة أساسا، لكنه يستعملها بطريقة تبدو غير عادية.
ما يميز “السعيد بوطاجين” أجواؤه ولغته، سخريته الحكيمة وحكمته الساخرة، أنه يعيش الكتابة لحظة تصوُّفية حيث الذاكرة تستدعي مخزونه الغني من الثقافة التراثية والتاريخية والسياسية. إنه ليس من أولئك الذين يسعوْن إلى أن يكتسبوا صفة “روائي” لمجرد أن تُشْهر على صفحة الغلاف، بل هو كاتب يُقدِّر فعل الكتابة حق قدره، لأنه يعي أن الكتابة أثرُه، هيكلُه العظمي أو روحه أو ظله يوم يغيب، لذلك لا يضع كلمة أو جملة إلا إذا كان لها معنى لمن يسعى ـ حقا ـ إلى إدراك المعنى.
للموضوع مراجع..
——————————————————
*د. مخلوف عامر ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر)
.






