مقتطف من رواية “ثقوب زرقاء” للروائي الخير شوار *
بواسطة مسارب بتاريخ 28 سبتمبر, 2013 في 10:04 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1681.

 

 

لا يدري كم من الوقت مر عندما بدأت مخيلته تعود إلى التشكل من جديد دون أن يفلح في تنشيط ذاكرته البعيدة، واجدا نفسه وسط تلك العتمة التي تكسرها إلا بعض الأضواء الخافتة من جهة البحر، والكثير من الأضواء البعيدة التي تصنع ملامح مدينة شاطئية تمارس طقوس ليلها الشتوي الطويل مثلما تفعل دوما، وعندما يستعيد شيئا من قوته يحاول العودة إلى تلك البناية المخربة من كل جانب كأنها أطلال قصر ذي طوابق متعددة، كوشم في يد عجوزل تسعينية يحكي قصة جسد غض كانت له مغامراته الكثيرة قبل أن يحال إلى ذلك المآل. وعندما استعاد بعضا من ذاكرته القريبة، استحضر ذلك الوجه الذي تفاجأ برؤيته والذي أحاله إلى شعور غريب، مزيج من الحيرة والدهشة والغضب والحقد، دون أن يحدد سر ذلك ولا من هو صاحب ذلك الوجه الذي يتراوح بين وداعة الأطفال ووحشية آكلي لحوم البشر، وفي دجى الظلام الدامس، استعاد تفاصيل ذلك الوجه بكل تفاصيله ككاميرا رقمية عالية الجودة ترصد حتى تفاصيل بثور الوجه المتناهية في الصغر التي تفضح صاحبها مهما كانت أناقته واهتمامه بنعومة بشرته، وأخذ يحدق في تلك التفاصيل وباطنه كالقدر يغلي وتكاد تلك المشاعر المتناقضة تقضي على البقية الباقية من عقله، وكأنه في واحدة نهار يوم قائظ مشبع بضوء وقوة الشمس، وانعكست تلك الأحاسيس على حرارة جسده المنهك، وتراوح بين الإحساس بحرارة غير عادية لا تعكس محيطه وبرودة شديدة قد تفوق درجة البرودة التي كان عليها الجو ساعتها، ومن شدة إحساسه باقترابه من ملامح ذلك الوجه يكاد يلمسه ولسبب غريب يسرع تفكيره في أمور شتى ولا يشعر إلا بالذاكرة القريبة تشتغل وهي أقرب إلى الهواجس والتصورات منها إلى خبرات سابقة في هذه الحياة التي لا يكاد يعرف عنها إلا تلك الصور والأحاسيس الآنية، وتضطرب الصور في أعماقه ولا يعيده إلى تلك الحالة إلا الشعور بالبرد القاتل الذي يسكن نخاع عظامه ويكاد يفجرها من الداخل. تزداد حدة البرد الذي يسكن العظام ويكاد يأكلها من الداخل إلى درجة يحس به يتحول إلى ما يشبه سم الأفعى الذي استولى على كل كيانه ليقتله ببطء شديد، وينتقل ذلك السم إلى مؤخرة دماغه إلى درجة يكاد يجمده، لكن المخ يأبى التجمد في هذه اللحظة وهو يشبه آلة التحكم عن بعد في جهاز الكتروني أصيب نظامه بعطب، أو تحكم في شاشة تلفزيون تبحث عن أية صورة لأية محطة دون جدوى، ويأبى دماغه الاستسلام لليأس مكتفيا باستحضار الذاكرة القريبة التي تعيد له ذلك الوجه الذي رآه فجأة ثم اختفى وسرعان ما تحول إلى كابوس يطارده في نومه ويقظته. وفي لحظة سمع أصواتا وأنينا هي إلى الحلم أو الكابوس أقرب منها إلى الحقيقة، وشعر بأنه يستمع لذلك لأول مرة منذ مدة لا يعلمها.. كان صوت المطر الغزير وصفير الرياح يشوش على مصدر الأصوات والأنين حتى لا يكاد يتبينه وظن أن ذلك من أوهام يقظته المضطربة، وفي اللحظة التي كاد ينسى ذلك الذي ظنه وهما، هدأت الريح قليلا وزاد من انتباهه.. الأصوات تكاد تكون واضحة تماما ولو أن اللغة بدت غامضة ولم يلتقط منها ولا كلمة مفتاحية، ونسي أمر البلل الذي كاد يقضي على ما تبقى من ثيابه البالية والبرد الشديد الذي ينخر عظامه من الداخل حتى كاد يأكلها، وحاول جهده التركيز من أجل استراق بعض الكلمات ليربطها ببعض علها تكون مفتاحا لمعرفة صاحب أو أصحاب تلك الأصوات التي تتحول مما يشبه الهمس إلى أنين، وبالكاد تمكن من القبض على بصمة صوتية أو هكذا تخيل، وشعر بارتباك كبير وبسائل مرّ في فمه كأنه العلقم أو السم، وارتعشت أعصاب مؤخرة رأسه وانقبضت فجأة حتى كادت كل حواسه تتعطل وشعر معها أنه يغيب عن الوعي أو هكذا تخيل، ولم يتمكن من استعادة ما يشبه وعيه الأول إلا بصعوبة، وعندما تمكن من ذلك كانت تلك الأصوات الهامسة قد سكتت وكأن أصحابها قد غادروا المكان، وقد مرّ على الأمر الأول بعض الساعة أو بعض ليلة لا تكاد تنتهي. كان يبحث منذ أن وجد نفسه على تلك الحالة بدون هوية ولا ذاكرة وأحيانا بلا مخيلة، عن شيء يربطه بذلك الوجه الفوسفوري الذي رآه في بداية يومه، لكنه لم ينجح في النهاية، وازداد حيرة عندما تمكن في لحظة صغيرة من القبض على تلك البصمة الصوتية التي سمعها في هذيانه أو واقعه أو في منامه، لا يدري بالضبط، وتشتت تفكيره بين ملامح الوجه الفوسفوري الذي رآه وملامح الصوت الذي انفلت منه في لحظة القبض المفاجئة، وشعر بحالة من الجوع تكاد تمزق أمعاءه، وبحركة في الظلام استطاع الوصول إلى الكيس الذي كان يحمله في النهار ووجد قطعة كبيرة من الخبز كان قد أخذها من مخبزة، وكانت القطعة تلك باردة تميل إلى التجمد ومبللة وشعر بتناقض في رغبته بين جوع يكاد يمزق الأمعاء وحالة كبيرة لفقدان الشهية، ومعها أخذ يدس اللقمة في فمه لكنها لا تكاد تتجاوز الحلق، فأجبر نفسه على قضم بعض ما كان عنده. ولم يشعر بأي طعم للخبز الذي يكاد يتحول من شدة التجمد ثم البلل إلى شيء آخر تماما، ومع ذلك وجد في نفسه رغبة في التهام تلك القطعة رغم الألم الذي كان يشعر به فيما تبقى من أسنانه التي لا يعلم متى رآها في المرآة للمرة الأولى. ولم يكد يكمل تلك القطعة مع صعوبة قضمها البالغة والطعم غير المحبب الذي بدأ يشعر به شيئا فشيئا، حتى استعاد سمعه تلك الأصوات التي سمعها منذ قليل، إنها أصوات تقترب منه ثم تبتعد، لكنه اقتنع أنها قادمة من داخل تلك البناية التي أجبرته الظروف على التكوم عندها وهو تحت رحمة المطر في هذا الجو الذي لا يحتمل من البرد غير بعيد عن شاطئ البحر، الذي لم يعد يراه في هذه الساعة لكنه يسمع أمواجه المتلاطمة التي تكاد تقتحم عليه خلوته تلك. شعر بقوة غير عادية في جسده الذي كان متهالكا منذ قليل، وتحسس بكفه بعض أطرافه، ثم تحولت الكف إلى قبضة، كأنه يمسك من خلالها بشيء ثمين يقاتل من أجل امتلاكه. وسرعان، ما فتح يده، وهو يرى ذلك الخراب يتحول إلى شيء آخر، كأنه عمارة عامرة بالناس، مثل تلك التي يراها من بعيد أو يكاد يراها. وتصارعت في داخله مشاعر الخوف ومشاعر الفضول لمعرفة ما يحصل من حوله، وتخيّل نفسه مالكا لذلك المبنى الذي أصبح في رمش من العين قصرا مثل بعض القصور التي لا يكاد يذكر متى رآها وكيف رآها. لم يتمالك نفسه من هول الدهشة وهو لا يعلم إن كان في عالم الحقيقة أم في الأحلام أم في عالم آخر لا يعرف معالمه، وهل ما كان يعيشه قبل قليل من هذا العالم أو ذاك؟ وقد تحول في لمح من البصر من طور إلى آخر وتغيّر كل شيء من حوله دون أن يتغير المكان إلا في تفاصيله، ولم يدر إن كان في الزمن نفسه الذي عاشه قبل قليل أم سافر من عصر إلى آخر وقد نام طويلا دون أن يشعر وهل سفره هذا كان نحو المستقبل أم نحو ماض سحيق؟ كانت الأضواء مختلفة الألوان والأحجام، وكان يصعد السلالم المفروشة بأبسطة راقية، وهو منتصب القامة، كأنه ملك من الملوك الأسطوريين، وبشكل مفاجئ رأى القصر ذاك يترمم ويزداد بهاء كما لم يره من قبل، وهل ذلك الخراب الذي أقام عنده مدة لا يعرف مداها عند ذلك الشاطئ، غير بعيد عن مدينة صاخبة هو في الحقيقة قصر؟ لم ينتظر جوابا يأتيه من داخله واستمر في المشي نحو الطوابق العليا، لكن القصر الذي كان تحول بشكل مفاجئ وهو يصعد سلالمه العليا إلى مجرد بناية عتيقة، تنبعث منها رائحة دغدغت عبثا ذاكرته، ومع شعوره بالبرد بعض الشيء، حافظ على تماسكه وهو يتقدم ببطء شديد لكن بخطوات متزنة نحو مصدر الأصوات المتناغمة التي أصبح يسمعها بوضوح أكبر كلما تقدم منها. ولم يصدق عينيه عندما رأى مجموعة من النسوة في أعمار مختلفة وفي أزياء متشابهة يجلسن متحلقات وهن يرددن أناشيد أو ما شابه ذلك وبلغة لم يفهم منها كلمة واحدة.

/ ستنشر قريبا عن دار العين بالقاهرة لتكون من ضمن الأعمال الروائية التي ستكون حاضرة بالصالون الدولي للكتاب بالجزائر الذي سيفتتح نهاية الشهر القادم

 

 

* الخير شوار ( روائي من الجزائر)

 

 

 

.

اترك تعليقا